الأوضاع وصفت بـ"الكارثية" في مستشفيات بالسودان انقطعت عنها الكهرباء والمياه والأدوية
الأوضاع وصفت بـ"الكارثية" في مستشفيات بالسودان انقطعت عنها الكهرباء والمياه والأدوية

فاقمت الاشتباكات في السودان، التي اندلعت في 15 أبريل، الأوضاع الصحية في البلاد. فتوقفت الإمدادات إلى المستشفيات التي لم يوفرها القصف وإطلاق النار وأنهك طاقمها الطبي العالق فيها منذ أيام.

ويمكن التماس الوضع المأساوي من وروايات حصل عليها موقع "الحرة" عن حالات وفاة جراء تعذر وصول سيارة إسعاف لفترة طويلة، ودفن جثث في مكانها بسبب تحللها وعدم قدرة نقلها بسبب القصف وإطلاق النار.

هذا فضلا عن أوضاع وصفت بـ"الكارثية" في مستشفيات بالسودان انقطعت عنها الكهرباء والمياه والأدوية، وانقطعت الدورة العلاجية لمرضاها، وتعذر على الأطباء فيها من الوصول إليها.

الحركة مشلولة

أوضح عضو لجنة الاستشاريين والاختصاصيين وعضو لجنة الأطباء السودانيين، الدكتور علاء الدين نقد، في حديث لموقع "الحرة" أن "الحرب شلت الحركة على الطرقات وانقطع الوصول إلى المستشفيات، فلا الأطباء داخل المراكز الصحية يمكنهم الخروج ولا الذين في منازلهم باستطاعتهم ملاقاة مرضاهم والجرحى في المستشفيات".

نحو 413 شخصا قتلوا في السودان منذ اندلاع المواجهات المسلحة بحسب منظمة الصحة العالمية
وزير الصحة السوداني يكشف للحرة تأثير المعارك على القطاع الطبي
قال وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم إن حصيلة ضحايا الاشتباكات بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع بلغت قرابة 60 قتيلا، الجمعة، في وقت تضاربت فيه الانباء بشأن العدد الإجمالي للضحايا منذ اندلاع الصراع الأسبوع الماضي.

وروى أن ما يزيد المعاناة هو أن الإمدادات الطبية، من معدات وأدوية ولوازم، انقطع وصولها إلى المستشفيات، والأمر عينه بالنسبة للوقود اللازم للتشغيل، وبعض المستشفيات انقطع إمدادها بالكهرباء والماء.

وتابع نقد حديثه قائلا: وكأن كل ذلك لا يكفي حتى طال قصف الطيران بعض المستشفيات عن طريق الخطأ كونها بالقرب من بعض الأهداف العسكرية، لذلك أخليت من المرضى والطاقم الطبي. وبعض المستشفيات بعد الإخلاء قصفت من جديد.

وشرح أن القصف وصل للعنابر وخزانات مياه وأكسجين، وقال: "المستشفى التي أعمل فيها قصف مكان سكن الممرضات بها واحترق بالكامل".

وقال إنه أمام هذا الواقع لجأ المرضى الهاربين إلى مستشفيات أخرى ومنهم ذهب إلى منزله، ويمكن القول إن هؤلاء كلهم انقطعت دورتهم العلاجية كون أمنهم أهم من حالتهم الصحية.

كارثة كبيرة جدا

وشدد نقد على أن المستشفيات في السودان لا تستوعب هذه الأعداد من المصابين والقتلى، لأن القصف متواصل وإطلاق النار دائر بين الشوارع، هذا فضلا عن أن أعداد المرضى كبيرة جدا.

وأوضح أن في الوقت عينه القتلى والأشلاء منتشرة على الطرقات ولا يتمكن الأهالي ولا الجمعيات من الوصول إليها، وبعض الأهالي لا يمكنهم دفن القتلى.

وقال إن بعد مرور أيام من اندلاع الاشتباكات بدأت الجثث تتحلل في الشوارع، لذلك فإن البلاد أمام كارثة صحية كبيرة جدا في حال لم يتم تدارك التداعيات.

وروى أن الحالات الإنسانية التي نشهدها في السودان قاسية جدا، ومن الأمثلة الصعبة التي علمت بها أن مجموعة من الطلبة في كلية الهندسة بجامعة الخرطوم عالقين بسبب الاشتباكات، كون العنف اندلع في 15 أبريل صباحا وكان يوم عمل طبيعي في البلاد، فأصيب أحدهم (خ.ا) وتوفي جراء تعذر وصول سيارة إسعاف له، ولم يتمكن زملاؤه من الخروج وإيصاله للمستشفى.

وتابع نقد أنه بعد وفاته اتصلوا بأهله لأخذ الإذن بدفنه في فناء الجامعة لأن جثته أخذت تتحلل، ودفنوه في الميدان الغربي بجامعة الخرطوم، وهو ملعب كرة قدم، وهذه عينة من المأساة، فـ"حتى لم يتمكنوا من الوصول إلى المقابر لدفنه!".

"انهيار النظام الصحي في السودان"

أما بالنسبة إلى الحالات الصحية في المستشفيات التي تحتاج إلى إمدادات خارجية أو السفر للخارج للعلاج، فأشار نقد إلى أن الإمدادات توقفت ولا يوجد أي طريقة الآن لمواصلتها، هذا فضلا عن قصف المطار ومستودعات الوقود فيه الأمر الذي حبس المرضى في البلاد.

"وفي الأصل لا إمكانية لتأمين سيارة إسعاف للجرحى، فكيف الأمر بالنسبة لتأمين السفر للمرضى"، أضاف نقد.

وحسب قوله فإن الإمدادات الطبية توقف وصولها من الشركات إلى المستشفيات، "وناشدنا المنظمات الدولية وأطباء بلا حدود ومنظمة الصحة العالمية وغيرها بتزويدنا بما يتوفر في مخازنهم، لكن خروجهم والوصول إلينا صعب جدا جراء القصف وإطلاق النار والرصاص".

وروى أنه طبيب جراح ولا يمكنه الوصول إلى المستشفى منذ اليوم لأول لاندلاع الاشتباكات رغم محاولاته المتكررة، قائلا "أعلم أن مرضى كثر بحاجة لي".

وأوضح أن الأزمة الصحية تدار بشكل مستقل عن وزارة الصحة الرسمية، ونحن نختلف معها لجهة أعداد القتلى. ونؤكد، خلافا لما قالته، أن النظام الصحي انهار في السودان، والمستشفيات ليست قادرة على الاستجابة.

وسبق أن قالت منظمة أطباء بلا حدود في 18 أبريل أنه منذ يوم السبت 15 أبريل، تدور معارك عنيفة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في الخرطوم ومناطق أخرى من السودان، ويقع الكثير من الناس حاليا تحت الحصار، بمن فيهم العاملون في الرعاية الصحية. وتعد الأوضاع صعبة في الأماكن التي يمكننا فيها تقديم الرعاية الصحية، فخلال الساعات الثمانية والأربعين الماضية، استقبلت أطباء بلا حدود ما مجموعه 136 جريحا في المستشفى الذي تدعمه في الفاشر بشمال دارفور، وقد توفي 11 شخصا متأثرين بجراحهم، (حينها).

وفي هذا الصدد، قال منسق مشاريع أطباء بلا حدود في الفاشر، سايرس باي، وقتها إن "أغلبية الجرحى هم من المدنيين الذين كانوا في مرمى النيران، ومن بينهم أطفال كثر، أصيبوا بجروح بالغة الخطورة ولم تكن هناك قدرة على إجراء العمليات الجراحية في هذا المستشفى حتى بعد ظهر يوم السبت.

واضطُرت جميع المستشفيات الأخرى في شمال دارفور إلى إغلاق أبوابها، إما بسبب قربها من المعارك أو لعدم قدرة الطواقم على الوصول إلى المرافق بسبب العنف الدائر، أي أننا لم نجد مكانًا نحيل إليه المرضى لتلقي العلاج."
 

"مبادرات المجتمع السوداني قوية"

وشرح نقد أن الجمعيات الطبية والمنظمات الإنسانية والنقابات الطبية تساهم في تدارك الأزمة.

وقال: اتخذنا مجموعة من الخطوات مثل:

  • دمج الأطباء في مجموعة على وسائل التواصل.
  • تنظيم 3 غرف طوارئ في أم درمان والخرطوم وبحري.
  • مد الحاجات عن طريق بعض الأزقة للمستشفيات.
  • إطلاق نداء للأطباء للوصول إلى المستشفيات التي بحاجة، ورغم ذلك يتعذر عليهم في كثير من الأحيان الوصول لاستلام مكان الفرق الأخرى.

وأوضح أن "الكوادر الطبية الموجودة حاليا في السودان هي 115، وأنهكت بسبب طول الوقت".

ولفت إلى أن "هناك بعض المبادرات من أطباء قدموا بياناتهم كي يتمكن المرضى الذين لديهم أمراض مزمنة من التواصل معهم لنيل الاستشارات، وشكلت لجان من قبيل جمعيات الجهاز الهضمي وجمعيات الأطفال والنساء والتوليد والأورام، وشكلت أيضل مجموعات الصيادلة".

وختم حديثه أن "من المعروف أن المجتمع السوداني أقوى من الدولة".

دعوة للهدنة

يذكر أن الأمم المتحدة دعت، الخميس، إلى هدنة في السودان "لمدة 3 أيام على الأقل" بمناسبة عيد الفطر لإتاحة متنفس للسودانيين الرازحين تحت وطأة معارك محتدمة بين الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو.

ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في أعقاب اجتماع افتراضي مع مسؤولين من الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمات إقليمية أخرى، طرفي القتال في السودان إلى التزام هدنة "لمدة 3 أيام على الأقل" لمناسبة عيد الفطر الذي يحتفل به السودانيون الجمعة.

ومساء الخميس أعلن مجمع الفقه السوداني أن "يوم الجمعة هو أول أيام عيد الفطر".

وأعلنت منظمة الصحة العالمية أن نحو 413 شخصا قتلوا في السودان وأصيب 3551 آخرون منذ اندلاع المواجهات المسلحة.

وفي الخرطوم البالغ عدد سكانها أكثر من خمسة ملايين نسمة، تسرع العائلات بالخروج إلى الطرق والفرار هربا من الغارات الجوية والرشقات النارية والمعارك في الشوارع.

وقال أحد النازحين الذين فروا من العاصمة بحثا عن مكان أكثر أمانا لفرانس برس "رائحة الموت والجثث تخيم على بعض أحياء وسط العاصمة".

على بعد عشرات الكيلومترات من العاصمة، تستمر الحياة بشكل طبيعي وتفتح المنازل لاستقبال النازحين الذين يصلون في حالة صدمة، بسياراتهم أو مشيا لساعات على الأقدام مع ارتفاع سعر البنزين إلى عشرة دولارات لليتر الواحد في أحد أفقر بلدان العالم، حسب فرانس برس.

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.