مبادرات سابقة فشلت في ترتيب لقاء مباشر بين البرهان وحميدتي - أرشيفية
البرهان وحميدتي صعّدا من حربهما الكلامية مما يشير إلى أنه بات من الصعب التوصل لتسوية قريبة

تبادل للاتهامات ورفض للتفاوض وحديث عن هدنة بين فترة وأخرى من دون أن تطبق على الأرض، هو أبرز ما يميز العلاقة بين قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي.

اندلع النزاع المسلح بين الرجلين، السبت، الماضي ولا يزال مستمرا، في وقت يحذر مراقبون من أن استمرار "تعنت" الحليفين السابقين ينذر بجر البلاد لحرب أهلية ويجعلها تواجه مستقبلا "ضبابيا".

في تصريحات أدلى بها الرجلان لمجلة "فايننشال تايمز"، الخميس، وصف الجنرالان المتحاربان بعضهما البعض "بالمجرمين" وحمل كل طرف الآخر المسؤولية عن مقتل مدنيين. كذلك صعّد الرجلان حربهما الكلامية مما يشير إلى أنه بات من الصعب التوصل لتسوية قريبة.

من بين الاتهامات التي ساقها حميدتي للبرهان تلك المتعلقة بانحيازه للإخوان المسلمين الساعين لاستعادة السلطة وتشكيل ديكتاتورية على غرار فترة حكم الرئيس السابق عمر البشير. 

حميدتي قال للمجلة في مقابلة إن "البرهان وعصابته من الإسلاميين وصلوا إلى السلطة وهم غير مستعدين للتخلي عنها".

وفي مقابلة منفصلة، اتهم البرهان قوات الدعم السريع بالعنف وقال إن "جزء كبير من قوات حميدتي خرج عن السيطرة"، مضيفا أنهم مسؤولون عن أعمال نهب واسعة النطاق في الخرطوم ومنطقة دارفور الغربية.

كذلك قال البرهان لشبكة الجزيرة في مداخلة هاتفية بأنه لا يمكنه أن يرى شريكا في الوقت الحالي في المفاوضات بشأن إنهاء الصراع في بلاده، مضيفا "لا يوجد خيار آخر غير الحل العسكري".

من هنا يتخوف مراقبون من أن إطالة أمد الصراع وعدم وجود إرادة حقيقية لوقفه ولو لساعات في ظل فشل كل المحاولات الرامية لفرض الهدنة، تهدد باقتراب السودان من شفا الحرب الأهلية.

تتوقع الباحثة السياسية السودانية المقيمة في واشنطن مها طمبل استمرار الاشتباكات لفترة لأسباب منها أن "الجيش سيتمسك بالقتال دفاعا عن زهوه بعقيدته العسكرية باعتبار أنه جيش نظامي درج قادته على استخدام لغة الغرور".

وتضيف طمبل لموقع "الحرة" أن من الأسباب الأخرى التي ستطيل الصراع هو أن الجيش يطمع في تحقيق موقف تفاوضي أفضل".

بالمقابل تشير طمبل إلى أن "قوات الدعم السريع ربما ستستميت في قتالها استنادا من موقف قوة يتعلق بخبرتها في حرب المدن والشوارع".

ويحذر المتحدث الرسمي لائتلاف قوى الحرية والتغيير السودانية في الخارج عمار حمودة مما وصفه بـ"أسوأ الاحتمالات" المتمثل بالوصول للحرب الأهلية.

يقول حمودة لموقع "الحرة" إن "الخلافات السياسية لا يمكن أن تحسم بقوة السلاح، وإلا سترتد مرة أخرى وتنفجر في بؤرة هنا وهناك، مما سيطيل أمد الحرب".

ويرى حمودة أن "العامل الأبرز الذي يمكن أن يوقف الحرب إدراك الطرفين المتحاربين أن محصلة بقاء العنف هو سقوط دماء سودانية، وأن المؤسسات العسكرية خلقت للدفاع عن الدولة وليس للاقتتال بين أبناء الشعب الواحد".

"السيناريو الكابوس"

الصراعات ليست وافدا جديدا على السودان الذي يعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية. لكن القتال هذه المرة يمزق عاصمة الدولة الواقعة في منطقة غير مستقرة على تخوم البحر الأحمر ومنطقتي الساحل والقرن الأفريقي.

اندلع القتال على خلفية تباين بين القائدين العسكريين على طريقة دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة، علما بأن الآلاف من عناصر "الدعم" كانوا ضمن مجموعات متهمة بارتكاب تجاوزات عُرفت باسم "الجنجويد" شكلها الرئيس السوداني السابق عمر البشير الذي أطاحه انقلاب عسكري في العام 2019 شارك فيه حميدتي والبرهان.

أراد البرهان أن تتم عملية الدمج خلال عامين، وتعتمد فيها معايير التجنيد في الجيش. من جهته، دفع حميدتي في اتجاه امتدادها لعشرة أعوام، على أن يحتفظ المقاتلون برتبهم بعد الدمج.

في أحدث تقرير لها بشأن السودان رأت مجموعة الأزمات الدولية أن "السيناريو الكابوس الذي يخشى منه الكثيرون في السودان بدأ يتكشف".

ويشير التقرير إلى أن "القتال يمكن أن يتحول بسرعة إلى حرب مستدامة قد لا تشمل السودان فقط، وإنما تخاطر بالانتقال لجيرانه".

ويحذر التقرير من أن "استمرار الصراع، يمكن أن يتحول إلى حرب أهلية مدمرة وشاملة".

وفيما يقول التقرير إنه "لا يبدو أن أيًا من الجانبين مستعد للتوقف، لكن المواجهة المستمرة لن تؤدي سوى لإضعاف الأهمية السياسية للخصمين الرئيسيين، اللذين يتعرضان بالفعل للنبذ من قبل الشارع".

ويرى التقرير أنه "يتعين على اللاعبين الإقليميين، ولا سيما البلدان المجاورة، بما في ذلك مصر وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وإريتريا، تجنب دعم أي من الأطراف المتحاربة في السودان، لإن ذلك يزيد من مخاطر وصول الصراع لهم".

وبدلا من ذلك، ينبغي على تلك الدول محاولة إقناع البرهان وحميدتي بحل خلافاتهما من خلال الحوار، وفقا للتقرير.

كذلك يشير التقرير إلى أن المملكة العربية السعودية والإمارات، وهما حليفان تربطهما علاقات طيبة مع المتحاربين، بحاجة لدعم أي مبادرة تمهد الطريق للحوار.

"مستقبل ضبابي"

وتشدد طمبل أنه "في حال كانت هناك فرصة للجلوس للحوار فاعتقد أن الإمارات ربما تلعب فيها دورا بحكم تداخلات علاقاتها الاقتصادية مع الطرفين".

كذلك "ربما تلعب مصر أيضا دور في إقناع الجيش بالجلوس للحوار"، وفقا لطمبل.

وتشير الباحثة السودانية إلى أن "الضمان الوحيد لمنع مثل هذه الحرب من الاندلاع مرة أخرى، يتمثل بحل مليشيا الجنجويد وابتعاد الجيش من العملية السياسية".

طمبل قالت أيضا إن "السودان يواجه مستقبلا ضبابيا السودان، على اعتبار أن الشعب قال كلمته منذ 2018 عندما طالب بحكم مدني، إلا أن معطيات الواقع السياسي للأسف غير داعمة لذلك".

وتضيف أن "الجيش ستظل لديه أطماع في العملية السياسية، كما أن الحركة الإسلامية ستظل تتمترس خلف التنظيمات المسلحة بما ينذر بتحول السودان لدولة راعية للإرهاب".

وترى أن بلادها "دولة مترهلة أصلا بالمليشيات في ظل استمرار حالة التعبئة الأمنية واحتمالات بقائها لفترة طويلة، مما سيلقي بظلاله على مستقبل السودان وعلى الأمن والسلم في شرق إفريقيا ومنطقة القرن الإفريقي".

بالمقابل يشدد عمار حمودة أن "مستقبل السودان يعتمد على رد فعل الشعب، وفيما إذا كان سيرفض القبول بعسكرة الحياة السياسية، ومحافظته على شعارات ثورة ديسمبر بالوصول إلى مدنية الدولة وأن يكون الجيش موحدا ومهنيا".

ويتابع أن "المحافظة على الحريات العامة وحرية العمل السياسي والتعبير والمكاسب التي حصلت بعد إزالة نظام البشير، تعتبر من أهم النقاط التي ستمنع عودة البلاد لحكم نظام ديكتاتوري مرة أخرى".
 

السودان يستحوذ على حوالى 70 في المئة من تجار الصمغ العالمية
السودان يستحوذ على حوالى 70 في المئة من تجار الصمغ العالمية

قال تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" إن الأطراف المتحاربة في السودان تستغل التجارة في الصمغ العربي، الذي يدخل في صناعة الشوكولاتة والصودا والعلكة والحلويات وسلع استهلاكية أخرى، لتمويل آلة الحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من عام.

واندلعت المعارك في السودان في أبريل من العام الماضي بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو وخلفت الآف القتلى، وفق تقديرات خبراء من الأمم المتحدة. 

والسودان في صدارة البلدان المنتجة للصمغ، ويستحوذ على حوالى 70 في المئة من تجارته العالمية، بحسب الوكالة الفرنسية للتنمية.

تنقل الصحيفة عن تاجر الصمغ في مدينة الأبيض محمد جابر القول إنه في إحدى المرات دفع  حوالي 330 دولارا لمقاتلي قوات الدعم السريع من أجل السماح له بالمرور، مضيفا "على الجميع أن يدفعوا."

وتفرض قوات الدعم السريع حصارا على مدينة الأبيض منذ يونيو الماضي وتسيطر على ثلاثة من أصل أربعة طرق رئيسية تؤدي إلى المدينة، التي تعد واحدة من المراكز الزراعية الرئيسية في السودان ويسيطر عليها الجيش السوداني.

وبالإضافة إلى المدفوعات عند نقاط التفتيش الرئيسية لقوات الدعم السريع، يقول جابر إن تجار الصمغ العربي يدفعون أيضا ما بين 60 إلى 100 دولار لمقاتلي قوات الدعم السريع الذين يرافقون قوافل التجار في شاحنات صغيرة. 

ويشير إلى أن التجار الذين يرفضون الدفع يخاطرون بخسارة بضائعهم ومركباتهم لصالح الميليشيات.

ويُستخلص الصمغ من عصارة صلبة مأخوذة من شجرة الأكاسيا، وهو مستحلب ذو أهمية كبيرة يُستخدم في صناعات شتى، من المشروبات الغازية إلى العلكة مرورا بالمستحضرات الصيدلانية.

ويمتد حزام الصمغ العربي في السودان على مساحة تبلغ حوالى 500 ألف كيلومتر مربع من إقليم دارفور في غرب البلاد على الحدود مع تشاد، إلى ولاية القضارف في شرقها قرب الحدود مع إثيوبيا.

مكون رئيسي لصناعة الكوكاكولا.. صراع السودان يهدد توافر منتج استراتيجي
دفع الصراع في السودان الشركات الدولية المصنعة للسلع الاستهلاكية إلى الدخول في سباق لتعزيز إمدادات الصمغ العربي، أحد أكثر المنتجات المرغوبة في البلاد ويعد مكونا رئيسيا لكل شيء بدءا من المشروبات الغازية إلى الحلوى ومستحضرات التجميل.

ويؤكد تجار سودانيون أن الصمغ أصبح مصدرا رئيسيا لتمويل طرفي الحرب في البلاد.

فبالإضافة لقيام قوات الدعم السريع بجمع الأموال من خلال سيطرتها على معظم الطرق الزراعية الرئيسية، يفرض الجيش السوداني الضرائب والرسوم الجمركية الأخرى على تجارة الصمغ العربي.

يقول الأكاديمي السوداني الذي أجرى أبحاثا في صناعة الصمغ العربي ربيع عبد العاطي إن "عائدات صادرات الصمغ العربي تمول النزاع بشكل مباشر".

وعلى الرغم من هذه المخاوف، لم يتخذ سوى عدد قليل من الشركات العالمية خطوات للتأكد من تجنب استيراد الصمغ العربي السوداني، استنادا إلى مقابلات أجرتها الصحيفة مع مصنعين وموردين ومستخدمين نهائيين.

يقول أسامة إدريس، المدير العام لشركة "مروج"، وهي شركة مستوردة ومصنعة للعلكة الخام ومقرها المملكة المتحدة إن شركته لا تريد أن ترى العلكة تشح في الأسواق.

ويضيف إدريس إن أيا من عملائه، بما في ذلك شركات الحلويات والمشروبات والنكهات، لم يعرب عن مخاوفه بشأن الحصول على الصمغ العربي من السودان.

بدورها قالت شركة "نستله"، التي تضيف الصمغ العربي إلى الشوكولاتة والحلوى الصمغية، إنه وفقا لمورديها، فإن الكميات الصغيرة التي تستخدمها تأتي في المقام الأول من تشاد والنيجر ومالي.

وذكر متحدث باسم شركة "هيرشي" لصناعة الشوكلاتة إن الشركة تتوقع من جميع مورديها الالتزام بجميع القوانين في البلدان التي يعملون فيها. 

وقالت متحدثة باسم شركة "فيريرو" إن شركة صناعة الشوكولاتة لديها إجراءات صارمة للتدقيق يجب على جميع مورديها الالتزام بها، بما في ذلك التقييمات وعمليات التحقق الميدانية.

وقالت بعض الشركات إن وقف شراء الصمغ العربي السوداني سيضر بمئات الآلاف من السودانيين الذين يعتمدون على هذه الزراعة في معيشتهم، في وقت تحذر فيه وكالات الأمم المتحدة من مجاعة وشيكة. 

ومن بين هذه الشركات "نيكسيرا" الفرنسية، التي تقول إنها تمتلك حصة 40 في المئة من سوق الصمغ العربي العالمي، حيث أوقفت عملياتها في السودان لمدة ثلاثة أشهر العام الماضي، لكنها استأنفت عملياتها بعد ذلك.

وقالت متحدثة باسم الشركة إنه "على الرغم من عدم اليقين بشأن عمليات النقل والحوادث المحتملة التي تؤثر على الناتج، فقد قررنا مواصلة الشراء.. هذا جزء من التزامنا تجاه المجتمعات المحلية التي عملنا معها لعدة عقود".

وأضافت أن "بعض جهات الاتصال أبلغتنا مؤخرا عن حصول ابتزاز محتمل على الطرق في السودان"، مشيرة إلى أنها طلبت من شركائها في البلاد تجنب الطرق التي لا يمكن ضمان حرية الحركة فيها.