"طائرات الأباتشي والطائرات المسيرة استخدمت لمطاردة المركبات القتالية"
"طائرات الأباتشي والطائرات المسيرة استخدمت لمطاردة المركبات القتالية"

استخدم الجيش السوداني منذ اندلاع المواجهات مع قوات الدعم السريع، السبت، سلاحه الجوي. وشن ضربات جوية على معسكر للدعم السريع بالقرب من العاصمة في محاولة لإعادة تأكيد السيطرة على البلاد.

وقال محللون، في حديث لموقع "الحرة" إن في الأصل الإشكالية بدأت في دخول الدعم السريع إلى منطقة مروي التي تتوفر فيها الطائرات.

وحسب الخبراء فإن الهدف الأول للدعم السريع كان تحييد هذه القاعدة العسكرية التي يمكن أن تحسم المعارك بسرعة.

فهل يلعب سلاح الطيران التابع للجيش السوداني دورا كبيرا في حسم المعركة؟ أم أن حرب الشوارع والحديث عن سيطرة الدعم السريع على قواعد جوية تقلص من قوة هذا العامل؟

قال شهود في ساعة متأخرة من مساء السبت إن الجيش قصف في نهاية يوم من القتال العنيف معسكرا تابعا لقوات الدعم السريع شبه العسكرية التابعة للحكومة في مدينة أم درمان القريبة من العاصمة الخرطوم، حسب رويترز.

ويتنافس الجيش مع قوات الدعم السريع، التي يقدر محللون قوامها بنحو 100 ألف جندي، على السلطة بينما تتفاوض الفصائل السياسية على تشكيل حكومة انتقالية منذ انقلاب عسكري في 2021.

وفي الساعات الأولى من صباح الأحد، سمع شهود أصوات مدفعية ثقيلة في الخرطوم وأم درمان وبحري القريبة، وكان هناك أيضا إطلاق نار في مدينة بورتسودان المطلة على البحر الأحمر، والتي لم ترد تقارير سابقة عن اندلاع قتال فيها.

ودعت القوات الجوية السودانية في وقت متأخر من يوم السبت المواطنين إلى البقاء في منازلهم لأنها ستقوم بعملية مسح كامل لأماكن وجود قوات الدعم السريع، وأعلنت ولاية الخرطوم الأحد عطلة تغلق فيها المدارس والبنوك والمكاتب الحكومية.

وأمكن سماع دوي إطلاق نار وانفجارات في مناطق عدة بالخرطوم، حيث أظهرت لقطات تصاعد الدخان من مناطق عدة وأظهرت مقاطع مصورة نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي طائرات عسكرية تحلق على ارتفاع قليل فوق المدينة، وبدا أن واحدة منها على الأقل تطلق قذيفة، حسب رويترز.

تقويض القوة الجوية

لفت الباحث السوداني في الاستراتيجية والدراسات المستقبلية ، محمد نعمة الله، في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "ميزان القوة في هذه المعارك يرجح القوات المسلحة، باعتبارها تمتلك طائرات، وفي الأصل الإشكالية بدأت في دخول قوات الدعم السريع إلى منطقة مروي، كون هذه المنطقة تتوفر فيها المقاتلات الجوية، وكان الهدف الأول تحييد هذه القاعدة العسكرية التي يمكن أن تحسم الأمور بسرعة".

"إلا أن الجيش السوداني لديه قواعد عسكرية كبيرة وكثيرة، وهذه الطائرات ساهمت في تدمير قواعد للدعم السريع ومقر رئاستهم بالقرب من قاعدة القوات المسلحة من دون إضرار الأماكن المحيطة"، حسب نعمة الله.

وأضاف: "لذلك يمكن القول إن القوات الجوية هي العامل المساعد، ولكن السيطرة على الأرض هي الأساسية، خصوصا في حرب الشوارع".

وأكد أن القوات المسلحة هي الأكثر انتشارا والأكثر تمركزا في العاصمة، والأكثر فهما في حرب المدن. لذلك فإن التوازن الاستراتيجي هو في صالحها.

من جانبه شدد الخبير الأمني والاستراتيجي السوداني في مركز الدراسات الدولية اللواء أمين اسماعيل مجذوب في حديث لموقع "الحرة" على أن سلاح الطيران السوداني دخل إلى المعركة منذ السبت، وهناك معلومات غير صحيحة باستيلاء قوات الدعم السريع على جميع القواعد العسكرية والجوية، ولكن هذا الأمر غير صحيح، واشترك الطيران بفعالية ضد المواقع التي كانت قوات الدعم السريع تتحصن فيها".

وتابع: "لذلك كانت نتائج تدخل طيران الجيش السوداني ممتازة، ودمرت عدد كبير جدا من المباني التي كان الدعم السريع يتحصن فيها".

وأورد مجذوب أن "هناك أيضا طائرات الأباتشي والطائرات المسيرة، التي استخدمت بطريقة فعالة لمطاردة المركبات القتالية للدعم السريع".

حسم المعركة

اعتبر المحلل العسكري والاستراتيجي السوداني، بابكر يوسف، في حديث لموقع "الحرة" أن التفوق الجوي لدى الجيش السوداني والذي يفتقده الطرف الآخر (الدعم السريع) يساهم في حسم المعركة، فلهذا الطيران دوره، حتى لو اقتصر على العامل النفسي الذي يسببه فحسب.

"وكونها حرب مدن، لا بد من تحديد الهدف بدقة لأن الخسائر في صفوف المدنيين تكون أكبر في حرب الشوارع. ويجب التنبه وعدم الوقوع في السيناريو السوري، حيث كان الطيران يستهدف المدنيين أيضا، ولا يمكن حسم مسألة ما إذا كان ذلك سيحصل في السودان أم لا"، وفق يوسف.

وأكد يوسف أن سلاح الجو والبر من طيران ودبابات لدى الجيش السوداني له تأثير كبير في المعارك لجهة كثافة النيران واستهداف الأهداف الاستراتيجية كما حصل السبت لجهة تدمير معسكرات للدعم السريع في كثير من المواقع.

وقال إن قوة طيران الجيش ودباباته وطيرانه أقوى، إضافة إلى مساعدة المشاة في حسم المعركة أسرع. لأنها تؤثر على الطرف الآخر وتخفض روحه المعنوية ما يزيد سهولة سيطرة قوات المشاة على المعركة وتزيد فرص تفوق الجيش السوداني.

من جهته قال مجذوب: "صحيح أن الطيران استخدم في مناطق سكنية وفي الشوارع والأزقة، لكن أغلب القوات خرجت إلى المناطق الطرفية، وتاليا سهل استهدافها".

وتوقع أن تتواصل أعمال الطيران الأحد، بعد أن أعيد انتشارها من جديد، مضيفا أن البيانات الصادرة تشير إلى استمرار وجود جماعات لقوات الدعم السريع منتشرة في العاصمة، والعمليات العسكرية التي حصلت ليل السبت- الأحد لم تحسم نتائجها بعد.

وأضاف: "لا يمكن التكهن بعد بنتائج المعارك لأنها حرب شوارع، وربما يسحب كل من الفريقين أسلحة جديدة أو تكتيكات أخرى، لذلك لا بد من الانتظار بعد لمعرفة من سيكون له الغلبة في فرض الأمن والاستقرار".

أما نعمة الله فقال إن هناك خطورة على المدنيين في ظل استخدام الطائرات، والناس في رعب منذ السبت، لكنها الطريقة الوحيدة، وبفضل التكنولوجيا يمكن تحديد الأماكن المستهدفة والتصويب بدقة.

وشدد على أنه تم تنبيه المواطنين للابتعاد من المناطق الأساسية، وأعطت عطلة في سبيل ضمان بقاء السكان في منازلهم.

الاتفاق السياسي في خطر

وتأتي الاشتباكات في أعقاب تصاعد التوتر بين الجيش وقوات الدعم السريع بشأن دمج تلك القوات شبه العسكرية في الجيش. وأدى الخلاف إلى تأجيل توقيع اتفاق تدعمه أطراف دولية مع القوي السياسية بشأن الانتقال إلى الديمقراطية، حسب رويترز.

ودعت القوى المدنية، التي وقعت على مسودة لذلك الاتفاق في ديسمبر، الطرفين يوم السبت إلى "وقف العدائيات فورا وتجنيب البلاد شر الانزلاق لهاوية الانهيار الشامل".

وقالت في بيان "هذه اللحظة مفصلية في تاريخ بلادنا.. فهذه حرب لن ينتصر فيها أحد، وسنخسر فيها بلادنا إلى الأبد".

وذكرت قوات الدعم السريع، تضم آلاف المقاتلين السابقين في حرب دارفور الذي تحولوا إلى قوة رديفة للجيش، أنها تسيطر على المقر الرئاسي ومطار الخرطوم وبنى تحتية أساسية أخرى، حسب فرانس برس.

وينفي الجيش سيطرته على المطار لكنه اعترف بأن قوات الدعم السريع أحرقت "طائرة مدنية بينها واحدة تابعة للخطوط الجوية السعودية".

وطوال نهار السبت، تضاعفت الدعوات إلى وقف القتال، من الأمم المتحدة إلى واشنطن وموسكو وباريس وروما والرياض والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي وحتى رئيس الوزراء السوداني المدني السابق عبد الله حمدوك. لكنها لم تُجدِ، حسب الوكالة الفرنسية.

وأعلنت الجامعة العربية عن اجتماع طارئ الأحد بشأن السودان بطلب من القاهرة، حيث يقع مقرها، والرياض وهما حليفان رئيسيان للجيش السوداني الذي يتصدى للقوات شبه العسكرية التي تريد إزاحته من السلطة. وفق فرانس برس.

وطلب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش "وقفا فوريا للعنف"، في اتصالات أجراها مع الطرفين المتحاربين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وزعيم القوات شبه العسكرية محمد حمدان دقلو المعروف باسم "حميدتي"، وكذلك مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

من جهته، دعا وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن إلى "استئناف المفاوضات". وكتب في تغريدة على تويتر الأحد "الاشتباكات بين (الجيش السوداني) وقوات الدعم السريع تهدد أمن وسلامة المدنيين السودانيين".

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.