صورة جوية تظهر الضرر والحريق على جسر بالخرطوم في 16 أبريل 2023
صورة جوية تظهر الضرر والحريق على جسر بالخرطوم في 16 أبريل 2023

دعت عدة دول ومنظمات دولية قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، وزعيم قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، لفض الاشتباكات بين الجانبين بعد سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، عارضة "الوساطة" للمصالحة بين الطرفين، بينما يكشف خبير بالقانون الدولي لموقع "الحرة" كيفية وقف إطلاق النار في السودان.

ومساء الأحد، تواصل القتال في العاصمة السودانية، بعد إعلان الجيش وقوات الدعم السريع في بيانين منفصلين الاتفاق على مقترح للأمم المتحدة بفتح "مسارات آمنة للحالات الانسانية" لثلاث ساعات.

وارتفعت حصيلة ضحايا الاشتباكات إلى 97 قتيلا وعدد كبير من الجرحى على ما أعلنت نقابة أطباء السودان، صباح الاثنين.

وأوضحت النقابة أن "ما لا يقل عن 97 شخصا قتلوا، منذ اندلاع الاشتباكات في البلاد، السبت"، مؤكدة أن الحصيلة لا تشمل كل القتلى إذ أن الكثير منهم لم ينقلوا إلى المستشفيات بسبب صعوبات التنقل.

دعوات للوساطة ووقف إطلاق النار

الاثنين، أعلن مكتب الرئيس الكيني أن الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا "إيجاد" قررت إيفاد رؤساء كينيا وجنوب السودان وجيبوتي إلى السودان لإجراء مصالحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وفقا لـ"رويترز".

والأحد، عرضت مصر وجنوب السودان الوساطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وذلك خلال اتصال هاتفي بين الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ورئيس جنوب السودان، سلفا كير".

وناشدت جارتا السودان الأطراف السودانية "تغليب صوت الحكمة والحوار السلمي، وإعلاء المصلحة العليا للشعب السوداني"، وفقا لبيان لـ"رئاسة الجمهورية المصرية".

والأحد، أعلن الاتحاد الإفريقي، أن رئيس مفوضيته، موسى فقي محمد، سيتوجه "فورا" إلى السودان "للتحدث مع الطرفين بشأن وقف إطلاق النار"، وذلك فيما يشهد البلد يوما ثانيا من الاشتباكات العنيفة.

وعبر الاتحاد الإفريقي عن "قلقه العميق" إزاء الوضع، داعيا قوات الجيش والدعم السريع إلى "حماية المدنيين"، وفق ما جاء في بيان صدر عقب اجتماع طارئ لمجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد، بعد ظهر الأحد.

وقال المجلس المسؤول عن قضايا النزاع والأمن في الاتحاد إنه "طلب من رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي مواصلة بذل مساعيه الحميدة للتحدث مع طرفي النزاع من أجل تسهيل الحوار والحل السلمي للنزاع في السودان، ويرحب بالتزامه بزيارة السودان فورا لحثّ الطرفين على وقف إطلاق النار".

وتُعد الوساطة إحدى الآليات السلمية الرئيسة التي يتم اللجوء إليها لتسوية المنازعات والصراعات بأنواعها المتعددة، وفى مستوياتها المتنوعة، باعتبارها تمثل إحدى عمليات تخفيف الصراع وتخفيض حدته، وفقا لخبير القانون الدولي، أيمن سلامة.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يوضح سلامة أن الوساطة إحدى وسائل صنع السلام التي تختارها الأطراف المعنية ذاتها، حيث يتحدد دورها في تخفيف حدة الصراع وتخفيض، إن لم يكن إيقاف، سرعة تصاعده.

ما هي آليات الوساطة؟

طبقا لآلية الوساطة، فإن الأطراف المتنازعة أو المتصارعة تجتمع معا فى لقاء خاص يتم وجهًا لوجه، وبحضور بعض الوسطاء، وهم عبارة عن طرف ثالث، محايد، يعمل كمحفز تتحدد مهمته فى مساعدة الأطراف على التوصل إلى تسوية أو حل مقبول من كل الأطراف لقضايا النزاع أو الصراع بينهما، وفقا لحديث سلامة.

ويشير خبير القانون الدولي إلى أن الوساطة تتميز الأساس بكونها اختيارية.

ويقول "تتجلى هذه الصفة فى كل الأمور، فهي تحكم: مبادرة الوسيط، حيث لا شيء يلزمه بتقديم وساطته، وتتمتع الدول أطراف النزاع بحرية كاملة فى رفضها الوساطة، أو الانسحاب منها فى أي وقت، وفى نهاية المطاف نتيجة الوساطة ليست إلزامية ولا تفرض على أطراف النزاع".

ويوضح أن الوساطة مسعى طوعي، تكون فيه موافقة الأطراف أمرا حاسما من أجل القيام بعملية قابلة للتطبيق والتوصل إلى نتائج دائمة، ويتأثر دور الوسيط بطبيعة العلاقة مع الأطراف.

وعادة ما يكون لدى الوسطاء مجال كبير لتقديم مقترحات إجرائية وإدارة العملية، بينما يتفاوت نطاق المقترحات الموضوعية ويمكن أن يتغير مع مرور الوقت، حسب سلامة.

ويتطرق سلامة لكون عملية الوساطة الفعالة تستجيب لخصوصية النزاع، وتأخذ فى الاعتبار أسباب النزاع ودينامياته، ومواقف الأطراف ومصالحها وتجانسها، واحتياجات المجتمع على نطاق أوسع، فضلا عن البيئتين الإقليمية والدولية.

هل الوساطة ملزمة؟

يقول سلامة إن في بعض الحالات، قد ترفض الأطراف مبادرات الوساطة، وترى فيها تهديدا لسيادتها أو تدخلا خارجيا، وقد توافق بعض أطراف النزاع عليها، بينما لا توافق عليها أطراف أخرى.

وحتى يتم إعطاء الموافقة فقد لا تترجم الوساطة دائما إلى التزام كامل بعملية الوساطة، وفق خبير القانون الدولي.

وبمجرد إعطاء الموافقة على الوساطة، فمن الممكن سحبها فى وقت لاحق، إذا رفض أحد الأطراف استمرار الوسيط في جهوده.

وهنا يعلن الوسيط انتهاء الوساطة التي يمكن أن يبادر الوسيط أيضا بإنهائها حين يتيقن أنه لا جدوى من الاستمرار فى وساطته فى ظل تعنت أحد الأطراف أو جميعهم في مواقفهم المتصلبة المغايرة، حسبما يوضح خبير قانون الدولي.

مواصفات وشروط الوساطة؟

حسبما يوضح سلامة، يُعد "الحياد" حجر الزاوية في الوساطة، وينبغي أن يكون الوسيط قادرا على إدارة "عملية متوازنة" يتم فيها التعامل مع جميع الجهات الفاعلة بشكل منصف، وينبغي ألا تكون له مصلحة مادية فى النتيجة. 

ويتطلب ذلك أيضا أن يكون الوسيط قادرا على التحدث مع جميع الأطراف الفاعلة ذات الصلة بحل النزاع.

وبالنسبة لوسطاء المنظمات والهيئات الدولية، كما في حالة منظمة "إيجاد" فإنهم يضطلعون بعملهم على أساس الولايات التي تحددها قواعد ونظم تلك الهيئة التي تعينهم. 

قد تتقدم "دولة واحدة" بالمبادرة بعرض وساطتها على أطراف النزاع وهذا هو الغالب، وقد تتقدم بها "مجموعة من الدول".

هل يتوقف إطلاق النار؟

يرى سلامة أن وقف إطلاق النار في السودان "ليس منظورا أو مرتقبا" في قابل الأيام، لعدم توفر عدة متطلبات.

ويرجع خبير القانون الدولي ذلك إلى عدم توفر متطلبات وقف إطلاق النار الميدانية والقانونية التي نفذت لأول مرة في "اتفاق أديس أبابا عام 1972".

ووقتها وضعت الاتفاقية حدا للنزاع الذي امتد لـ17 عاما في الفترة من 1955 إلى 1972 بين الجزء الشمالي للسودان من جانب والشمالي منه من جانب أخر، وتسبب في مقتل قرابة نصف مليون شخص.

وفي السياق الحاصل حاليا لا يتوفر أيضا متطلبات اتفاق وقف إطلاق النار الشامل في نيفاشا بكينيا في يناير 2005، وفق سلامة.

وأنهت "الاتفاقية" وقتها النزاع في السودان والذي كان يعد أطول نزاع استمر في أفريقيا وتسبب في خسائر فادحة في الأرواح وأدى إلى تحطيم البنية الأساسية للبلاد واستنفد مواردها الاقتصادية وسبب المعاناة للسودانيين.

كيف يمكن وقف إطلاق النار؟

حسب مقترح سلامة فيمكن للجنة بعثة منظمة الإيجاد أن تضع بين مقترحاتها لتثبيت وقف إطلاق نار عاجل ومؤقت للعدائيات العسكرية بين الطرفين المتحاربين بعض الأليات مثل: تشكيل لجنة عسكرية مشتركة وهيئات مراقبة ومراقبين دوليين من منظمة "إيجاد" أو الاتحاد الافريقي أو الأمم المتحدة.

 وينبغي أن يهدف وقف إطلاق النار المؤقت في السودان إلى خلق والحفاظ على جو مؤات خلال المفاوضات حتى يتم حل جميع القضايا العالقة في النزاع، وفقا لسلامة.

الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي
الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي

في خضم الحرب الطاحنة التي يخوضها الجيش السوداني مع قوات الدعم السريع، يعتزم رئيس مجلس السيادة، الفريق عبدالفتاح البرهان، طرح وثيقة دستورية جديدة للبلاد.

وأعلن مساعد قائد الجيش السوداني، ياسر العطا، السبت، في مقابلة تلفزيونية عن رغبة البرهان في تقديم وثيقة دستورية جديدة قائلا إن العمل عليها يجري "بسرعة كبيرة جدا".

وقال العطا إنه "تم التوافق على صيغة دستورية (جديدة) لإدارة الفترة التأسيسية الانتقالية للحكم الديمقراطي"، مشيرا إلى أن الإعلان الدستوري الجديد يؤسس لـ "إعادة صياغة مجلس السيادة وتعيين رئيس وزراء مستقل وهو بدوره يعين حكومته من كفاءات مستقلة".

ويرى محللون أن هذه الخطوة تهدف "لترسيخ حكم السلطة العسكرية" في السودان من خلال صياغة وثيقة دستورية جديدة يكون الغلبة فيها لجنرالات الجيش.

ويصف الباحث البارز المتخصص بالشؤون الأفريقية، محمد تورشين، قرار صياغة وثيقة جديدة بـ "التخبط الجديد" الذي يصدر من الجيش في إبان الحرب.

وقال تورشين لموقع قناة "الحرة" إن "الغرض من هذه الوثيقة هو محاولة السيطرة فعليا على السلطة وترسيخ الحكم العسكري من خلال إلغاء الوثيقة السابقة".

وأضاف: "الوثيقة الدستورية الجديدة سيكون الغلبة فيها للجنرالات بمجلس السيادة، ما يعني أن رئيس الوزراء الجديد الذي سيتم تعيينه سيدين بالولاء لهم".

الخبير الاستراتيجي المصري، اللواء متقاعد محمد عبدالواحد، يذهب في الاتجاه ذاته قائلا إن دلالات الإعلان في هذا التوقيت تشير إلى أن الجيش "يريد إحكام السيطرة الشرعية الكاملة" على البلاد.

وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن البرهان "يريد إضفاء شرعية على نظامه وأن يذكر الدستور اختصاصاته بحيث لا يتم التعامل دوليا مع أطراف أخرى داخل السودان".

ما هي الوثيقة الأولى؟

تدور الحرب الأهلية في السودان بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي، مما أسفر عن مقتل آلاف السودانيين ونزوح نحو 8 ملايين آخرين.

في أعقاب ثورة أطاحت بحكم الرئيس الإسلامي السابق، عمر البشير، أبرم العسكريون والمدنيون السودانيون وثيقة دستورية في أغسطس 2019 كان يفترض أن تؤسس لمرحلة انتقالية مدتها 39 شهرا.

بموجب تلك الوثيقة، يتولى الجيش السلطة على المستوى السيادي بينما تقود حكومة مدنية ومجلس تشريعي الفترة الانتقالية.

وتأسس مجلس السيادة السوداني الذي يفترض أن يقود المرحلة الانتقالية برئاسة الفريق البرهان ونائبه السابق حميدتي، فيما تم تنصيب الخبير الاقتصادي، عبدالله حمدوك، رئيسا للوزراء لقيادة حكومة انتقالية البلاد.

لكن تلك المرحلة لم تستمر طويلا بعد انقلاب قاده البرهان وحميدتي في أكتوبر عام 2021 وتم من خلاله بالإطاحة بالقوى المدنية من الحكومة، ما أثار إدانة دولية واسعة النطاق.

ومنذ ذلك الوقت، تفاقمت مشاكل السودان التي شهدت احتجاجات دورية مناهضة للانقلاب، علاوة على أزمة اقتصادية مستفحلة وصدامات قبلية متزايدة بالمناطق النائية.

ولكن المشهد في السودان انفجر في منتصف أبريل 2023 بعد أن دخل حليفا الأمس، حربا دامية وضعت البلاد في مواجهة "واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في الذاكرة الحديثة"، وفقا للأمم المتحدة.

ومؤخرا، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها المتزايد إزاء تقارير عن قتال عنيف في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة فيما تسعى قوات الدعم السريع للسيطرة على الفاشر، آخر مدينة رئيسية بإقليم دارفور في غرب البلاد لا تخضع لسيطرتها.

وقال اللواء عبدالواحد إن "الظروف في السودان صعبة للغاية" وأن البلاد "ليس بحاجة للوثيقة الدستورية بعد تطورات الحرب".

وتابع: "الحالة العسكرية سيئة للغاية والحديث عن اقتراب حميدي من السيطرة على الفاشر وبالتالي ستكون دارفور سقطت بالكامل في أيدي الدعم السريع".

"تداعيات"

وشدد عبدالواحد على الأهمية الاستراتيجية لإقليم دارفور على اعتبار أنه يشكل مساحة كبيرة من السودان ويربط المناطق الشرقية للبلاد، علاوة على أنه حدودي مع ليبيا وتشاد وأفريقيا والوسطى.

ومضى قائلا: "كثير من التوقعات تشير إلى أن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر ربما يعجل بإعلان حميدتي عن دولة من دارفور ويبدأ التقسيم ... والبرهان هو الآخر حريص على تحصين نفسه في المناطق الشرقية".

والفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور تعتبر مركزا رئيسيا للمساعدات الإنسانية بالإقليم الواقع في غرب السودان والذي يعيش فيه ربع سكان البلاد البالغ عددهم 48 مليون نسمة.

وشهدت في هذا الشهر معارك عنيفة على الرغم من دعوات أممية متكررة للطرفين المتحاربين بتجنيبها القتال.

ويشير تورشين إلى أنه "ينبغي على الجيش الحديث على ضرورة التوصل لتسوية مع قوات الدعم السريع بدلا من الاستئثار بالسلطة"، معتبرا أن "ترسيخ حكم المؤسسة العسكرية أمر مرفوض تماما".

وقال إن مسألة "تهور الجيش" بطرح وثيقة دستورية جديدة في خضم الحرب التي تعيشها السودان سيكون لها تداعيات حتى على الداعمين للمؤسسة العسكرية.

وتابع: "ربما تعيد بعض المجموعات السياسية التي دعمت الجيش النظر في دعمها المطلق للجيش نتيجة هذا التهور".