أعمدة الدخان تتصاعد فوق الخرطوم
أعمدة الدخان تتصاعد فوق الخرطوم

تسببت مجموعة من الأحداث والخلافات المتراكمة بإشعال شرارة الصراع العنيف على السلطة في السودان، حيث تستمر الاشتباكات المسلحة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ ثلاثة أيام.

وازدادت التوترات بين أقوى اثنين من الجنرالات في السودان، قائد الجيش اللواء عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، واللذين دبرا قبل 18 شهرا فقط انقلابا عسكريا لعرقلة انتقال البلاد إلى الديمقراطية.

ووصلت التوترات حدها خلال عطلة نهاية الأسبوع، عندما اشتعلت معركة غير مسبوقة للسيطرة على دولة غنية بالموارد، ويعيش فيها أكثر من 46 مليون شخص.

وتعهد الرجلان، اللذان يقود كل منهما عشرات الآلاف من القوات في العاصمة الخرطوم، بعدم التفاوض أو وقف إطلاق النار، على الرغم من تصاعد الضغوط الدبلوماسية العالمية. 

وفيما يلي نظرة على كيفية وصول السودان، وهو بلد له تاريخ طويل من الانقلابات، إلى هذا الصراع المحتدم والمتفاقم.

ما الذي سبق القتال؟

في الأشهر الأخيرة، كانت المفاوضات جارية من أجل العودة إلى مسار التحول الديمقراطي الذي أوقفه انقلاب أكتوبر 2021. وتحت ضغط دولي وإقليمي متصاعد، وقعت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع اتفاقا أوليا في ديسمبر مع جماعات مؤيدة للديمقراطية ومجموعات مدنية. لكن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بوساطة دولية لم يقدم سوى خطوط عريضة عامة، تاركا القضايا السياسية الشائكة دون حل.

وخلال مفاوضات مضنية للتوصل إلى اتفاق نهائي، تصاعدت التوترات بين البرهان ودقلو. يدور الخلاف الرئيسي حول كيفية دمج قوات الدعم السريع في الجيش ومن سيكون له السيطرة النهائية على المقاتلين والأسلحة.

كما حاول دقلو، الذي شاركت قواته في حملات قمع وحشية خلال الاضطرابات القبلية والاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية، أن يجعل نفسه مؤيدا للانتقال الديمقراطي. في مارس، انتقد البرهان، قائلا إن القادة العسكريين غير مستعدين للتخلي عن السلطة.

وجادل محللون بأن دقلو يحاول تبييض سمعة قوته شبه العسكرية، التي بدأت كميليشيات وحشية متورطة في فظائع بنزاع دارفور.

تصعيد

وبدأت قوات الدعم السريع، الأربعاء الماضي، في نشر قوات حول بلدة مروي الصغيرة شمال العاصمة، التي تحتوي على مطار كبير وموقع مركزي وسد كهربائي على نهر النيل. في اليوم التالي (الخميس)، أرسلت قوات الدعم السريع أيضا المزيد من القوات إلى العاصمة ومناطق أخرى من البلاد، دون موافقة قيادة الجيش.

واندلع قتال صباح السبت في قاعدة عسكرية جنوب الخرطوم، حيث ألقى كل طرف باللوم على الآخر في بدء أعمال العنف. ومنذ ذلك الحين، يتقاتل الجيش وقوات الدعم السريع بالأسلحة الثقيلة، بما في ذلك المدرعات والمدافع الرشاشة المثبتة على الشاحنات، في مناطق مكتظة بالسكان في العاصمة ومدينة أم درمان المجاورة. وقصف الجيش قواعد قوات الدعم السريع بضربات جوية.

وبحلول يوم الاثنين قتل العشرات وجرح المئات في القتال.

وامتدت الاشتباكات إلى مناطق أخرى بالبلاد منها مدينة بورتسودان الساحلية على البحر الأحمر والمناطق الشرقية على الحدود مع إثيوبيا وإريتريا. ووردت أنباء عن قتال في منطقة دارفور التي دمرتها الحرب حيث تعرضت منشآت تابعة للأمم المتحدة للهجوم والنهب. وتقول الأمم المتحدة إن ثلاثة موظفين ببرنامج الغذاء العالمي قتلوا في الاشتباكات هناك، السبت.

احتمالات وقف إطلاق النار 

تبدو احتمالات وقف فوري لإطلاق النار ضئيلة. البرهان ودقلو يتبادلان المطالبات بالاستسلام. كما أن طبيعة القتال الشديدة قد تجعل من الصعب على الجنرالات العودة إلى المفاوضات.

ومن ناحية أخرى، لدى الجيش وقوات الدعم السريع داعمون أجانب، طالبوا بالإجماع بوقف فوري للأعمال العدائية.

وقد يلعب التقويم الديني الإسلامي دورا أيضا. اندلع القتال خلال الأسبوع الأخير من شهر رمضان المبارك، مع إجازة عيد الفطر المقبلة لمدة ثلاثة أيام نهاية شهر الصيام في وقت لاحق من هذا الأسبوع. ويتعرض السكان لضغوط متزايدة بسبب الضروريات، والعديد منهم محاصر في المنازل بسبب العنف.

في غضون ذلك، كانت هناك فورة من الاتصالات الدبلوماسية. ومن المقرر أن يناقش مجلس الأمن الدولي مسألة السودان الاثنين.

وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، إنه ناقش التطورات في السودان مع وزيري خارجية السعودية والإمارات. وقال وزير الخارجية السعودي إنه تحدث هاتفيا بشكل منفصل مع البرهان ودقلو، وحثهما على وقف "كل أنواع التصعيد العسكري".

ودول الخليج العربية من الحلفاء المقربين من الجيش وقوات الدعم السريع.

وقال كاميرون هدسون، أحد كبار المنتسبين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن إدارة بايدن يجب أن تجعل حلفاءها في المنطقة يدفعون من أجل السلام.

وأضاف "بدون مثل هذا الضغط يمكن أن نجد صراعا بنفس نمط الحرب في تيغراي (في إثيوبيا)".

الفاعلون الأجانب

خلال حكم الرئيس القوي عمر البشير الذي أطيح به عام 2019، كانت روسيا قوة مهيمنة. في مرحلة ما، توصلت موسكو إلى اتفاق مبدئي لبناء قاعدة بحرية على البحر الأحمر بالسودان.

بعد الإطاحة بالبشير، بدأت الولايات المتحدة والدول الأوروبية التنافس مع روسيا على النفوذ في السودان، الغني بالموارد الطبيعية، بما في ذلك الذهب، لكنه غارق في الصراعات الأهلية والانقلابات العسكرية. في السنوات الأخيرة، حققت فرقة المرتزقة الروسية فاغنر نجاحات في البلاد.

كما أقام البرهان ودقلو علاقات وثيقة مع السعودية والإمارات. قاتلت القوات السودانية المأخوذة من الجيش وقوات الدعم السريع إلى جانب التحالف الذي تقوده السعودية في الحرب الأهلية الطويلة في اليمن.

مصر، قوة إقليمية أخرى، لها علاقات عميقة مع الجيش السوداني. يجري الجيشان مناورات حربية منتظمة، كان آخرها هذا الشهر. وكانت القوات المصرية في قاعدة عسكرية سودانية لإجراء تدريبات عندما اندلعت الاشتباكات، السبت. تم القبض عليهم من قبل قوات الدعم السريع التي قالت إنهم سيعادون إلى مصر.

ويسيطر الجيش على معظم اقتصاد البلاد، لكن قوات الدعم السريع تدير مناطق تعدين الذهب الرئيسية، وهي مصدر رئيسي للدخل للمجموعة القوية.

مئة قتيل مدني

وقتل ما لا يقل عن 97 مدنيا على ما أفادت صباح الاثنين نقابة أطباء السودان المستقلة والمؤيدة للديمقراطية، سقط 56 منهم السبت و41 الأحد، نصفهم تقريبا في العاصمة السودانية.

وأوضحت النقابة في بيان أن "365 شخصا أصيبوا" أيضا.

وسبق للنقابة أن أشارت إلى أن حصيلة القتلى في صفوف المقاتلين تعد بـ"العشرات" لكن أيا من الطرفين لم يعلن خسائره البشرية.

 

 

وضع صعب في المستشفيات

وفيما لا يرتسم في الأفق أي وقف لإطلاق النار، دق الأطباء والعاملون في المجال الإنساني ناقوس الخطر. فبعض الأحياء في الخرطوم محرومة من التيار الكهربائي والمياه منذ السبت فيما تقنين الكهرباء سار في الأيام العادية أصلا.

وحذرت متاجر البقالة القليلة التي لا تزال مفتوحة من أنها لن تصمد أكثر من أيام قليلة إذا لم تدخل شاحنات المؤن إلى العاصمة.

وأكد أطباء انقطاع التيار عن أقسام الجراحة فيما أفادت منظمة الصحة العالمية أن "العديد من مستشفيات الخرطوم التسعة التي تستقبل المدنيين المصابين، تعاني من نفاد وحدات الدم ومعدات نقل الدم وسوائل الحقن الوريدي وغيرها من الإمدادات الحيوية".

وقالت نقابة أطباء السودان إن المرضى وهم أطفال أحيانا وأقاربهم لا يحصلون على المياه أو الأغذية مشيرة إلى أنه لا يمكن إخراج الجرحى المعالجين بسبب الوضع الأمني ما يؤدي إلى اكتظاظ يمنع العناية بالجميع.

وعجزت "الممرات الإنسانية" التي أعلنها الطرفان المتحاربان لمدة ثلاث ساعات بعد ظهر الأحد عن تغيير الوضع، فقد استمر سماع إطلاق النار ودوي انفجارات في الخرطوم.

وفي الخرطوم حيث انشرت رائحة البارود، يتحصن المواطنون في منازلهم فيما ترتفع أعمدة الدخان الأسود في وسط العاصمة حيث المقار السياسية والعسكرية الرئيسية.

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.