مدخل إحدى المستشفيات في الخرطوم. أرشيف
مدخل إحدى المستشفيات في الخرطوم. أرشيف

اشتعلت المعارك العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى منذ ثلاثة أيام، وتم تسجيل سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، الأمر الذي أدى إلى ضغط كبير على المستشفيات والعاملين بالقطاع الصحي مثل الأطباء والممرضين.

وذكر تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، الأحد، أن الكثير من العاملين بالمستشفيات السودانية يعانون من ضغوطات كبيرة، في وقت تلتهب فيه المعارك الميدانية.

وأدى القتال إلى وصول المستشفيات السودانية حد الانهيار، حيث ينام الأطباء المرهقون على الأرضيات، وسط إجراء عمليات جراحية مكثفة مثل بتر الأطراف، فيما يعاني آخرون من نقص حاد في إمدادات الدم، بينما يكافحون لعلاج مئات الجرحى.

وقال علي بشير، نائب رئيس اللجنة المركزية لأطباء السودان والمسؤول الطبي بمستشفى الجودة بوسط الخرطوم إن الأوضاع صعبة.

وأضاف أن التأخير في طلب المساعدة الطبية يعني أن العديد من الجرحى سينزفون حتى الموت في الطريق  أو حتى على أرضية المستشفى عند وصولهم.

وقال أحمد الطيب، استشاري الجراحة العامة بمستشفى الخرطوم العام، إن هناك نقص كبير بوحدات الدم، وصعوبة في علاج الجرحى ووصولهم إلى المستشفى، وهو يعمل بلا توقف على المصابين بأعيرة نارية منذ نحو 36 ساعة.

وأشار إلى أن بعض المرضى حوصروا بالمستشفيات، وأن المستشفى الذي يعمل فيه والعديد من المستشفيات الأخرى تقع بالقرب من وسط المدينة، وعلى بعد أقل من كيلومتر واحد من المقر العسكري المتنازع عليه بشدة.

وأضاف أن طبيبين قتلا بينما كانا يحتميان في منزليهما، وقتل طالب طب في السنة الأخيرة بالرصاص وهو في طريقه إلى المستشفى، السبت.

وفي مدينة الفاشر بإقليم دارفور غرب السودان، قال محمد عبد الرحمن، من مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، إن فتاتين تبلغان من العمر حوالي 5 و9 سنوات قتلتا بقذائف الهاون، وإن ستة مدنيين على الأقل قتلوا ووصل أكثر من 110 جرحى إلى المستشفى يومي السبت والأحد.

وأضاف أن المستشفى الصغير مكتظ بالجرحى لأن المستشفى التعليمي الأكبر في المنطقة قريب جدا من الخطوط الأمامية، وأن الأطباء المصابين والجرحى والمرضى مستلقون على الأرض وفي الفناء، والموظفون يبحثون عن الإمدادات الطبية من الصيدليات المحلية.

وأوضح أنه يتم نقل الجرحى الذين يحتاجون إلى عمليات بتر من وإلى غرفة العمليات قبل أن يتم تنظيفها، وهناك اثنين من الجراحين المنهكين يعملان في نوبات مختلفة.

وفي مستشفى "سلمى" لعلاج الكلى في الخرطوم، ولم يتوقع أحد أن يتحول المركز الطبي الهادئ إلى ساحة حرب، تحاصرها الدبابات والمدافع، وتحوم في سمائها الطائرات والقذائف.

وتوفي مريض وأصيب مرضى آخرون، بينهم طفل، في الاشتباكات حول المستشفى وداخله.

مشاهد رعب لم يكن يتخيل الصحفي السوداني، ضياء السيد، أن يشهدها في المستشفى الذي ذهب إليه، السبت، لإجراء كشف طبي دوري، دأب على إجرائه منذ عملية زراعة كلى خضع لها في المستشفى ذاته، في فبراير.

ومن داخل مستشفى سلمى أيضا، يقول الطبيب محمد عبد الله في تقرير سابق لموقع "الحرة" إن القوات المتحاربة حاصرت المركز الطبي، وحاول الأطباء ومساعدوهم إبعاد المرضى سريعا عن النوافذ لحمايتهم من الزجاج المتطاير، لكن القصف كان كثيفا.

وتحدث عبد الله عن مأساة الذين أجروا عمليات خطيرة قبل يومين أو ثلاثة أيام فقط. هؤلاء لم يتمكنوا من الحركة سواء للهرب أو حتى للاحتماء من القذائف. وكان بعضها يتساقط على بعد مترين أو ثلاثة من غرف العناية المركزة.

وخلال حديثه، كان لا يزال الصحفي عالقا في المستشفى، مع الكادر الطبي وآخرين. ومنذ حوالي 30 ساعة لم يتمكن من العودة إلى منزله، كما يروي لموقع "الحرة"، بسبب الاشتباكات التي لا تزال مستمرة.

وكان المستشفى غاصا بالمرضى، بعضهم حضر لإجراء عملية وآخرون لغسيل الكلى، لكن القتال أدى إلى توقف العمل تماما في أجهزة الغسيل الكلوي وغرف العمليات، وفقا لما قاله الطبيب عبد الله، مضيفا أن السودان يواجه أزمة إنسانية وطبية كبيرة، تتمثل بنقص الأدوية والغذاء والغاز اللازم لتشغيل المولدات.

وحذر أطباء من أن استمرار الاشتباكات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع "سيدخل البلاد في كارثة إنسانية وطبية كبيرة"، في ظل النقص الكبير للأدوية والمعدات الذي تعاني منه المستشفيات.

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.