خلافات بين الحاكم الفعلي للسودان عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"
خلافات بين الحاكم الفعلي للسودان عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"

اشتعلت الأوضاع في السودان بعد اشتباكات بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، بسبب الخلاف بين الحاكم الفعلي للبلاد قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، فما أسباب تلك الأزمة؟

انفجار الأوضاع 

السبت، سمع دوي انفجارات وإطلاق نار في مناطق مختلفة من العاصمة السودانية الخرطوم، فيما تشهد البلاد خلافات بين الجيش وقوات الدعم السريع المسلحة.

وقال شهود إن "مواجهات " ودوي انفجارات وإطلاق نيران سمع بالقرب من قاعدة تتمركز فبها قوات الدعم السريع في جنوب الخرطوم.

وأغلقت دبابات الطرق المؤدية إلى القصر الجمهوري، وسط انتشار كثيف لقوات الدعم السريع قرب مقر قيادتها، فيما توقف حركة الطيران في مطار الخرطوم، وفقا لمراسل "الحرة".

اتهامات متبادلة

في بيان السبت، اتهمت قوات الدعم السريع الجيش السوداني بمهاجمة إحدى قواعدها في منطقة سوبا بالخرطوم، مستعملا كافة أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، واصفة  العمل بـ"الجبان".

وقالت قوات الدعم السريع إنها "تفاجأت صباحا بقوة كبيرة من القوات المسلحة تدخل إلى مقر تواجد قواتها في أرض المعسكرات سوبا، وتضرب حصارا، ثم تنهال عليها بهجوم كاسح بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة".

وبعد ذلك بدقائق، اتهم الجيش السوداني قوات الدعم السريع بمهاجمة عدة قواعد تابعة له.

وقال الجيش السوداني في بيان "حاولت قوات الدعم السريع مهاجمة قواتنا في المدينة الرياضية ومواقع أخرى وتتصدى لها قواتنا المسلحة".

وقال الناطق باسم الجيش، العميد نبيل عبد الله، لوكالة فرانس برس "هاجم مقاتلون من قوات الدعم السريع عدة معسكرات للجيش في الخرطوم ومناطق متفرقة في السودان" مضيفا "الاشتباكات مستمرة والجيش يؤدي واجبه في حماية البلاد".

ويمثل الجيش قوة مهيمنة في السودان منذ استقلاله عام 1956 إذ خاض حروبا داخلية وقام بانقلابات متكررة ولديه حيازات اقتصادية ضخمة.

وتشكلت قوات الدعم السريع  في 2013 وانبثقت عن ميليشيا "الجنجويد" التي اعتمد عليها البشير، في قمع التمرد في اقليم دارفور.

وتحولت قوات الدعم السريع من ميليشيات قاتلت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى منظمة شبه عسكرية معقدة لديها أموال كثيرة وتعمل تحت تسلسل قيادة خاص بها.

وقال وسطاء الجمعة وفي ساعة مبكرة السبت, إن البرهان وحميدتي مستعدان لاتخاذ خطوات للحيلولة دون تصاعد الموقف، حسب "رويترز".

والخميس، حذر الجيش السوداني من مواجهة محتملة بين قواته وقوات الدعم السريع بعد نشر وحدات تابعة لها، في إشارة علنية إلى خلافات طويلة الأمد تعرقل جهود عودة الحكم المدني.

وتصاعد التوتر بعد نقل بعض قوات الدعم السريع بالقرب من مطار عسكري بمدينة مروي في شمال البلاد في خطوة قال الجيش إنها اتُخذت دون موافقته.

وبدأت قوات الدعم السريع، التي أطاحت مع الجيش بالرئيس السابق، عمر البشير، في 2019، إعادة نشر وحداتها في العاصمة الخرطوم وأماكن أخرى، وسط محادثات بدأت الشهر الماضي لدمج القوات شبه العسكرية في الجيش بموجب خطة انتقالية تفضي إلى انتخابات جديدة.

ومن شأن هذا الاتفاق الجديد الذي لم يوقع، إحياء عملية الانتقال الديموقراطي في السودان أحد أفقر دول العالم، وفتح الباب أمام خروج البلاد من الأزمة.

سر الخلاف؟

الجمعة، قالت مصادر مقربة للبرهان ودقلو إنهما ما زالا على خلاف حول من سيتقلد منصب القائد العام للجيش خلال فترة الاندماج التي ستمتد عدة سنوات. 

وتقول قوات الدعم السريع إن القائد ينبغي أن يكون الرئيس المدني للدولة، وهو ما يرفضه الجيش.

وأدى الخلاف بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى تأخير التوقيع النهائي على اتفاق مع الأحزاب السياسية وتشكيل حكومة مدنية.

ومطلع الشهر الحالي، تأجل مرتين التوقيع على اتفاق بين العسكريين والمدنيين لانهاء الأزمة التي تعيشها البلاد، بسبب خلافات بين الأخير ودقلو.

ويعود السبب الرئيسي لعدم توقيع الاتفاق الى الخلافات بين البرهان ودقلو حول شروط دمج قوات الدعم السريع في الجيش، حسب ما نقلته "فرانس برس" عن خبراء.

ويمكن أن تؤدي أي مواجهة بين الجانبين إلى صراع طويل الأمد في السودان الذي يواجه بالفعل انهيارا اقتصاديا وتفجرا للعنف القبلي، وفقا لـ"رويترز".

ما دخل النظام السابق؟

اتهمت قوى الحرية والتغيير، وهي التحالف الرئيسي المؤيد للديمقراطية في السودان، "فلول" نظام البشير بتأجيج الخلاف بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.

وقالت قوى الحرية والتغيير، وهي ائتلاف مكون من أحزاب مؤيدة للديمقراطية، في بيان "المخطط الحالي هو مخطط لفلول النظام البائد يهدف لتدمير العملية السياسية".

وشاركت قوى الحرية والتغيير في اتفاق لتقاسم السلطة مع الجيش بعد الإطاحة بالبشير إلى أن حدث انقلاب آخر في عام 2021 عندما أطاح الجيش وقوات الدعم السريع بالقيادات المدنية واستوليا على السلطة.

ويقول قادة الحرية والتغيير إن من أبرز أهداف تشكيل حكومة مدنية جديدة هو تطهير القطاع العام من الموالين للبشير، الذين عاودوا الظهور بعد انقلاب أكتوبر  2021.

وخلال حكم البشير، الذي استمر لثلاثة عقود، كان للموالين لحزب المؤتمر الوطني أولوية في شغل المناصب بالحكومة والجيش.

وقالت الأطراف المدنية في الاتفاق المعلق في بيان منفصل، الخميس، إن عناصر حزب المؤتمر الوطني يسعون بشكل حثيث "لإثارة الفتنة بالوقيعة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ودق طبول الحرب" ليتسنى لهم العودة للسلطة.

وقال حميدتي إن عودة أنصار البشير للساحة جعلته نادما على الانقلاب ودفعته لدعم الاتفاق لبدء مرحلة انتقالية جديدة.

ويرى محللون أن الرغبة في الحد من انتشار الإسلام السياسي هي الدافع وراء الدعم الأجنبي للاتفاق الذي توسطت فيه قوى غربية وخليجية وكذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وفقا لـ"رويترز".

وفي العام 2019 وفيما كان السودان، أحد أفقر بلدان العالم، يبدأ مسيرة الانتقال الديموقراطي ويحظى بدعم المجتمع الدولي بعد حكم ديكتاتوري استمر 30 عاما، شكلت قوى الحرية والتغيير حكومة مدنية تقاسمت حكم البلاد مع العسكريين وكان يفترض أن تقود البلاد إلى انتخابات حرة لتسليم السلطة كاملة للمدنيين.

لكن في 25 أكتوبر 2021 وفيما كان استحقاق الانتخابات يقترب، أغلق البرهان الباب أمام هذا التحول الديموقراطي على نحو مفاجئ، بعدما قاد انقلابا واعتقل معظم الوزراء والمسؤولين المدنيين. 

ومنذ ذلك الحين، تغوص البلاد في أزمة سياسية واقتصادية فيما علق المجتمع الدولي كل مساعداته بعد الانقلاب.

الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي
الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي

في خضم الحرب الطاحنة التي يخوضها الجيش السوداني مع قوات الدعم السريع، يعتزم رئيس مجلس السيادة، الفريق عبدالفتاح البرهان، طرح وثيقة دستورية جديدة للبلاد.

وأعلن مساعد قائد الجيش السوداني، ياسر العطا، السبت، في مقابلة تلفزيونية عن رغبة البرهان في تقديم وثيقة دستورية جديدة قائلا إن العمل عليها يجري "بسرعة كبيرة جدا".

وقال العطا إنه "تم التوافق على صيغة دستورية (جديدة) لإدارة الفترة التأسيسية الانتقالية للحكم الديمقراطي"، مشيرا إلى أن الإعلان الدستوري الجديد يؤسس لـ "إعادة صياغة مجلس السيادة وتعيين رئيس وزراء مستقل وهو بدوره يعين حكومته من كفاءات مستقلة".

ويرى محللون أن هذه الخطوة تهدف "لترسيخ حكم السلطة العسكرية" في السودان من خلال صياغة وثيقة دستورية جديدة يكون الغلبة فيها لجنرالات الجيش.

ويصف الباحث البارز المتخصص بالشؤون الأفريقية، محمد تورشين، قرار صياغة وثيقة جديدة بـ "التخبط الجديد" الذي يصدر من الجيش في إبان الحرب.

وقال تورشين لموقع قناة "الحرة" إن "الغرض من هذه الوثيقة هو محاولة السيطرة فعليا على السلطة وترسيخ الحكم العسكري من خلال إلغاء الوثيقة السابقة".

وأضاف: "الوثيقة الدستورية الجديدة سيكون الغلبة فيها للجنرالات بمجلس السيادة، ما يعني أن رئيس الوزراء الجديد الذي سيتم تعيينه سيدين بالولاء لهم".

الخبير الاستراتيجي المصري، اللواء متقاعد محمد عبدالواحد، يذهب في الاتجاه ذاته قائلا إن دلالات الإعلان في هذا التوقيت تشير إلى أن الجيش "يريد إحكام السيطرة الشرعية الكاملة" على البلاد.

وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن البرهان "يريد إضفاء شرعية على نظامه وأن يذكر الدستور اختصاصاته بحيث لا يتم التعامل دوليا مع أطراف أخرى داخل السودان".

ما هي الوثيقة الأولى؟

تدور الحرب الأهلية في السودان بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي، مما أسفر عن مقتل آلاف السودانيين ونزوح نحو 8 ملايين آخرين.

في أعقاب ثورة أطاحت بحكم الرئيس الإسلامي السابق، عمر البشير، أبرم العسكريون والمدنيون السودانيون وثيقة دستورية في أغسطس 2019 كان يفترض أن تؤسس لمرحلة انتقالية مدتها 39 شهرا.

بموجب تلك الوثيقة، يتولى الجيش السلطة على المستوى السيادي بينما تقود حكومة مدنية ومجلس تشريعي الفترة الانتقالية.

وتأسس مجلس السيادة السوداني الذي يفترض أن يقود المرحلة الانتقالية برئاسة الفريق البرهان ونائبه السابق حميدتي، فيما تم تنصيب الخبير الاقتصادي، عبدالله حمدوك، رئيسا للوزراء لقيادة حكومة انتقالية البلاد.

لكن تلك المرحلة لم تستمر طويلا بعد انقلاب قاده البرهان وحميدتي في أكتوبر عام 2021 وتم من خلاله بالإطاحة بالقوى المدنية من الحكومة، ما أثار إدانة دولية واسعة النطاق.

ومنذ ذلك الوقت، تفاقمت مشاكل السودان التي شهدت احتجاجات دورية مناهضة للانقلاب، علاوة على أزمة اقتصادية مستفحلة وصدامات قبلية متزايدة بالمناطق النائية.

ولكن المشهد في السودان انفجر في منتصف أبريل 2023 بعد أن دخل حليفا الأمس، حربا دامية وضعت البلاد في مواجهة "واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في الذاكرة الحديثة"، وفقا للأمم المتحدة.

ومؤخرا، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها المتزايد إزاء تقارير عن قتال عنيف في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة فيما تسعى قوات الدعم السريع للسيطرة على الفاشر، آخر مدينة رئيسية بإقليم دارفور في غرب البلاد لا تخضع لسيطرتها.

وقال اللواء عبدالواحد إن "الظروف في السودان صعبة للغاية" وأن البلاد "ليس بحاجة للوثيقة الدستورية بعد تطورات الحرب".

وتابع: "الحالة العسكرية سيئة للغاية والحديث عن اقتراب حميدي من السيطرة على الفاشر وبالتالي ستكون دارفور سقطت بالكامل في أيدي الدعم السريع".

"تداعيات"

وشدد عبدالواحد على الأهمية الاستراتيجية لإقليم دارفور على اعتبار أنه يشكل مساحة كبيرة من السودان ويربط المناطق الشرقية للبلاد، علاوة على أنه حدودي مع ليبيا وتشاد وأفريقيا والوسطى.

ومضى قائلا: "كثير من التوقعات تشير إلى أن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر ربما يعجل بإعلان حميدتي عن دولة من دارفور ويبدأ التقسيم ... والبرهان هو الآخر حريص على تحصين نفسه في المناطق الشرقية".

والفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور تعتبر مركزا رئيسيا للمساعدات الإنسانية بالإقليم الواقع في غرب السودان والذي يعيش فيه ربع سكان البلاد البالغ عددهم 48 مليون نسمة.

وشهدت في هذا الشهر معارك عنيفة على الرغم من دعوات أممية متكررة للطرفين المتحاربين بتجنيبها القتال.

ويشير تورشين إلى أنه "ينبغي على الجيش الحديث على ضرورة التوصل لتسوية مع قوات الدعم السريع بدلا من الاستئثار بالسلطة"، معتبرا أن "ترسيخ حكم المؤسسة العسكرية أمر مرفوض تماما".

وقال إن مسألة "تهور الجيش" بطرح وثيقة دستورية جديدة في خضم الحرب التي تعيشها السودان سيكون لها تداعيات حتى على الداعمين للمؤسسة العسكرية.

وتابع: "ربما تعيد بعض المجموعات السياسية التي دعمت الجيش النظر في دعمها المطلق للجيش نتيجة هذا التهور".