الذهب يعد من أهم الثروات الطبيعية في السودان.
الذهب يعد من أهم الثروات الطبيعية في السودان.

السودان منتج رئيسي للذهب في أفريقيا، ويعتبر هذا المعدن عنصرا أساسيا من صادراته الخارجية، إلا أن القطاع محاط بمشكلات مستمرة تتعلق بالتهريب، كما لم يتضح بعد تأثير الاشتباكات الطاحنة التي انطلقت قبل أيام على عمليات إنتاجه وتصديره.

ووصل إنتاج السودان من الذهب إلى ذروته عام 2017 بواقع 107 أطنان، وفق خارطة موقع البيانات ceicdata

وتشير البيانات الرسمية إلى تراجع إنتاج الذهب، العام الماضي، إلى 41.8 طن، وفق مبارك عبد الرحمن أردول، المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية. 

وأعلن بنك السودان المركزي في تقريره السنوي عن عام 2022 تصدر الذهب أعلى صادرات البلاد غير البترولية بنسبة 46.3 في المئة من جملة صادرات السودان الخارجية بقيمة نقدية تساوي 2.02 مليار دولار من إجمالي 4.357 مليار دولار هي إجمالي صادرات البلاد للعام الماضي، وفق الشركة السودانية للموارد المعدنية. 

وتشير هذه البيانات إلى تراجع الإنتاج في السودان عن السنوات السابقة، فقد كان الإنتاج في الشهور الـ9 الأولى من عام 2018، على سبيل المثال، قد بلغ 78 طنا، بما يفوق توقعات الحكومة بنحو 12 في المئة.

وقالت الشركة السودانية للموارد المعدنية إن "التحصيل والإيرادات المدرجة في ميزانية الدولة تحققت بنسبة 97 في المئة برغم التحديات الكبيرة التي واجهت قطاع التعدين بسبب الظروف الاقتصادية".

وفي نوفمبر 2018، قال وزير الطاقة والتعدين السابق، عادل إبراهي، إن السودان أنتج نحو 93 طنا من الذهب في ذلك العام، وهو مستوى جعله ثالث أكبر منتج في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا وغانا.

وتشير بيانات رسمية أميركية إلى أن إنتاج السودان من الذهب ارتفع إلى 107300 كيلوغرام فى 2017 من 93400 كغم في عام 2016 و82.400 كغم في عام 2015، لكن أرقام 2022 تظهر تراجعا كبيرا في الإنتاج.

ويقول البنك الدولي إن الناتج المحلي الإجمالي للسودان تباطأ إلى مستوى 1 في المئة في عام 2022، مدعوما باستقرار الزراعة والإنتاج الحيواني ونمو متواضع في صادرات الذهب.

ويعاني قطاع الذهب في السودان من عمليات تهريب واسعة النطاق. وتقول السلطات إن نسبة تهريب الذهب المنتج تصل إلى 80 في المئة، بحسب وكالة رويترز.

ورغم ازدهار قطاع التعدين في السودان خلال السنوات الأخيرة، يقول مسؤولون إن معظم كميات الذهب يتم تهريبها إلى خارج البلاد، مما يحرم البنك المركزي من مورد للعملة الصعبة.

ويأمل السودان في وضع حد لعمليات التهريب من خلال مراجعة آلية الشراء وضبط الأسعار.

وتتهم وسائل إعلام غربية قادة عسكريين بالضلوع في تهريب الذهب إلى خارج البلاد.

ويقول معهد ستوكهولم للسلام إنه منذ تسعينيات القرن الماضي، تسيطر على الموارد الطبيعية في السودان قوات الأمن والنخب المتمركزة في الخرطوم، مثل قوات" الدعم السريع" التي سيطرت على مناطق تعدين الذهب.

وفي 2017، وقع الرئيس السوداني المعزول، عمر البشير، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، اتفاقات للتنقيب عن الذهب، بحسب المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

وقال دبلوماسيون غربيون إن مجموعة "فاغنر" الروسية الموالية للكرملين تمارس أنشطة غير قانونية على صلة بالتنقيب عن الذهب في السودان، لكن وزارة الخارجية السودانية نفت ذلك.

وقالت "سي أن أن" في تحقيق لها إن الجنرالين اللذين يتصارعان على السلطة في السودان حاليا ساعدا روسيا في الحصول على الذهب لتمويل حربها في أوكرانيا، مقابل الدعم السياسي والعسكري.

وذكر تقرير سابق لوكالة أسوشيتد برس أن المجموعة تميل إلى استهداف البلدان ذات الموارد الطبيعية التي يمكن استخدامها لتحقيق أهداف موسكو، مثل مناجم الذهب في السودان على سبيل المثال، "حيث يمكن بيع الذهب المستخرج بطرق تتجنب العقوبات الغربية".

وقال تقرير لصحيفة نيويورك تايمز إنه منذ استيلاء الجيش السوداني على السلطة في أكتوبر، كثفت "فاغنر" شراكتها مع قائد "قوات الدعم السريع"، الرجل الثاني بالمجلس العسكري، محمد حمدان حميدتي.

وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على شركتين لعملهما كواجهة لأنشطة تعدين لصالح "فاغنر"، وهما شركة تعدين الذهب السودانية "ميروي غولد"، ومالكتها شركة "إم إنفست"، ومقرها روسيا. وعلى الرغم من العقوبات، لا تزال "ميروي غولد" تعمل في جميع أنحاء السودان.

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.