الدخان يتصاعد فوق سماء الخرطوم مع اشتباك الجيش الدعم السريع في 15 أبريل 2023
الدخان يتصاعد فوق سماء الخرطوم مع اشتباك الجيش الدعم السريع في 15 أبريل 2023

تسبب الصراع الدائر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في "حالة شلل" بالبلاد، وتعطل حياة المواطنين وإغلاق المتاجر والمحلات والبنوك، وتوقف خدمات الإنترنت لبعض الوقت، وسط مخاوف من انزلاق البلاد إلى أزمة إنسانية تفاقم معاناة السودانيين، حسب ما ذكره عدد من الناشطين والصحفيين لموقع "الحرة".

وأسفرت المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية في السودان عن مقتل 56 مدنيا على الأقل وعشرات العسكريين، وجرح نحو 600 شخص آخرين، كما ذكرت لجنة أطباء السودان المركزية، الأحد.

وأوضحت أن هذه الحصيلة تتضمن "إجمالي عدد القتلى والمصابين الذين تم حصرهم من المستشفيات والمرافق الصحية"، مشيرة إلى "إصابات ووفيات بين المدنيين لم تتمكن من الوصول إلى المستشفيات والمرافق الصحية بسبب صعوبة الحركة".

والأحد، قال مسؤولان من شركة اتصالات (إم.تي.إن) في السودان إن الشركة أوقفت خدمات الإنترنت في البلاد بناء على توجيهات من هيئة الاتصالات الحكومية، وفقا لـ"رويترز".

قبل عن أن يعلن مسؤول إن السلطات أبلغت الشركة بأن تعيد خدمات الإنترنت وأنها نفذت ذلك

شوارع خاوية ومواطنون خائفون

في حديثه لموقع "الحرة"، ينقل الكاتب والصحفي السوداني، حمور زيادة، أجواء شوارع العاصمة الخرطوم، التي أصبحت خاوية من المواطنين الذين فضلوا "الابتعاد الكامل" عن مسارح العمليات العسكرية.

لكن الفضول دفع بعض المدنيين أن يكونوا شهودا على الاشتباكات مما أدى لسقوط ضحايا، نتيجة عدم اتخاذ تدابير وقائية كافية، حسب زيادة.

ويوضح أن المواطنين كانوا يتوقعون نشوب صراع بين الجيش والدعم السريع منذ أسابيع، لكن "لحظة الصفر" كانت مفاجئة للجميع، وتزامنت مع استعدادات الأسر لشراء مستلزمات عيد الفطر، ما تسبب في حالة ارتباك بالشارع.

وجاءت الأحداث لتغير العرف بين الناس ودفعتهم لـ"الاختباء والاحتماء" بمنازلهم، و"ينزح بعضهم مغادرين أحيائهم السكنية هربا من شدة الاشتباكات".

ويسرد مدير وكالة ون برس الإخبارية، عوض الله نواي، تفاصيل إضافية عن تلك المعاناة، ويقول "توقف الحياة بشكل كامل في الشارع السوداني".

وفيما يتعلق بالمواد التموينية والغذائية المستخدمة في المنازل خلال فترة الإفطار فهي "غير موجودة" وجميع المحلات والمخابز والأسواق مغلقة والناس تعيش "وضع سيء جدا"، حسب حديثه لموقع "الحرة".

ويشير إلى أن "الناس لم يتحوطوا بشراء مستلزمات تكفيهم حتى الخروج من الأزمة".

ويصف رئيس تحرير صحيفة الجريدة، أشرف عبدالعزيز، شوارع الخرطوم بـ"الخاوية"، ويقول إن غالبية المواطنين يحتمون بمنازلهم وأنفاسهم محبوسة ويترقبون بين لحظة وأخرى سقوط المزيد من الضحايا.

ويوضح لموقع "الحرة"، أن عددا من المواطنين حاولوا الخروج السبت لصلاة التراويح لكن عنف وشدة المعارك منعتهم عن ذلك، ما دفعهم للعودة مرة إلى منازلهم.

ويقول "الحركة التجارية والبنوك جميعها متعطلة ومتوقفة تماما"، وبدأت الكهرباء والمياه في الانقطاع بشكل مستمر مما زاد من تخوفات المواطنين السودانيين الذين "يدفعون فاتورة التصعيد"، وفق عبدالعزيز.

أزمة إنسانية؟

السودان ثالث أكبر دولة في إفريقيا من حيث المساحة، ويُعد من أفقر دول العالم ويواجه ثلث سكانه البالغ عددهم حوالي 45 مليون نسمة أزمة جوع متصاعدة، ويعيش نحو 65 بالمئة من السودانيين تحت خط الفقر، وفق تقرير للأمم المتحدة صدر العام 2020.

وفي 12 سبتمبر، أعلنت الأمم المتحدة ومنظمة "أنقذوا الأطفال"(Save the Children) أن نحو سبعة ملايين طفل سوداني محروم من التعليم وأن نحو 12 مليون طفل يواجه خطر الانقطاع عن التعليم.

ويلامس التضخم شهريا نسبة 200 بالمئة وقيمة العملة تتراجع وسعر الخبز ازداد عشرة أضعاف منذ استولى الجيش على السلطة في أكتوبر 2021.

ويقول عبدالعزيز "الحياة مشلولة تماما، ونحن على أعتاب أزمة إنسانية".

وحسب زيادة فلم يحدث في التاريخ السياسي السوداني أن استمرت اشتباكات في الخرطوم لفترة طويلة وبقوة كما هو مرجح أن يحدث في الوضع الحالي.

وما يحدث حاليا هو "تجربة جديدة" على سكان الخرطوم وأكثر ما يخيف الناس اليوم هو أمنهم وسلامتهم، وفقا لحديثه.

ويشير زيادة إلى أن حالة الفقر المنتشرة في السودان والظروف الاقتصادية الصعبة "لا تمكن المواطنين من تخزين منتجات غذائية وسلع أساسية"، ما يعرض الأسر لخطر الجوع.

ويقول "طول أمد الحرب سيجعل الفقراء يزدادوا فقرا والجوعى يزدادوا جوعا".

ويتفق نواي مع الطرح السابق، ويقول "متى ما كانت الحرب مستمرة ومواعيد نهايتها غير معلن فهذا يشكل خطرا كبيرا على المواطنين".

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.