مظاهرات في الخرطوم ومناطق أخرى بشكل شبه أسبوعي. أرشيف
مظاهرات في الخرطوم ومناطق أخرى بشكل شبه أسبوعي. أرشيف

أثار رئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة السودانية، العقيد إبراهيم الحوري، الجدل في السودان، بعد نشره مقالا ألمح فيه إلى اقتراب "ساعة الصفر"، فيما وصفه محللون بأنه تهديد ليس بمحله، وناتج عن انفعالات.

وقال الحوري إن "الجيش لديه ساعة صفر يحتفظ من خلالها بالقرارات التي تلبي أشواق وطموحات السودانيين التي تتوق لحكومة وطنية بفترة انتقالية تمهد لانتخابات يقول فيها الشعب كلمته".

وأضاف الحوري في كلمة افتتاحية صحيفة الجيش السوداني: "ساعة الصفر ميقات زماني قادم لا محالة، إذا كان منهج القوى السياسية ما زال محفوفا بسلوك الغبينة (...) والتطاول على القوات المسلحة، ونسيان وتناسي هموم المواطن، وتأجيج الفتن لتأليب الرأي العام على ثوابت البلاد ومقدراتها".

وأوضح أن "ساعة الصفر" تعبر عن قرارات لا تنقصها الجرأة أو الحكمة المعمول بها في منهج الجيش "الذي ما زال ينتظر أن تعود الأحزاب لرشدها وتعلن توحدها وتقدم ما هو ملموس وعملي في مستقبل حكم السودان (...) فالاستعداد للحرب يمنع الحرب ويحقق السلام".

ليس بمحله

وتعليقا على مقال الحوري، قال اللواء أمين مجذوب، الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي، إن "العقيد إبراهيم الحوري لا يمثل القوات المسلحة، وهو رئيس تحرير صحيفة متخصصة مهنية، وللقوات المسلحة ناطق رسمي باسمها".

وأضاف مجذوب في حديثه لموقع "الحرة" أن "هذا الحديث جاء في سياق تعليق من رئيس التحرير على المشاورات السياسية التي لم تصل إلى حل حتى الآن للأزمة السياسية".

وتابع: "أعتقد أن حديثه فيه كثير من الانفعال ومسألة ساعة الصفر، أو التهديد بتدخل القوات المسلحة هو أمر ليس في محله، وربما يعتذر عنه في الأيام المقبلة، وعلى الصحيفة أن تتحدث بمهنية ولا تتدخل بالسياسة".

بدوره قال المحلل السياسي، الرشيد إبراهيم إن "ساعة الصفر هو عنوان لمقال بجريدة، وهو مصطلح موجود في الأدبيات العسكرية".

وأضاف إبراهيم في حديثه لموقع "الحرة" أن "ساعة الصفر لا يعلن عنها في الصحف، وترتبط بالانقلابات العسكرية (...) وانسحاب القوات المسلحة من المشهد السياسي مشروط بقدرة القوى المدنية على التوافق".

وطالب الحوري، القوى المدنية أن توحد صفها، لتكوين حكومتها بمطلق الحرية، مضيفا: "أما إذا لم تواكب ضخامة المسؤولية وحساسية المرحلة وتصلح من شأنها وتتستر على فشلها بدعاوى هيكلة القوات المسلحة، فإن الجيش عندها وباعتباره الشريك الأساسي في الثورة والتغيير مع شعبه لن ينتظر أحزابا لا يجمعها التوافق على حد أدنى من برنامج وطني متفق".

وفي يوليو الماضي، أعلن قائد الجيش في السودان، عبد الفتاح البرهان، حل مجلس السيادة، وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة من الجيش والدعم السريع، بعد تشكيل حكومة تنفيذية.

وقبيل ذلك، مارست الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومجموعة دول شرق ووسط أفريقيا للتنمية (إيغاد) عبر ما يعرف باسم "الآلية الثلاثية"، ضغوطا لإجراء حوار مباشر بين العسكريين والمدنيين. إلا أن كتل المعارضة الرئيسية، مثل قوى الحرية والتغيير وحزب الأمة، رفضت خوض هذا الحوار.

مظاهرات مستمرة

ويترافق ذلك مع مظاهرات في الخرطوم ومناطق أخرى بشكل شبه أسبوعي منذ أكتوبر الماضي، للمطالبة بحكم مدني وإنهاء الانقلاب العسكري، وتسجل فيها مواجهات مع القوات الأمنية.

وأعلنت لجنة أطباء السودان المركزية، الأربعاء، عن 74 حالة إصابة تم حصرها في تظاهرات 13 سبتمبر (الثلاثاء).

وقالت اللجنة إن من بين الإصابات حالة دهس لطفلة بعربة تتبع للقوات النظامية وأربع حالات إصابة في الرأس بعبوة غاز مسيل للدموع وحالة إصابة في العين، وحالة إصابة برصاص مطاطي وحالات إصابة متفرقة في الجسم نتيجة التصويب المباشر لعبوات الغاز المسيل للدموع والرشق بالحجارة والضرب بالهراوات وحالات اختناق بالغاز المسيل للدموع.

والثلاثاء، خرج آلاف المتظاهرين في العاصمة الخرطوم في تظاهرات دعت لها لجان المقاومة الشعبية، تأكيدا لمطلب عودة الحكم المدني.

وبالعودة إلى مقال الحوري، يقول المحلل السياسي، عمسيب عوض، إن "الحديث عن ساعة الصفر لن يكون أبعد من إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر، التي تم خلالها إبعاد كل القوى السياسية من المشهد السياسي في السودان".

وأضاف عوض في حديثه لموقع "الحرة" أن "القوات المسلحة استأثرت بالمشهد السياسي، بالإضافة إلى عدد من الفصائل السياسية المتفقة معها، ولا أعتقد أن تكون ساعة الصفر أبعد من ذلك".

وتساءل "هل بعد إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر تم تلبية تطلعات وأشواق الشعب السوداني؟ وهل هناك نية واضحة للقوات المسلحة في إجراء انتخابات حرة ونزيهة في الوقت الحالي؟ وهل هناك إجراءات تصحيحية حقيقية على المشهد السياسي؟" (...) لا أعتقد ذلك والأمور تسير من تعقيد إلى آخر".

ومنذ الخامس والعشرين من أكتوبر، يشهد السودان احتجاجات شعبية متواصلة، رفضا للإجراءات التي قام بها القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان.

وفي 25 أكتوبر الماضي، أعلن  الفريق أول، عبد الفتاح البرهان، الذي كان يرأس مجلس السيادة السوداني حل كل مؤسسات المرحلة الانتقالية، لا سيما مجلس السيادة والحكومة، وذلك بعد اعتقال رئيس الحكومة حينها، عبد الله حمدوك، فيما اعتبر انقلابا على السلطة المدنية.

وبعيد الإفراج عنه وعودته إلى رئاسة الحكومة، باتفاق سياسي مع قادة القوات المسلحة، أعلن حمدوك في 3 يناير الماضي، استقالته من منصبه، بسبب "انسداد أفق الحوار بين الجميع ما جعل مسيرة الانتقال في السودان هشة"، وسبب "أزمة سياسية تكاد أن تكون شاملة".

وقال حمدوك في خطاب للشعب حينها إن "الثورة ماضية إلى غايتها والنصر أمر حتمي"، وإن "الحوار هو الحل نحو التوافق لإكمال التحول المدني الديمقراطي".

وفي إطار الرؤية المستقبلية للمشهد العام في السودان، قال عوض إن "الحراك في الشارع يمكن من خلاله للقوى السياسية الضغط على المكون العسكري لتقديم تنازلات، ولكن أعتقد أن الحراك لا يمكن أن يفضي إلى حلول دون عمل سياسي من القوى السياسية للخروج من الأزمة، وهذا ما لا نشاهده في السودان".

الحرب في السودان

تتفاقم آثار الكارثة الإنسانية في جميع أنحاء السودان، دون أن تظهر أي علامات على إمكانية تراجعها، جراء الحرب المستمرة في البلاد منذ نحو عامين.

لا يزال آلاف السودانيين يُقتلون ويُجوعون ويُغتصبون بوتيرة يومية، ويجبر العنف ملايين الأشخاص على ترك منازلهم والنزوح داخليا أو عبر الحدود إلى الدول المجاورة. 

تسبب  الصراع بـ"أسوأ حالة طوارئ إنسانية في العالم" وفق توصيف الأمم المتحدة، إذ تصدر السودان دول العالم في عدد النازحين داخليا بسبب الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، شبه الحكومية.

وتجاوز عدد النازحين قسرا داخل البلاد 9 ملايين شخص، بالإضافة إلى أكثر من 3.8 مليون لاجئ إلى الدول المجاورة، ما يعني أن نحو 13 مليون شخص قد فروا من العنف خلال العامين الماضيين، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

وتحذر منظمات دولية، بينها اليونيسيف، من أن الموت يشكل "تهديدا مستمرا" لحياة الأطفال في السودان.

وفي محيط مدينة الفاشر، غربي البلاد، وحدها، يحاصر الموت ما يقرب من 825 ألف طفل، يواجهون قصفا مستمرا ونقصا حادا في أبسط مقومات البقاء على قيد الحياة.

وحذرت هيئة تابعة للأمم المتحدة من انتشار حالات الاغتصاب مع استمرار الحرب التي تفجرت بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه الحكومية منذ سنتين في السودان.

وقالت آنا موتافاتي، المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في شرق وجنوب إفريقيا: "بدأنا نشهد استخداما ممنهجا للاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح حرب".

وشددت على أن "ما خفي كان أعظم، فهناك كثيرات لا يبلغن عن هذه الجرائم خوفا من العار وتحميل المسؤولية للضحايا، الذي يُلازم كل امرأة تتعرض للاغتصاب".

وأكد نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، إن "الحكومة عازمة على تنفيذ كافة الاتفاقيات الخاصة بحماية النساء من العنف الجنسى والقضاء على التمييز، وانفاذ القانون وضمان عدم الإفلات من العقاب لمرتكبي جرائم العنف الجنسي ضد النساء والفتيات والأطفال".

وأشار عقار لدى لقائه، في بورتسودان، مع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للعنف الجنسي في مناطق النزاعات، براميلا باتن، إلى أن "السودان ومنذ الشرارة الأولى أرسل العديد من التقارير المصورة والموثوقة لعدد من الهيئات والمنظمات الدولية والاقليمية ومنظمات حقوق الإنسان، توضح العنف الذي مارسته قوات الدعم السريع في حق النساء والفتيات والأطفال في السودان إلا أن الاستجابة كانت بطيئة مما فاقم الأوضاع لاسيما في المناطق التي كانت تسيطر عليها".

ونفت الدعم السريع في يوليو الماضي عن الانتهاكات التي تقع أثناء الحرب، إنها ستتخذ تدابير وقائية لمنع انتهاكات حقوق الإنسان.

خطر آخر يهدد المدنيين وعمليات الإغاثة يتمثل في الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب. وحذر رئيس برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في السودان، صديق راشد، من أن المناطق التي كانت آمنة أصبحت الآن ملوثة بشكل عشوائي بهذه الأسلحة القاتلة، بما فيها الخرطوم وولاية الجزيرة.

وقد تجسدت هذه المخاوف في حوادث مأساوية، حيث لقي مدنيون، بينهم أطفال ونساء، مصرعهم وأصيب آخرون بسبب انفجار هذه الذخائر.

وناشد صديق راشد الأطراف المتحاربة تجنب استخدام الأسلحة في المناطق المأهولة، وتسجيل المناطق الملوثة لتسهيل عملية التطهير، ودعا المجتمع الدولي لتقديم الدعم اللازم لجعل المناطق آمنة قبل عودة المدنيين.

وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية المتفاقمة، توجه كليمنتاين نكويتا سلامي، منسقة الأمم المتحدة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان نداء عاجلا إلى المجتمع الدولي: الناس في وضع يائس.

وقالت: "نناشد المجتمع الدولي ألا ينسى السودان وألا ينسى الرجال والنساء والأطفال في السودان الذين وجدوا أنفسهم في هذا الوضع الصعب للغاية في هذه اللحظة الحرجة".

ووجه المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، رسالة إلى العالم حول السودان: "يجب أن يكون مرور عامين على هذا الصراع الوحشي الذي لا معنى له بمثابة جرس إنذار للأطراف لإلقاء أسلحتها وألا يستمر السودان في هذا المسار المدمر".