سودانيون في لبنان
سودانيون يتجمعون على الإفطار في النادي الثقافي السوداني في لبنان.

يعيش أبناء الجالية السودانية في لبنان هذه الأيام، حالة قلق دائم بشأن سلامة أهلهم وأقاربهم الموجودين وسط المعارك العنيفة التي يشهدها السودان، يضاف إليه شعورهم بعدم القدرة على القيام بأي دور من شأنه أن يغير مسار الأمور أو يساهم في حماية أهلهم وناسهم، لاسيما وأنهم يعيشون بدورهم معاناة أخرى ترتبط بتردي أوضاعهم المعيشية في لبنان الذي يعيش أزمات مختلفة على رأسها انهيار اقتصادي شامل، كان العمال الأجانب من أبرز المتضررين منه.  

منذ اندلاع الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، السبت، يمضي السودانيون في لبنان معظم أوقاتهم متسمرين أمام شاشات القنوات الإعلامية التي تغطي الأحداث الجارية في بلادهم، أو على هواتفهم يتابعون الأخبار ويتواصلون مع ذويهم وأهلهم.  

سودانيون في لبنان يتابعون التطورات في بلدهم عبر شاشات التلفاز.

لم يحظ ناجي عبد القادر، وهو سوداني يعيش في لبنان، بليلة نوم هادئة منذ أيام، فهو يمضي كامل وقته متأهبا على هاتفه، يتابع التطورات، ويتواصل على أساسها مع أهله وأقاربه للاطمئنان عليهم، لاسيما وأن كل أهله في السودان يعيشون في منطقة تضم معسكرات للجيش والتدخل السريع وتشهد اشتباكات عنيفة.   

يقول لموقع "الحرة" أنه بات يمضي طيلة نهاره أونلاين، "يدي على قلبي وكلي خوف من خسارة عزيز، يخبرونني يومياً عن رصاص طائش يتساقط عليهم وعلى المنزل نتيجة الاشتباكات العنيفة، فيما سجل سقوط العديد من الضحايا المدنيين في المنطقة نتيجة ذلك، وبالتالي يعيشون في خطر كبير". 

ويضيف "مضادات الطائرات باتت تطلق داخل العاصمة، والرصاص والقذائف تتساقط على رؤوس الآمنين في منازلهم، الناس لا تجرؤ على الخروج من المنزل، ومن يخرج لا يعلم إن كان سيعود أم لا، بالكاد يخرج الناس للحصول على الخبز".  

اختلاف دون خلاف 

وينقسم موقف السودانيين في لبنان حول الأحداث الجارية ودعمهم للأطراف المتصارعة بحسب انتماءاتهم القبلية بالدرجة الأولى، فأبناء القبائل التي تدعم في السودان قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بـ "حميدتي"، يؤيدونه في لبنان، فيما أبناء القبائل الداعمة للجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، يدعمون الجيش ويتمنون انتصاره في المعارك.  

سودانيون لبنان يعيشون في حالة قلق بالغ مع تصاعد الاشتباكات المسلحة في بلدهم.

وتتفق نسبة كبيرة منهم على أن ما يجري هو صراع على السلطة لا شأن للشعب فيه. ويقول ناجي:  "آخر همهم السودان ومصلحة السودانيين، أما السودانيون فكل ما يريدونه هو انهاء هذا الاقتتال والانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي، وليس كل هؤلاء القادة العسكريين".   

رغم ذلك، لا ينعكس هذا الاختلاف في التأييد على علاقة أبناء الجالية السودانية في لبنان، بل يزيدهم الخوف المشترك على وطنهم تماسكاً وتقارباً فيما بينهم.  

يعتبر النادي الثقافي السوداني في لبنان، من أقدم وأعرق الأندية التي تجمع أبناء الجالية السودانية، ولكون الاشتباكات جاءت متزامنة مع شهر رمضان، شكلت الإفطارات اليومية التي ينظمها النادي في منطقة الحمرا في بيروت، مناسبة لالتقاء أبناء الجالية السودانية والتباحث فيما بينهم بشأن الأحداث الأخيرة.  

منذ اليوم الأول في شهر رمضان، يشارك رئيس رابطة الشباب السودانيين في لبنان، عبدالله مالك عبد السيد، في الإفطارات اليومية التي يقيمها النادي، ويؤكد لموقع "الحرة" أنه لم يلحظ فرقاً في التعامل ما بين أبناء الجالية السودانية بمختلف انتماءاتهم وآرائهم، عما كان عليه قبل اندلاع المعارك.  

يضيف "نتناول في أحاديثنا ما يجري في السودان وتختلف الآراء وتتعدد، لكن النقاش دائما ما يكون بطابع هادئ ويغلب عليه المزاح، الجميع يلوم قيادة الطرفين على ما يجري، ولم نشهد أي مشادات أو انقسامات بشأن ما يحصل".  

بحسب عبد السيد، السودانيون متفقون على أن ما جرى فجأة في السودان هو عبارة عن فتنة، "حتى أنصار حميدتي لا يعربون عن تأييدهم لما يجري من صراع مسلح، لاسيما أن ما قام به حميدتي خطأ فادح جداً تجاه الجيش السوداني". 

ويأمل عبد السيد "ألا تنتصر الميليشيات على الجيش، لكونه في النهاية مؤسسة وطنية يجب الحفاظ عليها للحفاظ على الدولة، بغض النظر عن موقفنا من قيادة هذا الجيش والدور السياسي الذي تلعبه، حيث نأمل أن يكون المتصارعون اليوم خارج المشهد المقبل على السودان". 

بالنسبة إلى السودانيين ما يجري اليوم هو "صراع على السلطة والكراسي يدار بأيادي خارجية"، وبحسب عبد السيد فإن الصدام قائم بين حليفين سابقين "كانا منذ وقت قريب في الخط نفسه والهدف نفسه، ويدعمان بعضهما البعض".  

من جهته يرى محمد الأحمد، سوداني يعيش في لبنان منذ العام 2011، أن المعاناة المشتركة للسودانيين في الخارج، من خوف وقلق على الأهل وخشية على مصير البلاد، توحد بين السودانيين في لبنان أكثر مما تفرقهم المعارك الجارية في السودان، فيعمدون إلى دعم بعضهم البعض وتبادل الاهتمام والاستفسار عن أحوالهم، "كل شخص حر برأيه، لكن المشكلة هناك في السودان، ولا انتقال للانقسام إلينا".  

حزن على الخسارة وخوف على الأحباب 

خسر محمد، أحد أقاربه في المعارك الدائرة خلال الأيام الماضية. في حديثه لموقع "الحرة" يتحدث عن حالة الذعر التي أصابته حين وصله الخبر، "أحسست بمدى خطورة الأمر واقترابه من أهلي في السودان، لاسيما وأن آخر مكالمة أجريتها معهم كان صوت الطيران والقذائف والرصاص مسموعا عبر الهاتف، وكانوا يقولون لي أن الاشتباكات قريبة جداً من منطقتنا التي تضم عدة معسكرات للجيش والدعم السريع".  

ويزداد القلق لدى السودانيين في لبنان كلما اقترب الخطر من دائرة الأهل والأقارب، أو المناطق التي يعيشون فيها، فيما يخيم حزن عام على من طالتهم الخسارة بالفعل.  

يتأسف عبد السيد لكون أن عددا من أبناء الجالية السودانية في لبنان فقدوا أحبابا وأقارب وجيرانا في المعارك القائمة حالياً، بينهم أولاد عم وأولاد خال أو جيران، ويوضح " في السودان حين نفقد جاراً قد يكون أشد إيلاما من فقدان قريب". 

هؤلاء يعيشون اليوم حزنهم من خارج بلادهم وهم بعيدون عن أهلهم، بحسب عبد السيد، "ينامون ويصحون على الخوف من أن تلحق الحرب الضرر بأهلهم".   

هذا السيناريو أكثر ما يرعب ناجي، الذي يعبر عن خشيته أن يستيقظ على خسارة عائلته أو محيطه أو المنطقة التي يعيش فيها، "قد نستيقظ والقرية كلها مهجرة او مدمرة أو غير موجودة، أخشى العودة إلى السودان فلا أجد أحداً من أهلي ومحيطي، فيما خرجت من السودان بالأساس بهدف مساعدتهم، كلها سيناريوهات مرعبة، والمشكلة أن التهديد يطال كل السودان، فأينما يوجد جيش، يوجد دعم سريع وتدور معارك بينهم، أخشى أن نخسر البلاد التي تغربنا للعمل والعودة إليها لاحقا". 

عجز مؤلم 

أما بالنسبة إلى هشام عبدالله، وهو إعلامي سوداني يعيش في لبنان، فإن قلق الإنسان على أهله وأقاربه الذين يعيشون في مناطق الحرب أمر طبيعي جداً، لكن الأكثر إيلاماً هو الشعور بالعجز التام أمامهم.  

ويضيف " لسنا قادرين على فعل شيء لهم أو لحمايتهم. كل ما نفعله اليوم ان ندعمهم مادياً وأن نسأل ونطمئن عن أحوالهم، ونقدم لهم بعض الدعم المعنوي، فيما يعيشون هم وسط ظروف مأساوية، ينقطع عنهم الطعام والشراب والكهرباء والإنترنت، ويضطرون للمخاطرة من أجل تأمين أبسط حاجاتهم فيما نحن هنا غير قادرين على فعل شيء".  

العجز نفسه يعبر عنه ناجي، خاصة وأن أحوال السودانيين في لبنان ليست أفضل، حيث يعيشون أزمتهم الخاصة في ظل الغلاء المعيشي والتدهور الاقتصادي وخسارة الأعمال وارتفاع سعر الدولار. 

حتى الأموال القليلة التي يتمكن السودانيون في لبنان من توفيرها لإرسالها إلى أهلهم، تهدد الحرب اليوم وصولها إليهم، حيث يواجهون في السودان صعوبات في استلام الأموال في ظل إقفال الشركات والمصارف لأبوابها، ويعبرون عن خشيتهم من أن يطول أمد هذا الإقفال، ما من شأنه مضاعفة معاناة أهلهم المعيشية.  

سودانيون في لبنان يتابعون التقارير الخبرية حول تطورات الاشتباكات في بلدهم.

وفق ناجي، هذا العجز ينعكس على السودانيين في لبنان بشكل سلبي جدا نفسيا، "يتركنا في حالة ترقب وقلق دائمين. منذ بدأت الحرب لم نعرف النوم وراحة البال هنا في لبنان، طيلة الوقت تتخيل سيناريوهات معينة ومخيفة وتخشى حصولها في أي لحظة."  

يمتد هذا العجز حتى إلى التعبير السلمي عن رفضهم للحرب، ففيما سبق لأبناء الجالية السودانية أن أقاموا مظاهرات في لبنان إبان الثورة التي شهدتها بلادهم قبل سنوات، يعجزون اليوم عن القيام حتى بتحرك رمزي. 

وفقا لعبد السيد، عام 2019 كان الوضع في لبنان أفضل بكثير مما هو عليه اليوم، حيث لم يكن هناك أزمة معيشية أو مخاطر أمنية، "أما اليوم ونتيجة الواقع الأمني في لبنان قد لا نتمكن حتى من مناصرة شعبنا السوداني في الشارع". 

وعلى الرغم من ذلك، يحاول السودانيون القيام بأي مبادرة من شأنها أن تخدم أبناء شعبهم، حيث يجري النقاش حول مبادرات كإعلان نفير عام بين أبناء الجالية السودانية في الخارج لدعم الجرحى المدنيين الذين أصيبوا في المعارك الأخيرة، وفق ما يؤكد رئيس رابطة الشباب السودانيين في لبنان.  

ملاحظة هامة: الانترنت لم ينقطع بعد 

أصعب الأوقات التي تمر على محمد أحمد، هي تلك التي ينقطع فيها الإنترنت عن منطقة وجود أهله في السودان، فهو السبيل الوحيد للتواصل معهم، "أصاب بقلق كبير عليهم وأبقى في حالة توتر دائمة واتسمر أمام الهاتف لأتابع آخر أخبار القصف ومواقعه وبالي طيلة الوقت هناك".  

ويخشى السودانيون من الانقطاع التام للإنترنت في مرحلة معينة لما سيعنيه من معاناة لهم، حيث سيدفعهم للاعتماد على شبكات الاتصالات من أجل الإطمئنان والتواصل مع أهلهم، وهو ما لن يكون متوفراً بالوتيرة اللازمة بالنسبة لهم، خاصة وأن الاتصالات في لبنان باتت مكلفة جداً، والخارجية منها أكثر كلفة، وأقل جودة ما سيحد كثيراً من تواصلهم ودعمهم معنوياً.  

لكن وبينما ينقطع الإنترنت وشبكة الاتصالات جزئياً عن بعض المناطق، يلفت عبد السيد إلى أن استمرار خدمة الإنترنت حتى اليوم رغم كل ما يجري هو أمر لافت للنظر لا بد من التوقف عنده، "هذا الأمر يسجل لأول مرة في السودان، فلطالما انقطع الإنترنت عن السودان خلال التظاهرات والاحتجاجات الشعبية السابقة".

يستذكر عبد السيد واقعة مجزرة فض اعتصام القيادة العامّة (يونيو 2019)، والتي صادف أن كانت في شهر رمضان أيضاً، "حينها انقطع الإنترنت عن البلاد لمدة شهر، بعكس اليوم، لفت الأمر نظرنا بشكل كبير، حتى أننا اليوم أصبنا بالشك في البداية حول جدية ما يحصل من معارك وظننا أنها سيناريو مفتعل، لكون الإنترنت لم ينقطع كما اعتدنا، ولا يزال حتى الآن متوفراً في البلاد، ونخشى جميعاً من خسارة هذا التواصل في المقبل من الأيام".  

خيبة أمل ومخاوف عديدة  

يتكرر بين السودانيين وصف شعورهم بخيبة الأمل مما يجري اليوم، لاسيما وأنهم أملوا طيلة السنوات الماضية بالوصول إلى الحكم المدني الذي خرجوا من أجله قبل سنوات إلى الشوارع مطيحين بنظام الرئيس السابق عمر البشير للانتهاء من زمن الديكتاتورية، وفق ما يقولون.  

يقول ناجي "ليس هذا السودان الذي نطمح إليه، وهناك نوع من خيبة الأمل، ومع ذلك لا يزال لدينا أمل بالسودان لا يمكننا أن نقطعه، فإن لم يتحسن الوضع، لا نعلم كمغتربين ماذا نفعل أو إلى أين نذهب، خاصة أن لبنان ما عاد يؤمن لنا معيشة كريمة في ظل هذه الأوضاع الاقتصادية وليس أمامنا اليوم وجهة أخرى نذهب إليها، خاصة وأن نسبة كبيرة من السودانيين لاجئين في لبنان ينتظرون ملفات لجوئهم لدى منظمات الأمم المتحدة ولا يمكنهم العودة إلى السودان".  

الهواجس نفسها يعبر عنها محمد، "لاسيما وأن أغلبية الشعب السوداني عبروا عن إرادتهم بدولة مدنية آمنة، وليس دولة متناحرة، ونخشى من أن يفرز الوضع الحالي واقعاً أصعب مما كان من قبل، خاصة لناحية سيطرة نظام دكتاتوري جديد على الحكم".

ويعبر رئيس رابطة الشباب السودانيين في لبنان عن حزن كبير لدى الناس الذين حلموا قبل سنوات بدولة مدنية فيها حرية وسلام، ولأجلها خرجوا بثورة ديسمبر، وأطاحوا بالديكتاتورية، "لكن للأسف الشديد الديمقراطية لم تكتمل حتى الآن".  

الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي
الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي

في خضم الحرب الطاحنة التي يخوضها الجيش السوداني مع قوات الدعم السريع، يعتزم رئيس مجلس السيادة، الفريق عبدالفتاح البرهان، طرح وثيقة دستورية جديدة للبلاد.

وأعلن مساعد قائد الجيش السوداني، ياسر العطا، السبت، في مقابلة تلفزيونية عن رغبة البرهان في تقديم وثيقة دستورية جديدة قائلا إن العمل عليها يجري "بسرعة كبيرة جدا".

وقال العطا إنه "تم التوافق على صيغة دستورية (جديدة) لإدارة الفترة التأسيسية الانتقالية للحكم الديمقراطي"، مشيرا إلى أن الإعلان الدستوري الجديد يؤسس لـ "إعادة صياغة مجلس السيادة وتعيين رئيس وزراء مستقل وهو بدوره يعين حكومته من كفاءات مستقلة".

ويرى محللون أن هذه الخطوة تهدف "لترسيخ حكم السلطة العسكرية" في السودان من خلال صياغة وثيقة دستورية جديدة يكون الغلبة فيها لجنرالات الجيش.

ويصف الباحث البارز المتخصص بالشؤون الأفريقية، محمد تورشين، قرار صياغة وثيقة جديدة بـ "التخبط الجديد" الذي يصدر من الجيش في إبان الحرب.

وقال تورشين لموقع قناة "الحرة" إن "الغرض من هذه الوثيقة هو محاولة السيطرة فعليا على السلطة وترسيخ الحكم العسكري من خلال إلغاء الوثيقة السابقة".

وأضاف: "الوثيقة الدستورية الجديدة سيكون الغلبة فيها للجنرالات بمجلس السيادة، ما يعني أن رئيس الوزراء الجديد الذي سيتم تعيينه سيدين بالولاء لهم".

الخبير الاستراتيجي المصري، اللواء متقاعد محمد عبدالواحد، يذهب في الاتجاه ذاته قائلا إن دلالات الإعلان في هذا التوقيت تشير إلى أن الجيش "يريد إحكام السيطرة الشرعية الكاملة" على البلاد.

وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن البرهان "يريد إضفاء شرعية على نظامه وأن يذكر الدستور اختصاصاته بحيث لا يتم التعامل دوليا مع أطراف أخرى داخل السودان".

ما هي الوثيقة الأولى؟

تدور الحرب الأهلية في السودان بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي، مما أسفر عن مقتل آلاف السودانيين ونزوح نحو 8 ملايين آخرين.

في أعقاب ثورة أطاحت بحكم الرئيس الإسلامي السابق، عمر البشير، أبرم العسكريون والمدنيون السودانيون وثيقة دستورية في أغسطس 2019 كان يفترض أن تؤسس لمرحلة انتقالية مدتها 39 شهرا.

بموجب تلك الوثيقة، يتولى الجيش السلطة على المستوى السيادي بينما تقود حكومة مدنية ومجلس تشريعي الفترة الانتقالية.

وتأسس مجلس السيادة السوداني الذي يفترض أن يقود المرحلة الانتقالية برئاسة الفريق البرهان ونائبه السابق حميدتي، فيما تم تنصيب الخبير الاقتصادي، عبدالله حمدوك، رئيسا للوزراء لقيادة حكومة انتقالية البلاد.

لكن تلك المرحلة لم تستمر طويلا بعد انقلاب قاده البرهان وحميدتي في أكتوبر عام 2021 وتم من خلاله بالإطاحة بالقوى المدنية من الحكومة، ما أثار إدانة دولية واسعة النطاق.

ومنذ ذلك الوقت، تفاقمت مشاكل السودان التي شهدت احتجاجات دورية مناهضة للانقلاب، علاوة على أزمة اقتصادية مستفحلة وصدامات قبلية متزايدة بالمناطق النائية.

ولكن المشهد في السودان انفجر في منتصف أبريل 2023 بعد أن دخل حليفا الأمس، حربا دامية وضعت البلاد في مواجهة "واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في الذاكرة الحديثة"، وفقا للأمم المتحدة.

ومؤخرا، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها المتزايد إزاء تقارير عن قتال عنيف في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة فيما تسعى قوات الدعم السريع للسيطرة على الفاشر، آخر مدينة رئيسية بإقليم دارفور في غرب البلاد لا تخضع لسيطرتها.

وقال اللواء عبدالواحد إن "الظروف في السودان صعبة للغاية" وأن البلاد "ليس بحاجة للوثيقة الدستورية بعد تطورات الحرب".

وتابع: "الحالة العسكرية سيئة للغاية والحديث عن اقتراب حميدي من السيطرة على الفاشر وبالتالي ستكون دارفور سقطت بالكامل في أيدي الدعم السريع".

"تداعيات"

وشدد عبدالواحد على الأهمية الاستراتيجية لإقليم دارفور على اعتبار أنه يشكل مساحة كبيرة من السودان ويربط المناطق الشرقية للبلاد، علاوة على أنه حدودي مع ليبيا وتشاد وأفريقيا والوسطى.

ومضى قائلا: "كثير من التوقعات تشير إلى أن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر ربما يعجل بإعلان حميدتي عن دولة من دارفور ويبدأ التقسيم ... والبرهان هو الآخر حريص على تحصين نفسه في المناطق الشرقية".

والفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور تعتبر مركزا رئيسيا للمساعدات الإنسانية بالإقليم الواقع في غرب السودان والذي يعيش فيه ربع سكان البلاد البالغ عددهم 48 مليون نسمة.

وشهدت في هذا الشهر معارك عنيفة على الرغم من دعوات أممية متكررة للطرفين المتحاربين بتجنيبها القتال.

ويشير تورشين إلى أنه "ينبغي على الجيش الحديث على ضرورة التوصل لتسوية مع قوات الدعم السريع بدلا من الاستئثار بالسلطة"، معتبرا أن "ترسيخ حكم المؤسسة العسكرية أمر مرفوض تماما".

وقال إن مسألة "تهور الجيش" بطرح وثيقة دستورية جديدة في خضم الحرب التي تعيشها السودان سيكون لها تداعيات حتى على الداعمين للمؤسسة العسكرية.

وتابع: "ربما تعيد بعض المجموعات السياسية التي دعمت الجيش النظر في دعمها المطلق للجيش نتيجة هذا التهور".