اشتباكات بين الجيش والدعم السريع
اشتباكات بين الجيش والدعم السريع

خلال الأيام الماضية نشر أطراف الصراع في السودان معلومات متباينة وبيانات متضاربة، حول السيطرة العسكرية على مناطق وقواعد واستسلام بعض القادة والجنود من كل جانب وانضمامهم للطرف الأخر، وهو ما يكشف خبراء استراتيجين أسبابه وتداعياته وتأثيره على مسار المعارك بين الجانبين.

حرب بيانات؟ 

منذ اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، السبت، تبادل الطرفان الاتهامات بالمسؤولية عن بدء إطلاق النار، وأدعى كل طرف سيطرته على المطار ومنشآت حيوية أخرى في الخرطوم ومدن أخرى.

والاثنين، أعلنت قوات الدعم السريع تحقيق عدة مكاسب خلال المعارك التي خاضتها يومي السبت والأحد، ومنها "بسط السيطرة الكاملة على مطار مروي" واقتحام منزل  القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان".

وأشارت في بيانات ومقاطع فيديو إلى أنها بسطت السيطرة الكاملة على القصر الجمهوري ومحيطه"، وهو ما نفاه الجيش السوداني.

وبعد فيديوهات وبيانات الدعم السريع، قال الجيش السوداني إن الموقف العملياتي حتى الآن بالعاصمة يتضمن اشتباكات محدودة حول محيط القيادة العامة ووسط الخرطوم .

القيادة العامة للقوات المسلحة الإثنين ١٧ أبريل ٢٠٢٣م تقوم بعض الابواق الاعلامية للمليشيا المتمردة ببث الكثير من...

Posted by ‎القوات المسلحة السودانية‎ on Monday, April 17, 2023

وأكد أن القوات المسلحة تسيطر تماما على جميع مقراتها، نافيا صحة لما يتم تداوله بشأن استيلاء قوات الدعم السريع على القيادة أو بيت الضيافة أو القصر الجمهوري.

وفي بيانات متتالية، زعمت قوات الدعم السريع كذلك فرض سيطرتها على مقر القوات البرية، والاستيلاء على برج وزارة الدفاع، وتحرير رئاسات الفرق العسكرية بولايات دارفور والاستيلاء على عتادها وآلياتها العسكرية، والاستيلاء على أكثر من مائتي دبابة، واسقاط ثلاث طائرات مقاتلة تابعة للجيش السوداني".

وتحدثت كذلك عن "أسر وانضمام العشرات من ضباط وجنود الجيش السوداني لصفوفها".

وعلى جانب آخر، أعلن الجيش السوداني، الأحد، استعادة السيطرة على مطار مروي، واغتنام عدد كبير من الأسلحة والمعدات والمؤن التابعة لقوات الدعم السريع.

القيادة العامة للقوات المسلحة الأحد ١٦ أبريل ٢٠٢٣م موجز لعمليات اليوم الموقف العام مستقر جدا وجرت اشتباكات محدودة...

Posted by ‎القوات المسلحة السودانية‎ on Sunday, April 16, 2023

وأكد سيطرته على "قيادة قطاع كردفان، ومعسكر الري المصري بالشجرة"، واستقبال عدد كبير من جنود الدعم السريع "الذين استسلموا".

وبعد ظهر الأحد، انقطع بث التلفزيون السوداني الرسمي، في خطوة قال موظفون إنها تهدف إلى "منع بث أي مواد دعائية" لقوات الدعم السريع.

وقال موظفون إعلاميون حكوميون إن السلطات قطعت إشارات البث بعد أن دخلت قوات الدعم السريع المبنى الرئيسي لإذاعة وتلفزيون السودان في أم درمان واستخدمت شبكات الإذاعة لبث مواد مؤيدة لها، وفقا لوكالة "رويترز".

والسبت، قالت قوات الدعم السريع إنها سيطرت على التلفزيون الحكومي ومنشآت استراتيجية أخرى مع اندلاع القتال في أنحاء الخرطوم، وهي مزاعم نفاها الجيش.

وزعمت قوات الدعم السريع أنها سيطرت على القصر الرئاسي ومقر إقامة قائد الجيش ومطارات في الخرطوم ومدينة مروي في الشمال وفي الفاشر وولاية غرب دارفور، ونفى الجيش هذه التأكيدات أيضا.

حرب نفسية؟

تتضمن الحرب النفسية الاستخدام المخطط والمنظم للدعاية والتدابير الإعلامية المقاربة للتأثير على آراء وعواطف ومواقف وسلوك الطرف المعارض من أجل تحقيق أهداف السياسة القومية أو الأهداف العسكرية، وفقا لـ"مؤسسة راند".

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني، اللواء ركن أمين إسماعيل مجذوب، أن الطرفين يميلان لاستخدام "الحرب النفسية" في ظل "غياب المعلومات" وعدم وجود إمكانية لنقل الأحداث من مواقعها.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يشير إلى "ضبابية المعلومات" في حالات حرب الشوارع والمدن، ما يمكن القوات المتقاتلة من بث البيانات التي تخدم مصالحها فقط، بهدف رفع الروح المعنوية لجنودها وخفض معنويات الطرف الأخر.

ويتفق معه المحلل العسكري والاستراتيجي، بابكر يوسف، الذي يعتبر أن المعلومات المتباينة والبيانات المتضاربة نوع من "التضليل" في إطار الحرب النفسية الحديثة والتي يستخدم خلالها مواقع التواصل الاجتماعي.

ويهدف ذلك لـ"رفع أو خفض" الروح المعنوية سواء للجنود أو المواطنين، وعدم معرفة "أين الحقيقة"، وفقا لحديثه لموقع "الحرة".

ويرى يوسف أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت "سلاحا ذو حدين" يمكن استخدامها لنشر الشائعات والمعلومات المضللة أو توضيح الحقائق والبيانات الموثوقة.

ما تأثير ذلك؟

إذا تم كشف الشائعات بواسطة نشر الحقائق يكون تأثيرها "معدوم أو ضعيف"، لكن في حال عدم اتخاذ "عمل مضاد" يكون للحرب النفسية تأثير كبير، وفقا لحديث اللواء مجذوب.

ويشير لتأثير كبير لـ"شائعات انضمام قادة أو جنوب" لصفوف الطرف الأخر على معنويات القوات، ما يؤثر بالتبعية على مسار المعارك.

ويؤكد أن تلك المعلومات المتضاربة تؤثر كذلك على المدنيين بشكل أكبر من العسكريين.

وينتظر المواطنون انتهاء المعارك وانجلاء الأزمة لعودة الكهرباء والمياه وإمكانية التزود بالمواد الأساسية، وعند الحديث عن احتلال مناطق أو وقوع اشتباكات في أخري، يمكن أن يرتحلوا من مكان لآخر أمن، ما يجعل التأثير السلبي كبيرا جدا عليهم، حسب حديثه.

من جانبه يشدد يوسف على أهمية "عدم تصديق" كل البيانات التي يتم بثها عبر طرفي الصراع.

ويقول "العقل يميز، وعند صدور بيان يجب التفكير في فحواه، والنظر لمدى قوة كل طرف من حيث العتاد والتسليح والتدريب، قبل تصديق أو تكذيب البيان الصادر عنه".

الحرب في السودان

تتفاقم آثار الكارثة الإنسانية في جميع أنحاء السودان، دون أن تظهر أي علامات على إمكانية تراجعها، جراء الحرب المستمرة في البلاد منذ نحو عامين.

لا يزال آلاف السودانيين يُقتلون ويُجوعون ويُغتصبون بوتيرة يومية، ويجبر العنف ملايين الأشخاص على ترك منازلهم والنزوح داخليا أو عبر الحدود إلى الدول المجاورة. 

تسبب  الصراع بـ"أسوأ حالة طوارئ إنسانية في العالم" وفق توصيف الأمم المتحدة، إذ تصدر السودان دول العالم في عدد النازحين داخليا بسبب الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، شبه الحكومية.

وتجاوز عدد النازحين قسرا داخل البلاد 9 ملايين شخص، بالإضافة إلى أكثر من 3.8 مليون لاجئ إلى الدول المجاورة، ما يعني أن نحو 13 مليون شخص قد فروا من العنف خلال العامين الماضيين، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

وتحذر منظمات دولية، بينها اليونيسيف، من أن الموت يشكل "تهديدا مستمرا" لحياة الأطفال في السودان.

وفي محيط مدينة الفاشر، غربي البلاد، وحدها، يحاصر الموت ما يقرب من 825 ألف طفل، يواجهون قصفا مستمرا ونقصا حادا في أبسط مقومات البقاء على قيد الحياة.

وحذرت هيئة تابعة للأمم المتحدة من انتشار حالات الاغتصاب مع استمرار الحرب التي تفجرت بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه الحكومية منذ سنتين في السودان.

وقالت آنا موتافاتي، المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في شرق وجنوب إفريقيا: "بدأنا نشهد استخداما ممنهجا للاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح حرب".

وشددت على أن "ما خفي كان أعظم، فهناك كثيرات لا يبلغن عن هذه الجرائم خوفا من العار وتحميل المسؤولية للضحايا، الذي يُلازم كل امرأة تتعرض للاغتصاب".

وأكد نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، إن "الحكومة عازمة على تنفيذ كافة الاتفاقيات الخاصة بحماية النساء من العنف الجنسى والقضاء على التمييز، وانفاذ القانون وضمان عدم الإفلات من العقاب لمرتكبي جرائم العنف الجنسي ضد النساء والفتيات والأطفال".

وأشار عقار لدى لقائه، في بورتسودان، مع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للعنف الجنسي في مناطق النزاعات، براميلا باتن، إلى أن "السودان ومنذ الشرارة الأولى أرسل العديد من التقارير المصورة والموثوقة لعدد من الهيئات والمنظمات الدولية والاقليمية ومنظمات حقوق الإنسان، توضح العنف الذي مارسته قوات الدعم السريع في حق النساء والفتيات والأطفال في السودان إلا أن الاستجابة كانت بطيئة مما فاقم الأوضاع لاسيما في المناطق التي كانت تسيطر عليها".

ونفت الدعم السريع في يوليو الماضي عن الانتهاكات التي تقع أثناء الحرب، إنها ستتخذ تدابير وقائية لمنع انتهاكات حقوق الإنسان.

خطر آخر يهدد المدنيين وعمليات الإغاثة يتمثل في الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب. وحذر رئيس برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في السودان، صديق راشد، من أن المناطق التي كانت آمنة أصبحت الآن ملوثة بشكل عشوائي بهذه الأسلحة القاتلة، بما فيها الخرطوم وولاية الجزيرة.

وقد تجسدت هذه المخاوف في حوادث مأساوية، حيث لقي مدنيون، بينهم أطفال ونساء، مصرعهم وأصيب آخرون بسبب انفجار هذه الذخائر.

وناشد صديق راشد الأطراف المتحاربة تجنب استخدام الأسلحة في المناطق المأهولة، وتسجيل المناطق الملوثة لتسهيل عملية التطهير، ودعا المجتمع الدولي لتقديم الدعم اللازم لجعل المناطق آمنة قبل عودة المدنيين.

وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية المتفاقمة، توجه كليمنتاين نكويتا سلامي، منسقة الأمم المتحدة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان نداء عاجلا إلى المجتمع الدولي: الناس في وضع يائس.

وقالت: "نناشد المجتمع الدولي ألا ينسى السودان وألا ينسى الرجال والنساء والأطفال في السودان الذين وجدوا أنفسهم في هذا الوضع الصعب للغاية في هذه اللحظة الحرجة".

ووجه المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، رسالة إلى العالم حول السودان: "يجب أن يكون مرور عامين على هذا الصراع الوحشي الذي لا معنى له بمثابة جرس إنذار للأطراف لإلقاء أسلحتها وألا يستمر السودان في هذا المسار المدمر".