Satellite image shows smoke and an overview of Khartoum International Airport in Khartoum
"يوجد قلق عميق مشترك حيال القتال والعنف الدائر في السودان"

تحدثت تقارير عن سيناريو "كابوس السودان" الذي يوشك أن يحصل جراء القتال بين "الجنرالين المتعطشين للسلطة"، وفق نيويورك تايمز، التي رأت في تقرير لها أن ما يحصل في الخرطوم يدفع البلاد نحو حرب أهلية.

إلا أن خبراء استطلع موقع "الحرة" رأيهم، لم يتوافقوا على صحة الفرضية بأن تنشب دوامة عنف مستقبلية في السودان وتجر البلاد نحو حرب أهلية.

ففي حين يحكى عن فارق في القوة والعتاد وغياب الأموال اللازمة لسيناريو "الكابوس" الذي تحدثت عنه نيويورك تايمز، لا يستبعد خبراء أن يستعين "الدعم السريع" بـ"إمداداته" من بعض الدول المجاورة.

"يجب أن يتوقف على الفور"

الإثنين، قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إن الحلفاء يشعرون "بقلق عميق" حيال القتال في السودان ويرون أن القتال يجب أن يتوقف على الفور وأن يعود الطرفان إلى المحادثات.

واندلع القتال في السودان يوم السبت بين وحدات من الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية مما أدى إلى مقتل 97 مدنيا على الأقل. وأصبح الجيش له اليد العليا فيما يبدو الأحد، حسب رويترز.

وقال بلينكن، الذي كان يتحدث على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع باليابان، إن مشاورات وثيقة جرت حول القتال سواء مع شركاء في العالم العربي وأفريقيا أو مع منظمات دولية.

وأضاف: "يوجد قلق عميق مشترك حيال القتال والعنف الدائر في السودان، والتهديد الذي يمثله ذلك للمدنيين والشعب السوداني وما قد يمثله حتى للمنطقة".

وأشار إلى وجود رأي مشترك بضرورة اتخاذ خطوات لحماية المدنيين وغير المنخرطين في القتال والأجانب.

وأردف: "توجد أيضا وجهة نظر راسخة بقوة لدى جميع شركائنا بوجود حاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى المحادثات، وهي محادثات كانت واعدة جدا في ما يخص وضع السودان على طريق الانتقال الكامل إلى حكومة يقودها مدنيون".

"ضربة مدمرة"

يشير تقرير نيويورك تايمز إلى أن الفوضى هي ضربة مدمرة للسودان، وإلى أن "الجنرالان المتحاربان في السودان"، (رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ونائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي الذي يقود قوات الدعم السريع)، لا يستمعان لنداءات المجتمع الدولي في وقف التصعيد.

وأضاف تقرير الصحيفة أن القتال في دارفور أضاف عنصرا لتفجير الوضع، كون هذه المنطقة موطن العديد من الجماعات المعارضة التي يمكن أن تنخرط في القتال

أمام هذا الواقع قال المحلل السياسي والصحافي السوداني، خالد الفكي، في حديث لموقع "الحرة" إن من خلال وقائع الأحداث والتفاوت بين القوتين المتحاربتين نجد أن التفوق لصالح الجيش السوداني، خصوصا أن سلاح الطيران والوحدات المدرعة هي ميزات إضافية للقوات المسلحة تجعل إمكانية حسم المعركة أكبر وأوسع بجانب الخبرة المتوفرة لدى الجيش.

ومن جانب آخر، أوضح الفكي أن قوات الدعم السريع تمتاز بسرعة الحركة والآليات الحديثة، ولكن الخبرة التراكمية الطويلة للقوات المسلحة والتأييد الشعبي والمطالبة بأن يكون هناك جيش وطني واحد، كل هذه العوامل تعد نقاط قوة لصالح حسم الجيش السوداني لهذه المعركة التي تدور في الخرطوم.

وتابع أن في الوقت الحاضر هناك فئات شعبية عدة تعارض خطاب الكراهية والقبليات، وترفض الانجرار في حرب أهلية، لذلك فإن القبائل التي تناصر "قائد الدعم السريع" ستقدر مصلحة الوطن ولن تنجر إلى الحرب.

واعتبر الفكي أن فكرة نشوب حرب أهلية ليست واردة، في الوقت القريب على الأقل. لأن عناصر نشوب هذه الحرب والإمكانات بالنظر للظروف الجغرافية تبدو معقدة وصعبة وغير موجودة، خصوصا أن الحرب الأهلية تحتاج للمزيد من السلاح والأموال.

وقال إن الجيش وضع استراتيجية لضرب وشل "الدعم السريع"، الذي فقد القيادة والدعم وحوصر في أماكن محددة وضيقة.

حرب أهلية طويلة المدى

من جانبه، قال المحلل السياسي السوداني، طاهر المعتصم، في حديث لموقع "الحرة" إنه يصعب التكهن بالسيناريوات المقبلة في السودان، فمعركة واحد تحدد مصير الحرب.

وتابع المعتصم أن خطورة الحرب تكمن في أنها تدور في العاصمة والمناطق الحيوية، مثل القصر الرئاسي والقيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم.

وأوضح أن هذه المعركة يمكن أن تحسم في أي وقت لصالح الجيش السوداني، ولكنها لا تعني نهاية الحرب، فالدعم السريع لديه أعداد كبيرة من الجنود، وإمكانيات كبيرة، ويملك امتدادات في بعض الدول المجاورة، مثل أفريقيا الوسطى وليبيا.

واعتبر المعتصم أن ما يحصل ربما يتحول إلى حرب أهلية طويلة المدى. لكن المعركة الجارية الآن لا يمكن حسمها في أيام.

هل انتهت مساعي الديمقراطية؟

شدد الفكي على أن في لحظات الحرب تضعف فرص المناداة بالحكم الديمقراطي والمدني، ولكن السودان اختبر الكثير من العهود الشمولية، واستطاع أن يهزمها.

أما المعتصم فقال إن الديمقراطية والدولة المدنية تبقيان من أحلام الشعب السوداني والقوى السياسية، ولكن يبدو أن الأوضاع الأمنية والاضطرابات العسكرية ستؤدي إلى إعادة النظر بالموضوع لأن الوضع الآن هو وضع حرب.

"الجميع يتحدث عن ضرورة إيقاف الحرب ثم النظر بالمسارات السياسية أو نيل الديمقراطية أو الحقوق الأخرى، لأنه إذا استمرت الحرب فما جدوى الديمقراطية، وما جدوى المطالبة بالقضايا الحقوقية من دون سلام وأمن واستقرار؟"، يسأل المعتصم.

نحو مئة قتيل مدني

وقتل ما لا يقل عن 97 مدنيا على ما أفادت صباح الإثنين نقابة أطباء السودان المستقلة والمؤيدة للديموقراطية، سقط 56 منهم السبت و41 الأحد، نصفهم تقريبا في العاصمة السودانية.

وأوضحت النقابة في بيان أن "365 شخصا أصيبوا" أيضا.

وسبق للنقابة أن أشارت إلى أن حصيلة القتلى في صفوف المقاتلين تعد بـ"العشرات" لكن أيا من الطرفين لم يعلن خسائره البشرية.

 الجيش السوداني حقق تقدما واضحا خلال الأشهر الأخيرة في حربه ضد الدعم الشريع
الجيش السوداني حقق تقدما واضحا خلال الأشهر الأخيرة في حربه ضد الدعم الشريع

بعد سيطرة الجيش السوداني على القصر الرئاسي في الخرطوم، تبدو الصورة السياسية والعسكرية في البلاد على وشك تغيير جذري.

هذا التحول الكبير، بحسب مراقبين، يطرح تساؤلات بشأن ما سيحدث في الأسابيع القادمة:

هل سينجح الجيش في توطيد سلطته وتحقيق الاستقرار؟

أم أن قوات الرد السريع ستتمكن من استعادة قوتها والعودة إلى الصراع؟

المستقبل القريب في السودان يبدو غامضاً، والعديد من الأسئلة لا تزال بلا إجابات واضحة حول مسار الصراع والشرعية السياسية في البلاد، لكن يؤكد العديد أن ما جرى في الخرطوم سيغير الكثير من الموازين.

إنتهاء "الصفحة الأولى" من المعركة

ياسر يوسف، وزير الإعلام السوداني الأسبق وكاتب وباحث سياسي، قال في حديث خص به قناة الحرة من إسطنبول، إن سيطرة الجيش على القصر الرئاسي تُعتبر "خطوة هامة جداً وفقاً لجميع المعايير، وتشكل تحوّلاً كبيراً في مجريات الحرب".

وأوضح يوسف أن هذه السيطرة تعني "انتهاء الصفحة الأولى" من المعركة، والتي يمكن اعتبارها نهاية الحرب في ولاية الخرطوم.

وأضاف أن هذه الخطوة ستُمكّن الجيش من المضي قدماً في تحرير باقي "الجيوب في شرق العاصمة وغربها".

وأشار إلى أن السيطرة على القصر الرئاسي تحمل أيضاً قيمة سياسية كبيرة، وستكون دافعاً قوياً للجيش لمواصلة عمليات تحرير بقية المناطق.

وفي ذات الوقت، وصف هذه التطورات بأنها "نقطة سلبية" قد تؤثر سلباً على معنويات قوات الدعم السريع.

كما أكد أن الجيش السوداني سيكرس جهوده الآن لاستكمال تحرير باقي أجزاء السودان، بما في ذلك كردفان ودارفور والفاشر.

تغيير في موازين القوى

عادل عبد العاطي، مستشار حملة "سودان المستقبل" ومؤسس الحزب الليبرالي السوداني، قال بدوره للقناة الحرة من وارسو، إن السيطرة على القصر الرئاسي تُعد "خطوة بالغة الأهمية وتغير تماماً موازين القوى".

وأضاف عبد العاطي أن قوات الدعم السريع قد فقدت قدرتها الهجومية منذ نصف عام، وتحولت إلى وضع دفاعي.

وأكد أن السيطرة على القصر الرئاسي هي دليل واضح على أن هذه القوات لم تعد كما كانت في السابق "اليد العليا في التحرك والهجوم والاستيلاء وفقاً لمصالحها".

وأوضح أن السيطرة على الخرطوم والقصر الرئاسي لها رمزية سيادية كبيرة بالنسبة للجيش السوداني، كما أنها تمنح الحكومة السودانية دعماً معنوياً وسياسياً بعد أن اضطرت سابقاً إلى مغادرة العاصمة والانتقال إلى بورتسودان، وهو ما اعتبره بمثابة "هزة للنظام السوداني".

واشنطن مع شرعية الدولة

كاميرون هدسون، الدبلوماسي الأميركي السابق ومدير الشؤون الأفريقية الأسبق في مجلس الأمن القومي، بيّن من جانبه أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تعلن حتى الآن عن موقفها الرسمي بشأن الأحداث الجارية في السودان، لكنها تراقب التطورات عن كثب.

وأشار هدسون إلى أن وزارة الخارجية الأميركية قد أظهرت موقفاً واضحاً في رفضها لمحاولة قوات الرد السريع تشكيل "حكومة موازية" في نيروبي الشهر الماضي.

وأكد أن الولايات المتحدة لا تقبل بفوز قوات الرد السريع أو منحها أي شرعية. 

وأضاف أن السيطرة على القصر الرئاسي ستعزز شرعية الجيش السوداني، مما سيؤدي إلى توطيد السلطة في الأسابيع القادمة، تمهيداً لتشكيل حكومة مدنية انتقالية تشرف على المناطق التي تحت سيطرة الجيش.

واختتم بالقول إنه يجب الانتظار لمعرفة رد إدارة الرئيس ترامب بشأن الريادة المدنية في السودان، ولكنه أشار إلى أن هذه الإدارة بشكل عام لا تهتم بما يمكن أن تحققه قوات الرد السريع من مكاسب.

وتعمل قوات الدعم السريع على تشكيل حكومة موازية في المناطق التي تسيطر عليها، رغم أن من المتوقع ألا تحظى باعتراف دولي واسع.

وبعد ساعات من إعلان الجيش السوداني، قالت قوات الدعم السريع إنها موجودة في محيط القصر الرئاسي وإنها شنت هجوما أسفر عن مقتل العشرات من جنود الجيش في داخله.

ونقلت وكالة السودان للأنباء عن رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان قوله إن هذه المعركة ماضية ولن تتوقف، وأضاف "لن نتراجع ولن نتأخر، وسنقف مع المواطن حتى النهاية".

وسيطرت قوات الدعم السريع على القصر الرئاسي وأجزاء كبيرة من الخرطوم، بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023 بسبب خلافات حول اندماج القوة شبه العسكرية في الجيش.

وقالت قوات الدعم السريع أمس الخميس إنها انتزعت السيطرة على قاعدة رئيسية من الجيش في شمال دارفور، وهي منطقة تقع بغرب البلاد.

وأدى الصراع إلى ما تصفه الأمم المتحدة بأكبر أزمة إنسانية في العالم، إذ تسبب في مجاعة في عدة مناطق وانتشار أمراض في أنحاء البلاد التي يبلغ عدد سكانها 50 مليون نسمة.

ووجهت اتهامات لكلا الجانبين بارتكاب جرائم حرب، كما وُجهت أيضا اتهامات لقوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية.

وينفي الطرفان هذه الاتهامات.