تجمع الناس في المحطة للفرار من الخرطوم خلال اشتباكات بين قوات الدعم السريع والجيش في 19 أبريل 2023
تجمع الناس في المحطة للفرار من الخرطوم خلال اشتباكات بين قوات الدعم السريع والجيش في 19 أبريل 2023

تسبب الصراع بين الجيش السوداني، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو الملقب بـ"حميدتي"، في مغادرة آلاف السكان لمناطق الحرب بحثا عن ملاذ آمن، بينما يكشف أحد النازحين لموقع "الحرة" عن ملابسات تركه منزله خوفا على حياة أطفاله.

معارك مستمرة

منذ صباح الجمعة، تهز الانفجارات والاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع العاصمة الخرطوم، على الرغم من الدعوات إلى هدنة من أجل المدنيين في أول أيام عيد الفطر.

وتدور أعنف المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية في أنحاء الخرطوم، إحدى أكبر المناطق الحضرية في أفريقيا، وفي دارفور، التي عانت من صراع وحشي انتهى قبل ثلاث سنوات.

وأدت الاشتباكات التي اندلعت في منتصف أبريل في السودان إلى سقوط أكثر من 400 قتيل وأكثر من 3500 جريح، كما ذكرت منظمة الصحة العالمية، الجمعة.

وقالت المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية،مارغريت هاريس، في مؤتمر صحفي دوري في جنيف "قتل 413 شخصا وأصيب 3551 بجروح".

ويتحدث الصحفي السوداني، محمد الياس، لموقع "الحرة"، عن معارك مستمرة ومتواصلة دائرة بين الجيش السوداني والدعم السريع وسط المدن المكتظة بالسكان، ما دفع الأهالي للمغادرة بحثا عن "ملاذ آمن".

ويشير إلى "تضرر ومعاناة المواطن السوداني" بسبب غياب الخدمات الأساسية مثل "الكهرباء والمياه، ومصادر الطاقة"، نتيجة "حرب عصابات داخل المدن المكتظة بالسكان".

وهاجر الأهالي من مناطق الصراع وذهبوا إلى أهاليهم في ولايات أخرى خوفا على حياتهم وحياة ذويهم، في ظل التصعيد بين طرفي الصراع في السودان، وفقا لحديثه.

نزوح داخلي وخارجي

الخميس، فر آلاف المدنيين من العاصمة الخرطوم وسط إطلاق نار وانفجارات، ومازال كثير من السودانيين محاصرين، إلى جانب آلاف الأجانب، في مدينة تتحول سريعا إلى منطقة حرب.

وبسبب الصراع عبرت أعداد كبيرة من السودانيين الحدود إلى تشاد هربا من القتال الدائر في منطقة دارفور بغرب السودان.

وفر ما بين 10 و20 ألف شخص من المعارك في السودان بحثا عن ملاذ في تشاد المجاورة، وفقا لما أعلنته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الخميس.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يكشف الصحفي السوداني، شوقي عبدالعظيم، نزوح قرابة 40 ألف مواطن من الخرطوم إلى ولايات قريبة أو بعيدة، هربا من الرصاص الطائش والاقتتال حول المنازل والمناطق السكنية.

ويشير إلى نزوح "غير مسبوق وكبير جدا" للمواطنين داخل السودان وخارجها، ويقول "السكان نزحوا إلى مناطق طرفية بعيدة عن الحرب الدائرة في المدن الكبيرة".

ويوضح أن السكان يهربون من أجواء الحرب وغياب الخدمات وانقطاع المياه والكهرباء وندرة الوقود، وسط حالة من الفزع بين المدنيين نتيجة استمرار الصراع.

والنساء والأطفال هم المتضرر الأكبر من أصوات الطلقات والمدافع التي تسببت بحالة من الهلع والفزع، وهناك عربات خاصة بدأت في العمل تقل المواطنين إلى مناطق آمنة وأقل حدة في القتال، وتحول الأمر إلى "تجارة"، حسب حديثه.

وتسبب الصراع في مقتل تسعة أطفال على الأقل وإصابة أكثر من خمسين طفلا بجروح، وفق المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

ويشير عبدالعظيم إلى رغبة عدد كبير من أهالي الخرطوم المغادرة والنزوح لمناطق أخرى لكنهم "محاصرون" ولا يستطيعون ذلك.

وفيما يتعلق بالنزوح الخارجي، يشير إلى نزوح مكثف للمواطنين إلى دول مجاورة مثل مصر وتشاد من خلال السفر البري.

قسوة النزوح

يتحدث المواطن السوداني، محمد حمدلله، لموقع "الحرة" عن قسوة فراق الأصدقاء والأهل بعدما نزح من منزله بالعاصمة الخرطوم إلى مدينة كردفان (وسط السودان) هربا من أصوات المدافع والرصاص.

ويقول "العيد فرحة كنا نستعد لها بالأيام، قبل أن يحدث ما لم يكن يتوقعه أحد وتندلع الاشتباكات، ومن يومها أصبحت أصوات الرصاص والمدافع تحيط بنا من كل مكان".

وبصوت ممزوج بالحزن والقلق، يتحدث عن مغادرته منزله، ويقول " لم نكن نعلم معنى أن يترك الإنسان منزله، قبل أن تغادر أسرتي بالكامل الخرطوم هربا من الأجواء المرعبة".

ولم نكن نعلم "ما هي الحرب؟، وما هي المصيبة؟"، قبل أن تحدث تلك الاشتباكات العنيفة التي أثارت الرعب والهلع في نفوس أطفالي، ما دفعني مرغما لترك منزلي والهروب، وفقا لشهادته.

ويوثق خلال رحلة نزوحه مشاهد مرعبة ودامية على طريق سفره من الخرطوم لكردفان، قائلا " الجثث تملأ جنبات الطرق، وشاهدت المعارك بأم عيني والناس تهرب خوفا من الرصاص الطائش".

ويشير إلى وصوله سالما هو وأسرته إلى كردفان والتي يقول إنها "آمنة ولا توجد بها اشتباكات".

وسوف ينتظر  في كردفان إلى أن تضع الحرب أوزارها حتى يعود من جديد لمنزله في الخرطوم.

وفي كردفان أجواء العيد موجودة ولا يوجد مقارنة بالمشاهد الدامية والحزينة في الخرطوم، وفقا لحديثه.

ويشير إلى تواصله مع الأصدقاء في الخرطوم، ويؤكد أنهم يرغبون في الفرار من العاصمة لكنهم "لا يستطيعون ذلك".

ويقول "الجميع ينتظر الهدنة والتزام جميع الأطراف بها، حتى يعيشوا أجواء العيد الطبيعية، وتعود الحياة لما كانت عليه سابقا".

الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي
الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي

في خضم الحرب الطاحنة التي يخوضها الجيش السوداني مع قوات الدعم السريع، يعتزم رئيس مجلس السيادة، الفريق عبدالفتاح البرهان، طرح وثيقة دستورية جديدة للبلاد.

وأعلن مساعد قائد الجيش السوداني، ياسر العطا، السبت، في مقابلة تلفزيونية عن رغبة البرهان في تقديم وثيقة دستورية جديدة قائلا إن العمل عليها يجري "بسرعة كبيرة جدا".

وقال العطا إنه "تم التوافق على صيغة دستورية (جديدة) لإدارة الفترة التأسيسية الانتقالية للحكم الديمقراطي"، مشيرا إلى أن الإعلان الدستوري الجديد يؤسس لـ "إعادة صياغة مجلس السيادة وتعيين رئيس وزراء مستقل وهو بدوره يعين حكومته من كفاءات مستقلة".

ويرى محللون أن هذه الخطوة تهدف "لترسيخ حكم السلطة العسكرية" في السودان من خلال صياغة وثيقة دستورية جديدة يكون الغلبة فيها لجنرالات الجيش.

ويصف الباحث البارز المتخصص بالشؤون الأفريقية، محمد تورشين، قرار صياغة وثيقة جديدة بـ "التخبط الجديد" الذي يصدر من الجيش في إبان الحرب.

وقال تورشين لموقع قناة "الحرة" إن "الغرض من هذه الوثيقة هو محاولة السيطرة فعليا على السلطة وترسيخ الحكم العسكري من خلال إلغاء الوثيقة السابقة".

وأضاف: "الوثيقة الدستورية الجديدة سيكون الغلبة فيها للجنرالات بمجلس السيادة، ما يعني أن رئيس الوزراء الجديد الذي سيتم تعيينه سيدين بالولاء لهم".

الخبير الاستراتيجي المصري، اللواء متقاعد محمد عبدالواحد، يذهب في الاتجاه ذاته قائلا إن دلالات الإعلان في هذا التوقيت تشير إلى أن الجيش "يريد إحكام السيطرة الشرعية الكاملة" على البلاد.

وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن البرهان "يريد إضفاء شرعية على نظامه وأن يذكر الدستور اختصاصاته بحيث لا يتم التعامل دوليا مع أطراف أخرى داخل السودان".

ما هي الوثيقة الأولى؟

تدور الحرب الأهلية في السودان بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي، مما أسفر عن مقتل آلاف السودانيين ونزوح نحو 8 ملايين آخرين.

في أعقاب ثورة أطاحت بحكم الرئيس الإسلامي السابق، عمر البشير، أبرم العسكريون والمدنيون السودانيون وثيقة دستورية في أغسطس 2019 كان يفترض أن تؤسس لمرحلة انتقالية مدتها 39 شهرا.

بموجب تلك الوثيقة، يتولى الجيش السلطة على المستوى السيادي بينما تقود حكومة مدنية ومجلس تشريعي الفترة الانتقالية.

وتأسس مجلس السيادة السوداني الذي يفترض أن يقود المرحلة الانتقالية برئاسة الفريق البرهان ونائبه السابق حميدتي، فيما تم تنصيب الخبير الاقتصادي، عبدالله حمدوك، رئيسا للوزراء لقيادة حكومة انتقالية البلاد.

لكن تلك المرحلة لم تستمر طويلا بعد انقلاب قاده البرهان وحميدتي في أكتوبر عام 2021 وتم من خلاله بالإطاحة بالقوى المدنية من الحكومة، ما أثار إدانة دولية واسعة النطاق.

ومنذ ذلك الوقت، تفاقمت مشاكل السودان التي شهدت احتجاجات دورية مناهضة للانقلاب، علاوة على أزمة اقتصادية مستفحلة وصدامات قبلية متزايدة بالمناطق النائية.

ولكن المشهد في السودان انفجر في منتصف أبريل 2023 بعد أن دخل حليفا الأمس، حربا دامية وضعت البلاد في مواجهة "واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في الذاكرة الحديثة"، وفقا للأمم المتحدة.

ومؤخرا، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها المتزايد إزاء تقارير عن قتال عنيف في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة فيما تسعى قوات الدعم السريع للسيطرة على الفاشر، آخر مدينة رئيسية بإقليم دارفور في غرب البلاد لا تخضع لسيطرتها.

وقال اللواء عبدالواحد إن "الظروف في السودان صعبة للغاية" وأن البلاد "ليس بحاجة للوثيقة الدستورية بعد تطورات الحرب".

وتابع: "الحالة العسكرية سيئة للغاية والحديث عن اقتراب حميدي من السيطرة على الفاشر وبالتالي ستكون دارفور سقطت بالكامل في أيدي الدعم السريع".

"تداعيات"

وشدد عبدالواحد على الأهمية الاستراتيجية لإقليم دارفور على اعتبار أنه يشكل مساحة كبيرة من السودان ويربط المناطق الشرقية للبلاد، علاوة على أنه حدودي مع ليبيا وتشاد وأفريقيا والوسطى.

ومضى قائلا: "كثير من التوقعات تشير إلى أن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر ربما يعجل بإعلان حميدتي عن دولة من دارفور ويبدأ التقسيم ... والبرهان هو الآخر حريص على تحصين نفسه في المناطق الشرقية".

والفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور تعتبر مركزا رئيسيا للمساعدات الإنسانية بالإقليم الواقع في غرب السودان والذي يعيش فيه ربع سكان البلاد البالغ عددهم 48 مليون نسمة.

وشهدت في هذا الشهر معارك عنيفة على الرغم من دعوات أممية متكررة للطرفين المتحاربين بتجنيبها القتال.

ويشير تورشين إلى أنه "ينبغي على الجيش الحديث على ضرورة التوصل لتسوية مع قوات الدعم السريع بدلا من الاستئثار بالسلطة"، معتبرا أن "ترسيخ حكم المؤسسة العسكرية أمر مرفوض تماما".

وقال إن مسألة "تهور الجيش" بطرح وثيقة دستورية جديدة في خضم الحرب التي تعيشها السودان سيكون لها تداعيات حتى على الداعمين للمؤسسة العسكرية.

وتابع: "ربما تعيد بعض المجموعات السياسية التي دعمت الجيش النظر في دعمها المطلق للجيش نتيجة هذا التهور".