القتال مستمر لليوم الثالث في السودان
القتتال مستمر بين الجيش و"الدعم السريع" منذ السبت 15 أبريل 2023.

قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الاثنين، إن "الوضع الإنساني" في السودان أصبح كارثيا، في وقت دخلت المعارك بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي" يومها الثالث، وأسقطت نحو مئة قتيل مدني و"العشرات" في صفوف المدنيين.

وندد الأمين العام للأمم المتحدة بشدة بتفجر القتال في السودان وناشد قادة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وقف الأعمال العدائية على الفور واستعادة الهدوء وبدء حوار لحل الأزمة، وقال "كان الوضع الإنساني في السودان محفوفا بالمخاطر وهو الآن كارثي".

اشتداد المعارك 

وكانت الخرطوم استيقظت على يوم ثالث من القتال العنيف، حيث اشتد القصف على أجزاء من العاصمة، فيما تدخّل سلاح الجو بانتظام لقصف مقار لقوات الدعم السريع، القوة التي كانت معروفة بـ"الجنجويد" في عهد عمر البشير. 

وتحدث مستخدمون لمواقع التواصل الاجتماعي عن إطلاق نار كثيف وقصف مدفعي في أنحاء الخرطوم، ووردت أنباء عن إطلاق نار في مدينة أم درمان الواقعة على الضفة الأخرى لنهر النيل من الخرطوم.

وأثناء الليل، أبلغ السكان عن دوي قصف مدفعي وهدير طائرات حربية في منطقة كافوري في بحري، التي توجد بها قاعدة لقوات الدعم السريع وتجاور الخرطوم أيضا.

واندلع القتال، السبت، في أعقاب اشتداد الخلاف بشأن دمج قوات الدعم السريع في صفوف الجيش. وتسبب الخلاف بشأن الجدول الزمني لعملية الدمج في تأخير توقيع اتفاق مدعوم دوليا مع القوى المدنية حول الانتقال إلى الديمقراطية بعد انقلاب عسكري عام 2021.

وأمس الأحد، بدا أن الجيش كان له اليد العليا في القتال في الخرطوم باعتماده على الضربات الجوية لقصف قواعد قوات الدعم السريع.

ويقول شهود وسكان إن انتشار الآلاف من أفراد قوات الدعم السريع المدججين بالسلاح داخل أحياء الخرطوم ومدن أخرى يمثل مشكلة كبيرة.

مقتل 97 مدنيا.. وضحايا المقاتلين بالعشرات

وأعلنت نقابة أطباء السودان المستقلة والمؤيدة للديمقراطية، الاثنين، مقتل ما لا يقلّ عن 97 مدنيا، سقط 56 منهم السبت و41 الأحد، ونصف القتلى تقريبا في العاصمة السودانية، في حين بلغ عدد الجرحى "365 شخصا".

وفي حين لم ترد أنباء رسمية عن عدد القتلى من المقاتلين، سبق لنقالة الأطباء أن أشارت إلى أن حصيلة القتلى في صفوف المقاتلين تعدّ بـ "العشرات"، لكنّ أيا من الطرفين لم يعلن عن خسائره البشرية.

كما أظهرت لقطات نشرت على الإنترنت، اليوم الاثنين، جثث عشرات الرجال في أزياء مموهة ممددة على أسرة وأرضية جناح طبي وفي منطقة رملية في الهواء الطلق.

القطاع الصحي في أزمة 

وأثارت المعارك المستمرة سلسلة أزمات في القطاع الصحي، إذ أفاد أطباء بانقطاع التيار عن أقسام الجراحة، في وقت قالت منظمة الصحة العالمية إن "عددا من مستشفيات الخرطوم التسعة التي تستقبل المدنيين المصابين، تعاني من نفاد وحدات الدم ومعدات نقل الدم وسوائل الحقن الوريدي وغيرها من الإمدادات الحيوية".

وقالت نقابة أطباء السودان إن المرضى وبينهم أطفال وأقاربهم لا يحصلون على المياه أو الأغذية، مشيرة إلى أنه لا يمكن إخراج الجرحى الذين عولجوا من المستشفى بسبب الوضع الأمني، ما يؤدي إلى اكتظاظ يعيق تقديم العناية للجميع.

وعجزت "الممرات الإنسانية" التي أعلنها الطرفان المتحاربان لمدة ثلاث ساعات بعد ظهر الأحد عن تغيير الوضع، فاستمر سماع إطلاق النار ودوي انفجارات في الخرطوم.

وأعرب موفد الأمم المتحدة إلى السودان، فولكر بيرتيس، الاثنين، عن "خيبة أمله الشديدة" من انتهاكات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع للهدنة الإنسانية التي كانا وافقا عليها.

وقال في بيان "وقف الأعمال العدائية لأغراض إنسانية الذي التزم به الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لم يتم الوفاء به إلا جزئيا أمس (الأحد). كما أن الاشتباكات اشتدت صباح اليوم (الاثنين)".

نداء عاجل لنقابة أطباء السودان

والاثنين، قالت نقابة الأطباء: "ناشدنا قبلا أطراف النزاع بعدم التعرض للمرافق الصحية، ولكن ما حدث كان عكس ذلك تماما"، حيث "تعرضت المستشفيات والمؤسسات الصحية بالخرطوم ومدن السودان إلى القصف بالمدافع والأسلحة النارية".

وأضاف بيان النقابة أن "الاشتباكات والقصف المتبادل بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع" أسفر عن "أضرار بالغة بمستشفى الشعب التعليمي ومستشفى ابن سينا التخصصي ومستشفى بشاير..".

وتسبب "القصف بخروج مستشفيات الشعب التعليمي والخرطوم التعليمي عن الخدمة تماما، وفي حالة من الإرباك والخوف للكادر الطبي والمرضى والأطفال ومرافقيهم".

وأكدت النقابة أن ذلك "يعد انتهاكا واضحا للقانون الدولي الإنساني والمواثيق التي تنص على حماية المؤسسات الصحية وتحييدها من الاستهداف"، وفق البيان الذي عدد المستشفيات التي أغلقت أو خرجت من الخدمة: 

  • مستشفى الشرطة خارج الخدمة تماما.
  • مستشفى الشعب التعليمي خارج الخدمة.
  • مستشفى الخرطوم التعليمي الخرطوم التعليمي
  • مستشفى الضمان بمدينة الأبيض تم إغلاقه.
  • المستشفى الدولي بمدينة بحري يعاني من انقطاع الكهرباء وشارف وقود مولدات الكهرباء على النفاذ مما يعرض حياة المرضى بالعناية المكثفة والعمليات الجراحية للموت.

وطالبت النقابة المجتمع الدولي بإلزام طرفي النزاع بعدم المساس بالمرافق الصحية وفتح ممرات آمنة والسماح بمرور سيارات الإسعاف، مكررة مناشدة المنظمات الإنسانية "لمد يد العون والتحرك العاجل من أجل المساعدة في اجلاء الجرحى و توفير المحاليل الوريدية و أكياس الدم و المعينات الطبية".

تعليق عمل برنامج الأغذية العالمي

وقرّر برنامج الأغذية العالمي تعليق عمله في السودان بعد مقتل ثلاثة عاملين في البرنامج في إقليم دارفور بغرب السودان، السبت، فيما يحتاج أكثر من ثلث سكان البلاد البالغ عددهم 45 مليونا إلى مساعدة إنسانية.

وقالت خلود خير التي أسست مركز الأبحاث "كونفلوينس أدفايزوري" في الخرطوم لوكالة فرانس برس "إنها المرة الأولى في تاريخ السودان منذ الاستقلال (1956) التي يسجل فيها هذا المستوى من العنف في الوسط، في الخرطوم".

وأضافت الخبيرة "تشكّل الخرطوم مركز السلطة التاريخي ولطالما كانت أكثر مناطق السودان أمنا خلال الحروب ضد المتمردين" في دارفور ومناطق أخرى في مطلع الألفية.

وتابعت "اليوم المعارك تدور في أنحاء المدينة"، وفي مناطق ذات كثافة سكانية، "لأن كلا من الطرفين ظنّ أن الكلفة البشرية المرتفعة قد تردع الطرف الآخر. ندرك الآن أن الغلبة كانت للنزاع على السلطة بأي ثمن".

ضبابية على الأرض 

ويصعب تشخيص الوضع على الأرض. فقد أعلنت قوات الدعم السريع أنها سيطرت على المطار السبت، الأمر الذي نفاه الجيش. وقالت إنها دخلت القصر الرئاسي، لكن الجيش ينفي ذلك أيضا ويؤكد أنه يسيطر على المقر العام لقيادته العامة، أحد أكبر مجمعات السلطة في الخرطوم.

أما التلفزيون الرسمي فيؤكد كل من الطرفين السيطرة عليه. لكن سكانا في محيط مقر التلفزيون يؤكدون أن القتال متواصل في المنطقة، فيما تكتفي المحطة ببث الأغاني الوطنية على غرار ما حصل خلال انقلاب 2021.

كما امتد القتال إلى منطقة دارفور الغربية التي دمرتها الحرب ومناطق شمالي وشرقي السودان قرب الحدود مع مصر وإثيوبيا. 

مواقف دولية

وتكثفت الدعوات منذ السبت للتوصل إلى وقف القتال، فدعا وزيرا خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا من اليابان، الاثنين، إلى "وقف فوري" للعنف.

وقال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بعد اجتماع مع نظيره البريطاني، جيمس كليفرلي، إن هناك اتفاقا على الحاجة إلى "وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى المحادثات".

وعقدت جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي اجتماعات طارئة للمطالبة بوقف إطلاق النار والعودة إلى الحل السياسي.

وقالت بعثة الأمم المتحدة في السودان إن البرهان وحميدتي وافقا على اقتراحها بوقف القتال لمدة ثلاث ساعات أمس الأحد من الساعة الرابعة عصرا بالتوقيت المحلي (1400 إلى 1700 بتوقيت جرينتش) للسماح بعمليات الإجلاء الإنسانية، لكن لم يتلزم الطرفان بالاتفاق بقدر كبير بعد فترة وجيزة من الهدوء النسبي.

وقالت القوات المسلحة إنها لن تتفاوض مع قوات الدعم السريع ما لم ينفذ قرار حلها، ووصف حميدتي يوم السبت البرهان بأنه "مجرم وكاذب".

وكثف جيران السودان والجهات الدولية، الأحد، جهودهم الرامية إلى إنهاء العنف الذي اندلع في شهر رمضان. وعرضت مصر الوساطة، وقال مكتب الرئيس الكيني وليام روتو، على تويتر، إن منظمة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد) الأفريقية تخطط لإيفاد رؤساء كينيا وجنوب السودان وجيبوتي إلى السودان في أقرب وقت ممكن للتوسط بين الطرفين المتناحرين.

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.