اشتباكات عنيفة بين الجيش وقوات الدعم السريع في الخرطوم

تسارعت الأحداث في السودان بشكل دراماتيكي خلال اليومين الماضيين، وتخلل هذه الفترة تحذيرات من قبل الجيش السوداني بشأن تحركات قوات الدعم السريع، وحديث عن وساطات للتهدئة، قبل اندلاع الاشتباكات وانفجار الأوضاع، في بلد يعاني من أزمة سياسية وفراغ في السلطة منذ سنوات، بعد الإطاحة بحكم عمر البشير عام 2019.

تحذيرات الخميس

حذر الجيش السوداني، الخميس، من أن البلاد تمر بـ"منعطف خطير" بعد انتشار قوات الدعم السريع المسلحة في الخرطوم والمدن الرئيسية بينما تراوح جهود العودة إلى المرحلة الانتقالية مكانها.

ويشهد السودان حاليا انسدادا سياسيا بسبب الخلاف بين الحاكم الفعلي للبلاد قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان ونائبه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي".

ومطلع الشهر الحالي، تأجل مرتين التوقيع على اتفاق بين العسكريين والمدنيين لإنهاء الأزمة التي تعيشها البلاد منذ انقلاب البرهان على الحكومة المدنية في 2021، بسبب خلافات بين الأخير ودقلو.

ومن شأن هذا الاتفاق الجديد الذي لم يوقع، إحياء عملية الانتقال الديمقراطي في السودان أحد أفقر دول العالم، وفتح الباب أمام خروج البلاد من الأزمة.

ويعود السبب الرئيسي لعدم توقيع الاتفاق إلى الخلافات بين البرهان ودقلو حول شروط  دمج قوات الدعم السريع في الجيش.

وقال الجيش السوداني في بيان، الخميس، إنه "يقع على عاتق القوات المسلحة دستورا وقانونا، حفظ وصون أمن وسلامة البلاد، يعاونها في ذلك أجهزة الدولة المختلفة".

وأضاف أن "القوانين نظمت كيفية تقديم هذا العون، وبناء على ذلك وجب علينا أن ندق ناقوس الخطر بأن بلادنا تمر بمنعطف تاريخي وخطير وتزداد مخاطره بقيام قيادة قوات الدعم السريع بحشد القوات داخل العاصمة وبعض المدن".

وتابع البيان أن "هذه التحركات تمت دون موافقة قيادة القوات المسلحة أو مجرد التنسيق معها مما أثار الهلع والخوف في أوساط المواطنين وفاقم من المخاطر الأمنية وزاد من التوتر بين القوات النظامية".

وأكد أنه "لم تنقطع محاولات القوات المسلحة في إيجاد الحلول السلمية لهذه التجاوزات وذلك حفاظا على الطمأنينة العامة وعدم الرغبة في نشوب صراع مسلح يقضي على الأخضر واليابس".

إنذار بالمواجهة

وحذر الجيش السوداني، الخميس، من خطر وقوع مواجهة بعد تحركات وحشد لقوات الدعم السريع في الخرطوم ومدن أخرى في مؤشر على تصاعد التوتر بين القوتين المتنافستين وفي تعقيد محتمل لخطوات إعادة الحكم المدني.

ومن شأن مواجهة مثل هذه إشعال صراع طويل في أنحاء بلد شاسع المساحة يعاني بالفعل انهيارا اقتصاديا وعنفا قبليا مشتعلا، وفقا لرويترز.

وقال الجيش إن هذه التحركات "تخالف مهام ونظام عمل قوات الدعم السريع وفيها تجاوز واضح للقانون (...) واستمرارها سيؤدي حتما إلى المزيد من الانقسامات والتوترات التي ربما تقود إلى انفراط عقد الأمن بالبلاد".

وشكلت قوات الدعم السريع في 2013 وانبثقت عن ميليشيا الجنجويد التي اعتمد عليها الدكتاتور السابق عمر البشير الذي أطيح إثر انتفاضة شعبية في 2019، لقمع التمرد في إقليم دارفور.

وقالت قوات الدعم السريع في بيان في وقت سابق إنها تنتشر في جميع أنحاء البلاد في إطار واجباتها العادية.

وذكرت أنها "تنتشر وتتنقل في كل أرجاء الوطن، من أجل تحقيق الأمن والاستقرار، ومحاربة ظواهر الاتجار بالبشر، والهجرة غير الشرعية، ومكافحة التهريب والمخدرات، والجريمة العابرة والتصدي لعصابات النهب المسلح أينما وجدت".

وقال متحدث باسم الجيش لرويترز "هذه التحركات والانفتاحات تمت دون موافقة قيادة القوات المسلحة أو مجرد التنسيق معها (...) استمرارها سيؤدي حتما إلى المزيد من الانقسامات والتوترات التي ربما تقود إلى انفراط عقد الأمن بالبلاد".

وقال مبعوثون من الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا في بيان إنهم يشعرون "بقلق بالغ"، وأضافوا أن التصعيد يهدد بعرقلة المحادثات الجارية.

وقوات الدعم السريع شبه العسكرية تشكلت من ميليشيات شاركت في الصراع في دارفور الذي اندلع قبل 20 عاما وواجهت اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان هناك.

ووقفت في صف الجيش للإطاحة بالبشير في انقلاب في 2019 ثم نفذت القوتان انقلابا آخر في أكتوبر 2021.

وتدهورت العلاقات بين الجيش وقوات الدعم السريع مما دفع إلى تأجيل توقيع اتفاق مدعوم دوليا مع أحزاب سياسية بشأن فترة انتقال لعامين يقودها مدنيون تفضي لإجراء انتخابات حرة.

وحذر بيان الجيش السياسيين بعدم التورط في التوتر الذي أججته مفاوضات حول دمج قوات الدعم السريع في صفوف الجيش في إطار اتفاق جديد.

ويقول دقلو، المعروف في السودان باسم حميدتي، إنه نادم على الانقلاب ويدعم اتفاق المرحلة الانتقالية المدعوم من الأمم المتحدة والغرب والخليج لمنع عودة الإسلاميين الموالين للبشير إلى المشهد السياسي، وهو مصدر قلق تشاركه فيه الأحزاب السياسية.

وقال حميدتي في بيان بعد اجتماع مشترك عبر الهاتف مع مبعوثين خاصين من الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج إنه لا يزال ملتزما بما جرى التوقيع عليه في الاتفاق الإطاري في ديسمبر.

وأضاف البيان أن حميدتي "أكد حرصه على تعزيز الاستقرار، والعمل على دعم مسيرة التحول الديمقراطي بالبلاد".

تحركات قوات الدعم السريع

وقالت مصادر عسكرية لرويترز إن قوات الدعم السريع بدأت إعادة نشر وحداتها في العاصمة الخرطوم وفي كل مكان بالتزامن مع محادثات جرت الشهر الماضي، مما دفع الجيش إلى إعلان حالة التأهب القصوى خاصة حول القصر الرئاسي.

وجاء بيان الجيش، الخميس، ردا على تحرك مركبات تابعة لقوات الدعم السريع بالقرب من مطار عسكري في مدينة مروي بشمال البلاد، وهو التحرك الذي كشفت عنه جماعات محلية مناصرة للديمقراطية. وقالت قوات الدعم السريع في بيان، الأربعاء، إنها "تعمل بتنسيق وتناغم تام مع قيادة القوات المسلحة، وبقية القوات النظامية الأخرى، في تحركاتها".

وقال شهود لرويترز إنهم رأوا قافلة من مركبات قوات الدعم السريع من بينها شاحنات مدرعة وهي تدخل الخرطوم.

محاولات للوساطة

وقال ثلاثة قادة سابقين لحركات تمرد يشغلون حاليا مناصب حكومية لرويترز إنهم تواصلوا مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ومع دقلو في محاولة للوساطة.

وقال مالك عقار وجبريل إبراهيم ومني مناوي في بيان "لقد وجدنا تجاوبا من الجانبين"، وأضافوا أنهم دعوا الطرفين إلى تقديم كل تنازل يحقن الدماء.

وفي وقت سابق، دعا رئيس حزب الأمة القومي السوداني، فضل الله برمة ناصر، قيادات الجيش وقوات الدعم السريع لعقد اجتماع وناشدهم تعلم الدروس من الصراعات الأهلية في دول أخرى بالمنطقة.

وقالت مصادر من الوسطاء لرويترز إن حميدتي والبرهان منفتحان على جهود الوساطة لكن كل واحد منهما يتشبث بموقفه.

ويدور الخلاف الرئيسي حول قيادة الجيش خلال الفترة الانتقالية قبل الدمج، ويصر البرهان على أن يظل الجيش على رأس السلطة بينما يطالب حميدتي بأن يقود مدني مجلس السيادة الحاكم.

وقال حميدتي مرارا من قبل في خطابات إنه لا يريد مواجهة مع الجيش. وجمع حميدتي ثروة كبيرة ووسع دائرة علاقاته في الداخل والخارج.

وقال سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الأوروبية في بيان "نحث (القادة العسكريين والمدنيين) على الوفاء بالتزاماتهم والمشاركة بشكل بناء في حل القضايا العالقة الخاصة بإصلاح قطاع الأمن لتأسيس جيش موحد ومهني في المستقبل يخضع للمساءلة أمام حكومة مدنية".

استعداد لتهدئة التوتر

وقال وسطاء في بيانين، الجمعة، وفي ساعة مبكرة، السبت، إن البرهان ودقلو مستعدان لاتخاذ خطوات لتهدئة التوتر بين قواتهما.

وقالت مصادر مقربة للبرهان ودقلو، الجمعة، إنهما ما زالا على خلاف حول من سيتقلد منصب القائد العام للجيش خلال فترة الاندماج التي ستمتد عدة سنوات. وتقول قوات الدعم السريع إن القائد ينبغي أن يكون الرئيس المدني للدولة وهو ما يرفضه الجيش.

وأدى الخلاف بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى تأخير التوقيع النهائي على اتفاق مع الأحزاب السياسية وتشكيل حكومة مدنية.

وبعد التحذير الذي أطلقه الجيش السوداني، الخميس، تقدم وزير المالية، جبريل إبراهيم، وحاكم إقليم دارفور، مني مناوي، وعضو مجلس السيادة، مالك عقار، بمبادرة لحل الأزمة.

وقال الثلاثة في بيان، الجمعة "بعد حوار صريح وجاد، أكد لنا الأخ القائد (دقلو) التزامه التام بعدم التصعيد واستعداده للجلوس مع أخيه رئيس مجلس السيادة وإخوته في قيادة القوات المسلحة السودانية في أي وقت ومن غير قيد أو شرط بغية الوصول إلى حل جذري للأزمة يحقن الدماء ويحقق الأمن والطمأنينة للعباد والبلاد".

وفي بيان منفصل في ساعة مبكرة من صباح السبت، قال الوسطاء إنهم اجتمعوا مع البرهان الذي وجدوا لديه استعدادا "للإقدام على أية خطوة تعين على حلحلة الإشكال الطارئ بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي".

وأضافوا "نطمئن المواطنين الكرام بأن الأزمة في طريقها إلى زوال".

وقالت مصادر بالجيش لرويترز إنه من أجل تهدئة التصعيد، يجب على قوات الدعم السريع سحب أفرادها المتمركزين قرب مطار عسكري في مدينة مروي الشمالية وأن تكون تحركاتها بالتنسيق مع الجيش وضمن الحدود القانونية. وقالت مصادر من قوات الدعم السريع لرويترز، الجمعة، إن التحركات جاءت بالتنسيق مع البرهان.

خلق الفتن

وقال عدد من المواطنين لرويترز إنهم باتوا يشعرون بالخوف مع الحديث عن مواجهة محتملة بين الجيش وقوات الدعم السريع ومشاهدة العربات المدرعة والشاحنات العسكرية في شوارع الخرطوم.

وألقى كثيرون منهم باللوم على كلا الجانبين. وقالت، نفيسة سليمان، وهي تجلس في محل لبيع الخضروات "ديل (هؤلاء) بيتصارعوا في السلطة وفي نهب الدولة، نحن بنتصارع في الأكل والشراب والتعليم والعلاج".

وقال عصام حسن (35 عاما) "نحن نعيش في حالة خوف من التوتر بين العسكريين هم يحموا المواطن أصبحوا أكبر خطر على المواطن. يجب وقف هذه المهزلة. الجيش هو جيش السودان مفترض الدعم السريع يكون تحت سيطرته لا‭‭‭‭ ‬‬‬‬يوجد بلد فيها أكثر من جيش".

وانضمت قوى الحرية والتغيير، التحالف المدني الرئيسي في السودان، إلى لجان المعارضة المؤيدة للديمقراطية والنقابات العمالية في اتهام حزب المؤتمر الوطني المنحل في السودان، الذي كان يرأسه البشير والذي لا يزال له وجود داخل الجيش، "بخلق الفتن" في بيان مشترك نادر.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، قال مسؤول في حزب المؤتمر الوطني المنحل لرويترز إن الحزب يزيد من تحركاته للوقوف في وجه هذا الاتفاق المعلّق.

وشاركت قوى الحرية والتغيير في اتفاق لتقاسم السلطة مع الجيش وقوات الدعم السريع بعد الإطاحة بالبشير، ولكن الانقلاب العسكري على الحكومة المدنية في أكتوبر 2021 أتاح فرصة لعودة أنصار البشير إلى الحياة العامة مرة أخرى.

وقال حميدتي إن عودة أنصار البشير للساحة جعلته نادما على الانقلاب ودفعته لدعم الاتفاق لبدء مرحلة انتقالية جديدة.

انفجار الأوضاع

واندلعت اشتباكات صباح السبت في الخرطوم بين الجيش وقوات الدعم السريع في تحول مفاجئ للصراع بينهما إلى نزاع مسلح.

وأعلنت قوات الدعم السريع قبيل ظهر السبت "السيطرة الكاملة" على القصر الجمهوري في وسط الخرطوم ومطار الخرطوم ومطاري مروي (شمال) والأبيض (وسط).

وقالت في بيان إن القوات المسلحة "هاجمت في وقت متزامن قواعد ومقرات قوات الدعم السريع في الخرطوم ومروي ومدن أخرى جاري حصرها"، مؤكدة أن "قوات الدعم السريع قامت بالدفاع عن نفسها والرد على القوات المعادية وكبدتها خسائر كبيرة".

وأكد البيان أن قوات الدعم السريع تقف إلى جانب "جميع المواطنين وستواصل جهودها من أجل حماية مكتسبات الوطن وثورة شعبه المجيدة الظافرة المنتصرة" في إشارة إلى ثورة 2019 التي أطاحت بعمر البشير بعد ثلاثين عاما في السلطة.

من جهته، أكد الجيش في بيان إنه ما زال يسيطر على جميع القواعد والمطارات، مشيرا إلى أن قواته الجوية تنفذ عمليات لمواجهة قوات الدعم السريع.

وقال الناطق باسم الجيش العميد نبيل عبد الله لوكالة فرانس برس "هاجم مقاتلون من قوات الدعم السريع عدة معسكرات للجيش في الخرطوم ومناطق متفرقة في السودان" مضيفا "الاشتباكات مستمرة والجيش يؤدي واجبه في حماية البلاد".

ومنذ ساعات الصباح الأولى سمع في الخرطوم دوي قوي لانفجارات وإطلاق نار قبل أن تتهم قوات الدعم السريع في بيان الجيش بمهاجمة معسكراتها. ورد الجيش بعد قليل باتهام مماثل للقوات شبه العسكرية بالمبادرة بالهجوم على قواعده.

وتحدث شهود عن اشتباكات ودوي انفجارات وإطلاق نيران سمع بالقرب من قاعدة تتمركز فيها قوات الدعم السريع في جنوب الخرطوم. وسمع مراسلو فرانس برس إطلاق نار بالقرب من مطار الخرطوم وفي شمال العاصمة السودانية.

وتبادلت قوات الدعم السريع والجيش السوداني الاتهامات بالمبادرة بالقتال.

وأكدت قوات الدعم السريع في بيان أنها "تفاجأت صباح اليوم السبت بقوة كبيرة من القوات المسلحة تدخل إلى مقر تواجد القوات (التابعة للدعم السريع) في أرض المعسكرات سوبا بالخرطوم وتضرب حصارا على القوات المتواجدة هناك ثم تنهال عليها بهجوم كاسح بكافة أنواع الأسلحة".

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.