المعارك مستمرة منذ السبت 15 أبريل 2023.
حرب العسكريين بالشوارع: ما مصير العملية الديموقراطية في السودان؟

تحول التوتر بين أقوى جنرالين في السودان إلى قتال مفتوح في شوارع الخرطوم، وذلك بعد 18 شهرا فقط على اتحادهما لعرقلة انتقال البلاد إلى المسار الديمقراطي.

الاشتباكات المسلحة تتواصل منذ ثلاثة أيام بين الجيش السوداني بقيادة عبدالفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع، شبه العسكرية، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وأسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من 100 مدني وإصابة 365 آخرين بحسب نقابة أطباء السودان.

رغم أن القضية الأهم في الوقت الراهن هي وقف إطلاق النار لتجنيب المدنيين مزيدا من الخسائر في الأرواح والممتلكات، يبقى السؤال كيف ستؤثر المواجهة بين الطرفين على مصير العملية السياسية والتحول الديمقراطي في السودان؟ 

المحلل السياسي السوداني، محمد عجيب يرى أن العملية السياسية ستختلف بشكل كبير في حال انتصار طرف على آخر، لأن التوجهات السياسية لطرفي النزاع تكاد تكون متباينة تماما.

وأضاف في حديث مع موقع "الحرة" أنه في حال انتصار قوى الدعم السريع، من المتوقع أن تتحالف مع إحدى القوى السياسية والمدنية الموجودة الآن، وهي قوى الحرية والتغيير، لتوقيع الاتفاق الإطاري، على أن يشكل الدعم السريع المجلس العسكري، الذي يعطيه حق وضع الدستور واختيار الحكومة القادمة ورسم المرحلة الانتقالية القادمة.

أما إذا انتصرت القوات المسلحة، فسيقوم برنامجها على توسيع مشاركتها في العملية السياسية خلال الفترة الانتقالية بمعاونة من يؤيدها من القوى المدنية، ما عدا حزب المؤتمر الوطني المحلول، وفقا لعجيب.

وستسعى القوات المسلحة لتشكيل حكومة وفاق وطني بمشاركة القوى المدنية المختلفة، لكن سيكون للجيش اليد العليا، بحسب عجيب، لرسم الخطوط العريضة في الفترة الانتقالية.

لكنه أوضح أنه في حالة عدم اتفاق القوى المدنية على حكومة وطنية، سيقوم الجيش باختيار حكومة تكنوقراط لتصريف الأعمال.

وقال المحلل السياسي السوداني، فريد زين العابدين،  في حديث لموقع "الحرة" إنه ليس من السهل توقع انتصار أي من الطرفين بسهولة لأن كل فريق لديه قوة عسكرية نوعية ومراكز قوى مختلفة.

وتوقع زين العابدين صعوبة وصول أي من الطرفين إلى انتصار حاسم في أي وقت قريب يتفق معه كل من الباحثة السياسية السودانية، مها طمبل، والمحلل السياسي السوداني، حسين بركة، الذين اعتبروا أنه مهما طال أمد المواجهة، فسيقتنع الفريقين في النهاية بأن النتيجة الوحيدة ستكون دمار السودان.

ونشرت صفحة قوات الدعم السريع السودانية على موقعي "فيسبوك وتويتر"، الاثنين، فيديوهات أعلنت من خلالها الاستيلاء على مجموعة من المقار أبرزها مقر الاستخبارات العسكرية بالقيادة العامة ومطار مروي ومنزل قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، وزعمت تحقيق انتصارات، إلا أن قيادة القوات المسلحة أصدرت بيانا نفت فيه هذه المعلومات، بحسب ما تداولت التقارير الإخبارية.

ونقلت وكالة "رويترز"، الاثنين، عن شهود قولهم إن الجيش السوداني أصبح له اليد العليا على ما يبدو في الصراع الدموي على السلطة ضد قوات الدعم بعد أن استهدف الجيش قواعدها بضربات جوية.

لكن بركة يرى أنه في حالة انتصار  الجيش وهذا لن يحدث إلا بتكلفة كبيرة  جدا، سوف نشهد عودة شمولية عسكرية بملامح أقرب للحركة الإسلامية.

وترى الباحثة السياسية السودانية، مها طمبل، في حديثها لموقع "الحرة" أن مشكلة قوات الجيش أنها مؤدلجة سياسيا وأصبحت تطمع في السلطة ولا تريد أن تقتنع أن دورها يقتصر على حماية الوطن.

وأوضحت أنه إذا انتصر الجيش في معركته ضد الدعم السريع وتولى مقاليد الحكم، فمن المؤكد أن الشعب السوداني لن يقبل هذا الوضع وسيثور مرة أخرى وسيخسر السودان مزيدا من السنوات.

لكنها أشارت إلى أن الأزمة ستكون أعمق بكثير في حالة انتصار الدعم السريع، موضحة أنها "مليشيا لا يمكنها أن تحكم الشعب السوداني الذي يفضل الجيش النظامي، وأي انتصار للدعم لا يعبر عن السودان ويعني أن الدولة انتهت".

ووفقا لزين العابدين، في الفترة الأخيرة أصبحت قوات الدعم السريع أقرب فكريا بشكل ما إلى القوات المدنية بسبب تصريحاتها المتكررة بضرورة تسليم السلطة إلى المدنيين والالتزام بالاتفاق الإطاري مع القوى المدنية، ومع ذلك الشعب لن يتقبل أن تحكمه هذه القوات في حال انتصارها، بحسب رأيه.

وأوضح أن فئات الشعب السوداني المختلفة لا ترى أن الدعم السريع تعبر عنها خاصة بسبب طبيعة تكوينها، إذ إن غالبية قواتها، سواء من القيادات أو الجنود، تأتي من غرب السودان.

وقوات الدعم السريع تعتبر عائلة كبيرة، يديرها حميدتي وأخوه، وينتمون جميعهم لنفس القبيلة والمكان، بحسب المحلل السياسي.

وقال إنه رغم أن قوات الدعم السريع بدأت في الفترة الأخيرة تعيين بعض المفصولين من الجيش، والذين ينتمون إلى فئات مختلفة من الشعب، إلا أنه لا تتمتع بتمثيل كبير في السودان.

ويدير السودان حاليا مجلس السيادة، منذ الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، من خلال قائده البرهان، الذي يعتبر الرئيس الفعلي للبلاد، من جهة، ونائبه حميدتي، من جهة أخرى.

لكن الجنرالين اختلفا على مسار العملية السياسية والانتقال إلى الحكم المدني. ووفقا للجدول الزمني المتوافق عليه، فقد كان من المفترض الإعلان عن تشكيل حكومة مدنية جديدة، في 11 أبريل الجاري، لكن تعثر حدوث هذا الأمر بعد ن فشل الطرفان في التوقيع على الاتفاق الإطاري الذي تم الإعلان عنه، في ٥ ديسمبر الماضي، وذلك بسبب الخلافات حول آليات ومواعيد دمج قوات الدعم السريع في الجيش.

وقالت طمبل إنه بعد انقلاب العسكريين على الحكومة المدنية في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، ظل المجتمع الدولي يضغط على المكونات المدنية من أجل أن تقبل شراكة مع العسكريين بأي شكل، وبالتالي شعر العسكريون بأنهم لهم الفوقية والأحقية في إدارة البلاد. وأدت ضغوط المجتمع الدولي إلى نتيجة عكسية.

وأوضحت أن القوى المدنية، بما فيها الحرية والتغيير، لن تقبل أن تدخل في أي شراكة مع الجيش أو الدعم، وستظل تضغط من أجل أهدافها.

وتتوقع الباحثة السياسية أن ينتهي الصراع المسلح قريبا، مشيرة إلى أن المجتمع الدولي حاليا، لجأ إلى السعودية والإمارات، للتدخل كوسيطين من أجل دفع الطرفين المتحاربين للحوار، خاصة أن الفصيلين العسكريين المتنازعين تربطهما مصالح اقتصادية مختلفة مع الدولتين الخليجيتين.

لكنها أوضحت أن الحوار سيكون بين العسكريين في الوقت الحالي، لذلك طالبت القوى المدنية بضرورة البحث عن أوراق ضغط مختلفة، بجانب التأييد الشعبي، تعيدهم إلي قلب الأحداث في السودان.

من جانبه، يرى زين العابدين أن الاتفاق على شكل واضح لتسليم السلطة للمدنيين وتنظيم قواعد عمل القوات العسكرية سواء الجيش أو الدعم، يعتبر من أصعب المراحل السياسية في السودان، لذلك جعلوها آخر مرحلة.

ويرى أن القوى المدنية في السودان وتحديدا قوى الحرية والتغيير، لا تزال ترى أن الحل الوحيد للأزمة السودانية هو العودة للاتفاق الإطاري، لأنه مهما طال الزمن، لن تتراجع هذه القوى عن مطالبها بالحكم الديموقراطي.

وقال زين العابدين إن ما يحدث حاليا من اشتباكات هو انتكاسة للعملية السياسية، لكن ليست نهايتها.

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.