السودان ذات موقع جيو-استراتيجي، ويهتم به العالم
السودان ذات موقع جيو-استراتيجي، ويهتم به العالم

فشلت الأطراف المدنية والعسكرية في السودان بالتوقيع على اتفاق سياسي يمهد لتشكيل حكومة ويضع أساسا لنظام ديمقراطي غائب عن البلاد منذ سنوات، بعد الإطاحة بحكم، عمر البشير، عام 2019، واستيلاء الجيش على السلطة عام 2021، الأمر الذي يطرح تساؤلات عن أبرز العقبات والسيناريوهات المتوقعة بعد الإعلان عن تأجيل التوقيع.

وقال الناطق الرسمي باسم العملية السياسية بالسودان، خالد عمر يوسف، في بيان، السبت، إن توقيع اتفاق سياسي نهائي تأجل بسبب عدم وجود "توافق حول بعض القضايا العالقة".

وكان من المقرر توقيع الاتفاق النهائي، الذي يتوقع أن يؤدي إلى حكومة مدنية وانتقال نحو الانتخابات، وفتح الطريق أمام تسليم السلطة في السودان للمدنيين.

ويجمع محللون أن أبرز العقبات التي تعترض الوصول إلى اتفاق تتمثل بالإصلاحات الأمنية والعسكرية الشائكة، والتي تحتاج وقتا طويلا قد يصل إلى سنوات.

ويقول المحلل السياسي، الرشيد إبراهيم، إن "وضع مواقيت للعملية السياسية كان خطأ استراتيجيا، لأنه من الواضح أن حجم القضايا وحجم الخلاف والموضوعات المطروحة للنقاش تحتاج وقتا طويلا".

وأوضح في حديثه لموقع "الحرة" أن "الاستعجال في مثل هذه القضايا يؤدي إلى مثل هذه النتائج (الفشل)".

الإصلاح الأمني والعسكري

وعن القضايا العالقة يرى إبراهيم أن "ورشة الإصلاح الأمني" هي العائق الأكبر "بالدرجة الأولى"، ويتمثل في "دمج قوات الدعم السريع والحركات المسلحة والميليشيات الأخرى بالجيش السوداني".

وأكد أن "عدم تحقيق ذلك (الدمج) وعدم التوصل لمواقيت محددة فيما يتعلق ببدء الدمج ومدته وكيفيته يدفع الجيش للابتعاد عن التوقيع على الاتفاق الإطاري".

وفي ديسمبر الماضي، اتفق قادة عسكريون سودانيون وفصائل مدنية على المكون الأول لعملية سياسية من مرحلتين لإنهاء الاضطرابات السياسية التي تعم البلاد منذ أن قاد قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، انقلابا عسكريا في أكتوبر 2021. وركزت المحادثات بين الموقعين على الاتفاق، بشكل أساسي، على تفكيك نظام البشير.

ويقول محللون إن دمج قوات الدعم السريع في الجيش، هي نقطة الخلاف الرئيسية بين البرهان ونائبه، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي والذي يقود هذه القوات شبه العسكرية التي تشكلت عام 2013 للقضاء على التمرد في دارفور.

واختتمت الأسبوع الماضي ورشة حول الإصلاح الأمني والعسكري من دون التوصل إلى اتفاق.

وعقدت هذه الورشة تنفيذا لما نص عليه اتفاق إطاري وقعه العسكريون مع المدنيين في ديسمبر الماضي، كجزء أول من العملية السياسية التي تهدف لعودة المدنيين إلى السلطة.

ودمج قوات الدعم السريع ووضع الجيش تحت سلطة مدنية كان من المطالب الأساسية لحركة احتجاجية ساعدت في الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير منذ أربع سنوات.

ويقول إبراهيم "واضح أن الترتيبات الأمنية والعسكرية، هي التي تقف الآن عائقا في طريق الاتفاق (...) ولاحقا في حال تجاوز ذلك قد تكون هناك خلافات أخرى تتعلق بقاعدة المشاركة السياسية، وآلية اختيار مجلس الوزراء، وكل ما اقتربنا من الكرسي والسلطة كلما ازدادت الخلافات والانشقاقات".

وفي رأي متوافق مع إبراهيم، يرى المحلل السياسي، أمين مجذوب، أن الإصلاح الأمني والعسكري هو العائق الأساسي.

وأوضح في حديثه لموقع "الحرة" أن هناك "محورين للخلافات، محور الإصلاح المتمثل بإخراج العناصر التابعة للنظام البائد، والمحور الخاص بدمج قوات الدعم السريع والحركات المسلحة الأخرى في الجيش السوداني".

وتابع "ترى القوات المسلحة أن الدمج مهم خلال الفترة الانتقالية، وهنالك من تحدث عن خمس سنوات، ومن تحدث عن عشر سنوات، وهذا سيربك الفترة الانتقالية وسيربك فترة الانتخابات".

ويعتبر محللون أن إصلاح قطاع الأمن حاسم في فرص السودان في التحول إلى ديمقراطية.

واستهدفت المحادثات في الخرطوم هذا الأسبوع تقديم إرشادات حول كيفية وموعد دمج قوات الدعم السريع، لكنها اختتمت في وقت متأخر، الأربعاء، دون إصدار توصيات.

وقال مصدران سياسيان ومصدر عسكري لرويترز إن مندوبي الجيش والشرطة والمخابرات انسحبوا من المحادثات احتجاجا على عدم وجود أي جدول زمني للاندماج.

وقالت المصادر إنه بينما يفضل الجيش جدولا زمنيا مدته عامان للاندماج، اقترح وسطاء دوليون خمس سنوات بينما اقترحت قوات الدعم السريع عشر سنوات.

وقالت القوتان في تصريحات، الخميس، إنهما ملتزمتان بالمحادثات وتنتظران نتائج لجنة فنية تناقش تفاصيل الاندماج.

اجتماع جديد

وقال الناطق الرسمي باسم العملية السياسية، خالد عمر يوسف، إن اجتماعا سيعقد بعد ظهر، السبت، بالقصر الجمهوري"يضم الأطراف المدنية والعسكرية الموقعة على الاتفاق الإطاري لتحديد موعد جديد للتوقيع على الاتفاق السياسي النهائي الذي تعذر توقيعه في ميقاته نسبة لعدم التوصل لتوافق حول بعض القضايا العالقة".

وتابع "ستواصل جميع الأطراف انخراطها في مناقشات جادة، من أجل تجاوز العقبات الأخيرة في طريق الوصول لاتفاق يسترد مسار التحول المدني الديمقراطي، وتتشكل بموجبه سلطة مدنية تقود الانتقال وترفع المعاناة عن كاهل شعبنا الذي لم يتراجع يوما عن بلوغ غاياته".

وعن أهمية إنجاز الإصلاحات الأمنية والعسكرية، يقول مجذوب "في تقديري أن إكمال الدمج خلال الفترة الانتقالية مهم جدا (...) ولذلك انعكاسات على المرشحين، ويؤثر على توقيت توقيع الدستور وتشكيل الحكومة وتوقيع الاتفاق النهائي، واجتماع اليوم (السبت) خاص بهذا الموضوع وربما يتم تعديل التوقيتات".

وحضر البرهان وحميدتي، الأحد الماضي، افتتاح المناقشات المتعلقة بالإصلاح الأمني والعسكري، مع دعوتهما إلى إتمام عملية الدمج.

وقال دقلو إن "الإصلاح الأمني والعسكري مهمة ليست سهلة ونسير نحو إقامة جيش موحد".

وأضاف "قبلنا الإصلاح الأمني والعسكري برضا ووعي بضرورة وجود جيش مهني موحد".

من جهته أكد البرهان سعيه إلى "بناء جيش مهني بعيدا عن السياسة".

السيناريوهات المتوقعة

وفي حال فشل المفاوضات بين المكون العسكري والمكون المدني وعدم إتمام عملية دمج الميليشيات في الجيش، يتوقع المحللان سيناريوهات قاتمة.

ويقول إبراهيم إن "سيناريو التمديد هو الأرجح، ويتمثل في أن تعطي الأطراف نفسها فرصة للتوافق حول هذه القضايا، والسيناريو الآخر أن تتباعد هذه المواقف، وأن يصر كل طرف على موقفه، وبالتالي قد نصبح مقبلين على إجراءات استثنائية ذات طبيعة أحادية وليست جماعية".

من جانبه يقول مجذوب "إذا لم يتحقق الاتفاق حول الدمج والإصلاح، أتوقع السيناريو الأول أن تشكل حكومة تصريف أعمال برئاسة مدنية، والسيناريو الثاني أن يتم تشكيل مجلس عسكري (...) وحكومة مدنية وإجراء انتخابات بعد عام. أما السيناريو الثالث أن يتم الاتفاق على اندماج قوات الدعم السريع مع الجيش (...) أو أن يحدث صراع بين البرهان وحميدتي".

أما "السيناريو المخيف" بحسب مجذوب هو "أن يكون هنالك تدخل خارجي في حال عدم حل الأزمات، لأن السودان ذات موقع جيو-استراتيجي، ويهتم به العالم ويهتم به مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والغرب عموما (...) وقد يكون التدخل الخارجي للحد من هذه الفوضى ومنع الانهيار لأنه سيؤثر على المنطقة كلها".

ونفذ الجيش وقوات الدعم السريع انقلابا في أكتوبر 2021، لينهيا المرحلة الانتقالية السابقة نحو الانتخابات التي انطلقت بعد الإطاحة بالبشير.

وتقول فرانس برس إن القوات المسلحة السودانية التي تأسست قبل أكثر من تسعين عاما قامت بأربعة انقلابات عسكرية على حكومات منتخبة ديمقراطيا منذ استقلال البلاد عام 1956.

قائد قوات الدعم السريع في السودان محمد حمدان دقلو (تلغرام)
قائد قوات الدعم السريع في السودان محمد حمدان دقلو (تلغرام)

اعتبر قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، أن الحرب في السودان "لا تزال في بدايتها"، متعهدا بعودة قواته إلى العاصمة بعد أن انسحبت منها إثر التقدم الذي أحرزه الجيش في الخرطوم ومناطق أخرى.

وقال دقلو، في تصريحات صوتية بمناسبة عيد الفطر، إن الانسحاب الذي حصل في الأيام السابقة من أم درمان "كان قرارا جماعيا وتقديرا من القيادة وإدارة العمليات"، متعهدا بـ"العودة إلى الخرطوم بقوات أشد قوة".

وتأتي تصريحات دقلو المعروف باسم "حميدتي"، بعد إعلان الجيش السوداني، السبت، سيطرته على سوق رئيسية في مدينة أم درمان كانت تستخدمها قوات الدعم السريع لشن هجمات خلال الحرب المستعرة منذ نحو عامين.

وأعلن الجيش السوداني أيضا انتصاره على قوات الدعم السريع في الخرطوم، مؤكدا السيطرة على معظم أنحاء العاصمة.

وحذر قائد قوات الدعم السريع عناصره في أرجاء السودان من "الالتفات للشائعات"، متوعدا بطرد خصومه "خارج الخرطوم وخارج بحري"، وكافة الولايات.

وشدد دقلو على رفضه القاطع لأي تفاوض أو اتفاق، قائلًا: "لا يوجد معهم أي اتفاق ولا أي نقاش، سواء سري ولا علني، لا نقاش غير البندقية".

يأتي ذلك بعد أن استبعد قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أي مصالحة مع قوات الدعم السريع، وذلك في بيان مصور صدر السبت، تعهد فيه بسحق القوات شبه العسكرية.

وقال البرهان إنه "لا تفاوض ولا مساومة"، مؤكدا التزام الجيش بـ"استعادة الوحدة الوطنية والاستقرار".

وأضاف أن من الممكن منح العفو للمقاتلين الذين يلقون أسلحتهم، خاصة أولئك الموجودين في المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع.

وتابع: "أبواب الوطن مفتوحة لكل من يحكم عقله ويتوب إلى الحق من الذين يحملون السلاح، فالعفو عن الحق العام ومعالجة الأمر العسكري ما زال ممكنا ومتاحا".

وسيطر الجيش بالفعل على معظم مدينة أم درمان، التي تضم قاعدتين عسكريتين كبيرتين. ويبدو أنه عازم على بسط السيطرة على كامل منطقة العاصمة، التي تتألف من 3 مدن هي الخرطوم وأم درمان وبحري.

واندلعت الحرب في خضم صراع على السلطة بين الطرفين قبل انتقال كان مزمعا إلى الحكم المدني.

محكمة العدل الدولية تحسم أمرها في دعوى السودان ضد الإمارات
قالت محكمة العدل الدولية، الجمعة، إنها ستنظر في دعوى رفعها السودان وطالب فيها باتخاذ تدابير طارئة ضد الإمارات، متهما إياها بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وذلك من خلال تسليح قوات شبه عسكرية.

ودمرت الحرب أجزاء كبيرة من الخرطوم وأجبرت أكثر من 12 مليون سوداني على النزوح من ديارهم وجعلت نحو نصف سكان البلاد، البالغ عددهم 50 مليون نسمة، يعانون من الجوع الحاد.

ومن الصعب تقدير العدد الإجمالي للقتلى لكن دراسة نشرت العام الماضي قالت إن عدد القتلى ربما وصل إلى 61 ألفا في ولاية الخرطوم وحدها خلال أول 14 شهرا من الصراع.

وزادت الحرب من عدم الاستقرار في المنطقة حيث شهدت دول الجوار، ليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان، نوبات من الصراع الداخلي على مدى السنوات القليلة الماضية.

وفي يناير الماضي، اتهمت الخارجية الأميركية القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب، كاشفة أن أفراد من الدعم وميليشيات عربية متحالفة معها ارتكبوا "جرائم ضد الإنسانية وتطهيرا عرقيا".