يواصل السودانيون المناهضون لاستيلاء العسكر على الحكم اعتصاماتهم
يواصل السودانيون المناهضون لاستيلاء العسكر على الحكم اعتصاماتهم

لم تلق قرارات قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بإفساح المجال لحكومة مدنية ترحيبا بين صفوف المتظاهرين، وربما لن يختلف الوضع كثيرا بالنسبة للمعارضة بعدما ألقى البرهان الكرة في ملعب القوى المدنية المختلفة فيما بينها، منتظرا منهم الاتفاق.

البرهان الذي قاد استيلاء العسكر على السلطة في 25 أكتوبر الماضي، أعلن "عدم مشاركة المؤسسة العسكرية في المفاوضات الجارية حاليا (الحوار الوطني) لإفساح المجال للقوى السياسية والثورية... وتشكيل حكومة من الكفاءات الوطنية المستقلة تتولى إكمال... (متطلبات) الفترة الانتقالية".

وعما إذا كان انسحاب الجيش من مفاوضات إنهاء الأزمة السياسية سينهي الوضع الحالي، قال القيادي بقوى المعارضة الرئيسة (الحرية والتغيير)، عمار حمودة، لموقع "الحرة": "بالطبع لا. الانقلاب يمتلك قاعدة من عسكريين ومدنيين تؤمن بأن الحكم من صلاحيات الجهات السيادية".

واستبعد حمودة أن تسفر المفاوضات الجارية عن رأي موحد للقوى المدنية، التي تشمل قوى "مؤيدة للانقلاب" لم يسمها.

وأضاف "لم يحدث عبر التاريخ أن توصلت قوى تساند الديكتاتوريات والانقلابات مع قوى تعمل ضد الانقلابات لنظام ديمقراطي. ولن يحدث".

في المقابل يقول المحلل السياسي محمد عثمان الرضى: "الأحزاب السياسية اتفقت على ألا تتفق، وتظل الانقسامات بينها وعدم الاعتراف ببعضها البعض. بينما حمل خطاب البرهان في طياته رسائل لهذه الأحزاب".

ورغم ذلك، يتفق محمد عثمان الرضى مع حمودة على أن خطاب البرهان "لن يحل الأزمة، بل سيعقد المشهد لأنه يعلم يقينا بعدم اتفاقهم".

وكانت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومجموعة دول شرق ووسط أفريقيا للتنمية (إيغاد) مارست، مؤخرا، عبر ما يعرف باسم "الآلية الثلاثية"، ضغوطا لإجراء حوار مباشر بين العسكريين والمدنيين. إلا أن كتل المعارضة الرئيسية، مثل قوى الحرية والتغيير وحزب الأمة، رفضت خوض هذا الحوار.

وقوى إعلان الحرية والتغيير هي التحالف المدني السياسي الذي تقاسم السلطة مع الجيش منذ الانتفاضة ضد عمر البشير في 2019.

وانطلقت، في يونيو الماضي، جلسات الحوار الوطني بمشاركة العسكريين وأحزاب سياسية سودانية وقيادات من حركات تمرد سابقة برعاية أممية وأفريقية، فيما تقرر تأجيله لحين التوافق مع القوى السياسية التي قررت مقاطعة الحوار.  

وفي خطاب الاثنين قال البرهان إنه بعد تشكيل حكومة مدنية "سيتم حل مجلس السيادة وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة من القوات المسلحة والدعم السريع لتولى القيادة العليا للقوات النظامية ويكون مسؤولا عن مهام الأمن والدفاع".

ويفسر حمودة ذلك بـ"تنصل البرهان من مسؤولية الانقلاب ثم الجلوس على هرم أعلى يحكم من خلالها على الجهات المدنية التي يعلم أنها غير متفقة، ويصر على إدخال قوى لا تنتمي للثورة".

وأضاف "هو (البرهان) أعلن انسحابه شكلا، لكنه يبقى عن طريق القوى التي يزعم أنها لابد أن تكون مشمولة بالحوار، وهي القوى التي دعمت الانقلاب الحالي والنظام السابق لعمر البشير وجماعته". 

أما محمد عثمان الرضى فيصف خطاب الاثنين بـ"الخطوة التكتيكية"، قائلا إنها جاءت استجابة للضغوط الخارحية المكثفة بعد اتهام المكون العسكري بأنه يقف حجر عثرة أمام التحول السياسي. وتابع قائلا: "يود الجيش أن يثبت للغرب والمجتمع الدولي أنه ليس عائقا والدليل على ذلك انسحابه من المشهد السياسي برمته".

ولم يتضح من تصريحات البرهان حجم الدور السياسي الذي ستضطلع به القوات المسلحة في المستقبل، غير أن حمودة يقول: "البرهان رقى نفسه، على أن يكون مشرفا وضامنا ووصيا على العملية السياسية. هذه هي الوصاية يرفضها الشعب".

وفيما يتعلق بإحراز تقدم في الأزمة الجارية الآن، قال حمودة: "التقدم الوحيد يتمثل في إقرار البرهان بفشله في تشكيل حكومة وتصريف الأعمال، واعترافه الواضح بفشل الانقلاب".

ومن المقرر أن تعلن الحرية والتغيير موقفها من قرارات البرهان عبر مؤتمر صحفي بعد ظهر الثلاثاء. وقال القيادي بها عمارة حودة لموقع الحرة إنها مستمرة في التصعيد الميداني والمطالبة بحكومة مدنية كاملة وبصلاحيات شاملة "على ألا تشمل قوات تحمل السلاح".

وكان اتفاق وقع في جوبا مع الجماعات المتمردة أتاح لها تمثيلا سياسيا، وتفويضا بصلاحيات، واندماجا في قوات الأمن، وحقوقا اقتصادية، وأراض، وفرصة لعودة النازحين، الأمر الذي عارضه بعض القوى المدنية.

وتأتي هذه التطورات بينما يواصل السودانيون المناهضون لاستيلاء العسكر على الحكم، الثلاثاء، اعتصاماتهم في الخرطوم وضواحيها لليوم السادس على التوالي.

ويتوقع محمد عثمان الرضى حدوث مؤشرات إيجابية لحل الأزمة إذا مارست الولايات المتحدة إلى جانب "الآلية الثلاثية" المزيد من الضغوط "على منظمي هذه الاعتصامات والمكونين العسكري والمدني لضرورة الانصياع لتوجيهات الشارع ولكن برؤية جديدة".

حرب واسعة تدور بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل الماضي
حرب واسعة تدور بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل الماضي

قال مكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، اليوم الجمعة، إن طرفي الحرب الأهلية في السودان ارتكبا انتهاكات قد تصل إلى حد جرائم حرب، تشمل هجمات عشوائية على مواقع مدنية مثل مستشفيات وأسواق وحتى مخيمات النازحين.

وفشلت الجهود حتى الآن في إنهاء الصراع المستمر منذ عشرة أشهر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وقتل آلاف الأشخاص وأجبر أكثر من ستة ملايين على الفرار من منازلهم، الأمر الذي يعني أن السودان أصبح به أكبر عدد من السكان النازحين في العالم.

وقال فولكر تورك المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في بيان مصاحب للتقرير "بعض هذه الانتهاكات ترقى إلى مستوى جرائم حرب...يجب إسكات الأسلحة وحماية المدنيين".

وقررت الولايات المتحدة رسميا بالفعل أن الطرفين المتحاربين ارتكبا جرائم حرب، وقالت إن قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها متورطة في عمليات تطهير عرقي في غرب دارفور. وقال الجانبان إنهما سيحققان في التقارير المتعلقة بعمليات القتل والانتهاكات وسيحاكمان أي مقاتلين يثبت تورطهم.

ويغطي تقرير الأمم المتحدة الفترة من أبريل نيسان إلى ديسمبر كانون الأول، ويستند إلى مقابلات مع أكثر من 300 ضحية وشاهد، بالإضافة إلى لقطات وصور من الأقمار الصناعية.

ويقول إنه في بعض الأحيان أصبح أولئك الذين يفرون للنجاة بحياتهم أو النازحين بسبب العنف ضحايا لهجمات بمتفجرات.

وذكر التقرير أنه في إحدى الحوادث، قتل عشرات النازحين عندما تعرض مخيمهم في زالنجي بدارفور للقصف من قبل قوات الدعم السريع في الفترة من 14 إلى 17 سبتمبر أيلول. وقتل نحو 26 مدنيا، معظمهم من النساء والأطفال في 22 أغسطس آب بقذائف قيل إن القوات المسلحة السودانية أطلقتها بينما كانوا يحتمون تحت أحد الجسور.

ويقول التقرير أيضا إن قوات الدعم السريع اعتمدت استراتيجية عسكرية تتمثل في استخدام الدروع البشرية، مستشهدا بشهادات الضحايا المعنيين.

ويصف التقرير الحوادث التي وقعت في العاصمة الخرطوم حيث تم القبض على عشرات الأفراد ووضعهم في الخارج بالقرب من المواقع العسكرية لقوات الدعم السريع لردع الضربات الجوية التي تشنها الطائرات المقاتلة السودانية.

ووثق محققو الأمم المتحدة حتى الآن حالات عنف جنسي طالت 118 شخصا، من بينهم امرأة اعتقلت وتعرضت للاغتصاب الجماعي بشكل متكرر لأسابيع. وأضاف التقرير أن عددا من عمليات الاغتصاب ارتكبها أفراد من قوات الدعم السريع.

كما وثقت رويترز حالات اغتصاب جماعي في هجمات ذات طابع عرقي شنتها قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها.

واندلعت الحرب في أبريل نيسان الماضي بسبب خلافات حول صلاحيات الجيش وقوات الدعم السريع بموجب خطة مدعومة دوليا للانتقال السياسي نحو الحكم المدني وإجراء انتخابات حرة.