معارك عنيفة دارت في مختلف أنحاء البلاد وسط مخاوف من إمكانية اتساع رقعة القتال
معارك عنيفة دارت في مختلف أنحاء البلاد وسط مخاوف من إمكانية اتساع رقعة القتال

أنشأت وزارة الخارجية الأميركية فريق عمل خاصا للتعامل مع الأزمة في السودان، وفقا لما نقلت شبكة "سي إن إن" الإخبارية عن متحدث باسم وزارة الخارجية.

وقال المتحدث، الذي لم تكشف الشبكة عن هويته، إن "وزارة الخارجية أنشأت فريق عمل معنيا بالنزاع العسكري في السودان للإشراف على تخطيط الوزارة وإدارتها واللوجستيات المتعلقة بالأحداث في السودان".

ونقلت الشبكة، عن مصادر، القول إن إشعارا بشأن فرقة العمل أرسل إلى الموظفين في وزارة الخارجية، الاثنين الماضي.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية حثت رعاياها للاحتماء والبقاء في أماكنهم، وكذلك فعل الدبلوماسيون الأميركيون في الخرطوم.

وقالت السفارة الأميركية، الثلاثاء، إنه "بسبب الوضع الأمني غير المستقر في الخرطوم وإغلاق المطار، لا توجد خطط للحكومة الأميركية للإجلاء.

وكان وزير الخارجية أنتوني بلينكن أكد، الثلاثاء، تعرض قافلة دبلوماسية أميركية لإطلاق نار في السودان من دون أن يسفر الحادث عن أي اصابات، واصفا العمل بأنه "طائش وغير مسؤول".

وتواصلت المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع في السودان، رغم هدنة بوساطة دولية كان يفترض أن يلتزم بها الطرفان لمدة 24 ساعة اعتبارا من مساء الثلاثاء، لكنهما لم يفعلا بدليل استمرار دويّ الانفجارات وأزيز الرصاص ولا سيما في الخرطوم.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ"سي إن إن" إن واشنطن "تواصل الضغط على قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية لإقرار وقف إطلاق نار لمدة 24 ساعة، وتدعو الطرفين لضمان الالتزام به".

وأجرى بلينكن محادثات مع طرفي النزاع في السودان، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، حيث "شدد على الحاجة الملحة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار"، وفق ما أفاد متحدث باسم الوزارة الثلاثاء.

وقال المتحدث فيدانت باتيل في بيان إن بلينكن، المتواجد في اليابان لحضور اجتماعات وزراء خارجية مجموعة السبع، أجرى اتصالين منفصلين مع الجنرالين أعرب فيهما عن "قلقه البالغ حيال مقتل وجرح العديد من المدنيين السودانيين جراء القتال المستمر والعشوائي".

وأضاف باتيل أن بلينكن في حديثه "شدد على مسؤولية الجنرالين في ضمان أمن وسلامة المدنيين والدبلوماسيين والعاملين في المجال الإنساني".

وأكد بلينكن أن وقف إطلاق النار "يسمح بإيصال المساعدات الإنسانية للمتضررين من القتال ولمّ شمل العائلات السودانية والسماح للمجتمع الدولي في الخرطوم بالتأكد من أن وجوده آمن".

وأشار إلى أن وقف إطلاق النار، وإن كان لمدة 24 ساعة، قد يشكل نقطة انطلاق جيدة لتخفيف التوتر فيما حذر من أن القتال "يعرض للخطر بشكل متهور" المدنيين والمسؤولين على حد سواء.

ودارت معارك في مختلف أنحاء البلاد، وسط مخاوف من إمكانية اتساع رقعة القتال في المنطقة.

وتخلل النزاع عمليات قصف جوي ومدفعي وتبادل كثيف لإطلاق النار.

ويفر آلاف المدنيين من الخرطوم تحت القصف، الأربعاء، فيما خلف القتال المستمر لليوم الخامس على التوالي بين قوات الدعم السريع والجيش النظامي قرابة 300 قتيل بحسب الأمم المتحدة.

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.