أعمدة الدخان تتصاعد من سماء الخرطوم في اليوم الثامن من القتال
أعمدة الدخان تتصاعد من سماء الخرطوم في اليوم الثامن من القتال

تصاعدت وتيرة المعارك، السبت، في ثاني أيام عيد الفطر بالسودان، بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع.

وتصاعد الدخان من مناطق متفرقة في الخرطوم مع سماع دوي انفجارات وسط اشتباكات مسلحة بين طرفي النزاع رغم هدنة وقف إطلاق النار.

ودخل القتال المسلح أسبوعه الثاني في السودان، وعادت أصوات إطلاق النار والانفجارات تسمع، السبت، بالعاصمة الخرطوم، بعد تراجع في حدة القتال ليلا إثر الإعلان عن هدنة مؤقتة.

وتسببت المعارك خلال الأسبوع الفائت بسقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى.

وتوقفت الانفجارات العنيفة التي هزت المدينة في الأيام الأخيرة، ليل الجمعة السبت، بعد قبول الطرفين بهدنة مدتها 3 أيام بمناسبة مناسبة عيد الفطر. لكن صباح السبت استؤنف إطلاق النار. 

واندلع العنف في 15 أبريل بين القوات المسلحة للجيش بقيادة، عبدالفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه، محمد حمدان دقلو، المعروف بـ "حميدتي" والذي تحوّل إلى عدوه اللدود.

وكان الحليفان السابقان استوليا على السلطة كاملة في انقلاب عام 2021 أطاحا خلاله بالمدنيين الذين كانوا يتقاسمون السلطة مع العسكر، من الحكم. لكن الخلافات والصراع على السلطة ما لبثت أن بدأت بينهما وإن بقيت كامنة في فترة أولى.

وأعلن الجيش، الجمعة، أنه "وافق على وقف لإطلاق النار لمدة ثلاثة أيام" بمناسبة عيد الفطر، كان دعا إليه قبل يوم واحد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ووزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن.

وقال دقلو في بيان إنه "ناقش الأزمة الحالية" مع غوتيريش و"ركز على الهدنة الإنسانية والممرات الآمنة وحماية العاملين في المجال الإنساني". 

ويصعب كثيرا معرفة تفاصيل التطورات الميدانية في ظل خطر التنقّل، ويؤكد كل من الطرفين تفوقه على الأرض، الأمر الذي لا يمكن التحقّق منه. كما لا يمكن معرفة من يسيطر على ماذا في العاصمة التي هجر شوارعها المدنيون.

"رائحة دماء" 

في الخرطوم، المدينة التي يبلغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، قلب الصراع حياة المدنيين الذين احتموا يتملكهم الرعب داخل منازلهم من دون كهرباء في أجواء حرّ شديد.

ويغامر عدد منهم بالخروج للحصول على مواد غذائية عاجلة أو للفرار من المدينة. 

وقال أحد السكان، سامي النور، لوكالة فرانس برس إن العيد يجب أن يكون "مع الحلويات والمعجنات مع أطفال سعداء والناس يحيون الأقارب"، لكن بدلا من ذلك  هناك "إطلاق نار ورائحة دماء حولنا". 

وشهدت الخرطوم معارك عنيفة جدا خلال الأيام الماضية، إذ شنّت طائرات مقاتلة ضربات جوية على مواقع عدة، بينما تجوب دبابات الشوارع ويطلق الرصاص والمدفعية في مناطق مكتظة بالسكان. لكن العنف انفجر في جميع أنحاء البلاد أيضا، بحسب فرانس برس.

واتهم الجيش في وقت متأخر، الجمعة، قوات الدعم السريع بشن هجمات في المدينة التوأم للعاصمة أم درمان، حيث أخرجوا "عددا كبيرا من نزلاء" أحد السجون. لكن قوة الدعم السريع نفت ذلك.

واندلعت معارك في إقليم دارفور غرب السودان، حيث قالت منظمة أطباء بلا حدود بمدينة الفاشر إن الوضع "كارثي"، و"لا يتوفر عدد كافٍ من الأسرّة لاستيعاب عدد الجرحى الهائل"، وبينهم عدد كبير من الأطفال.

إجلاء الرعايا

وتقوم جهات عدة بإعداد خطط لإجلاء الرعايا الأجانب، بينما نشرت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان قوات في الدول المجاورة، ويدرس الاتحاد الأوروبي خطوة مماثلة. 

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة، إن الوضع ما زال خطيرا لإجلاء موظفي السفارة. 

وفي وقت لاحق، قالت قوات الدعم السريع إنها مستعدة لفتح "كل مطارات" السودان "جزئيا" من أجل إجلاء الأجانب مع أنه من غير الممكن معرفة ما هي المطارات التي تسيطر عليها هذه القوات. 

والسبت، أعلن الجيش السوداني عن بدء عمليات إجلاء دبلوماسيين ومواطنين لدول عدة منها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا والصين والسعودية التي أعلنت بدورها، عن إخراج رعاياها وعدد

وقالت منظمة الصحة العالمية إن 413 شخصا قتلوا وأصيب 3551 بجروح في القتال في جميع أنحاء السودان، لكن يُعتقد أن العدد الفعلي للقتلى أكبر من ذلك، إذ لم يتمكن عدد من الجرحى من الوصول إلى المستشفيات. 

وقالت نقابة الأطباء إن أكثر من ثلثي المستشفيات في الخرطوم والولايات المجاورة "توقفت عن العمل" الآن. وتعرضت أخرى للنهب وقُصفت أربع مستشفيات على الأقل بولاية شمال كردفان. 

وقال برنامج الغذاء العالمي إن العنف قد يدفع ملايين آخرين إلى الجوع في بلد يحتاج فيه 15 مليون شخص - ثلث السكان - إلى المساعدة. 

ويخشى محللون أن تنجر دول المنطقة إلى النزاع. فقد شددت مجموعة الأزمات الدولية على ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لوقف الانزلاق إلى "حرب أهلية شاملة".

ويتركّز الخلاف بين البرهان ودقلو على خطة دمج قوات الدعم السريع في الجيش، وهو شرط أساسي لاتفاق يهدف إلى استئناف الانتقال الديمقراطي في السودان. 

وأطاح الجيش بالرئيس، عمر البشير، في أبريل 2019 بعد تظاهرات شعبية حاشدة ضده، وبعد أن حكم السودان بقبضة من حديد لثلاثة عقود. 

وتحالف البرهان ودقلو في أكتوبر 2021 للإطاحة بحكومة مدنية شكّلت بعد سقوط البشير ما أدى إلى عرقلة عملية الانتقال إلى الديمقراطية المدعومة دوليا. 

وقال دقلو في وقت لاحق إن الانقلاب كان "خطأ" ولم يؤد إلى إحداث تغيير، بينما أكد البرهان أنه كان "ضروريا" لإشراك المزيد من الأطراف في السياسة.

السودان يستحوذ على حوالى 70 في المئة من تجار الصمغ العالمية
السودان يستحوذ على حوالى 70 في المئة من تجار الصمغ العالمية

قال تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" إن الأطراف المتحاربة في السودان تستغل التجارة في الصمغ العربي، الذي يدخل في صناعة الشوكولاتة والصودا والعلكة والحلويات وسلع استهلاكية أخرى، لتمويل آلة الحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من عام.

واندلعت المعارك في السودان في أبريل من العام الماضي بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو وخلفت الآف القتلى، وفق تقديرات خبراء من الأمم المتحدة. 

والسودان في صدارة البلدان المنتجة للصمغ، ويستحوذ على حوالى 70 في المئة من تجارته العالمية، بحسب الوكالة الفرنسية للتنمية.

تنقل الصحيفة عن تاجر الصمغ في مدينة الأبيض محمد جابر القول إنه في إحدى المرات دفع  حوالي 330 دولارا لمقاتلي قوات الدعم السريع من أجل السماح له بالمرور، مضيفا "على الجميع أن يدفعوا."

وتفرض قوات الدعم السريع حصارا على مدينة الأبيض منذ يونيو الماضي وتسيطر على ثلاثة من أصل أربعة طرق رئيسية تؤدي إلى المدينة، التي تعد واحدة من المراكز الزراعية الرئيسية في السودان ويسيطر عليها الجيش السوداني.

وبالإضافة إلى المدفوعات عند نقاط التفتيش الرئيسية لقوات الدعم السريع، يقول جابر إن تجار الصمغ العربي يدفعون أيضا ما بين 60 إلى 100 دولار لمقاتلي قوات الدعم السريع الذين يرافقون قوافل التجار في شاحنات صغيرة. 

ويشير إلى أن التجار الذين يرفضون الدفع يخاطرون بخسارة بضائعهم ومركباتهم لصالح الميليشيات.

ويُستخلص الصمغ من عصارة صلبة مأخوذة من شجرة الأكاسيا، وهو مستحلب ذو أهمية كبيرة يُستخدم في صناعات شتى، من المشروبات الغازية إلى العلكة مرورا بالمستحضرات الصيدلانية.

ويمتد حزام الصمغ العربي في السودان على مساحة تبلغ حوالى 500 ألف كيلومتر مربع من إقليم دارفور في غرب البلاد على الحدود مع تشاد، إلى ولاية القضارف في شرقها قرب الحدود مع إثيوبيا.

الصمغ العربي يأتي من أشجار الأكاسيا "أرشيف"
مكون رئيسي لصناعة الكوكاكولا.. صراع السودان يهدد توافر منتج استراتيجي
دفع الصراع في السودان الشركات الدولية المصنعة للسلع الاستهلاكية إلى الدخول في سباق لتعزيز إمدادات الصمغ العربي، أحد أكثر المنتجات المرغوبة في البلاد ويعد مكونا رئيسيا لكل شيء بدءا من المشروبات الغازية إلى الحلوى ومستحضرات التجميل.

ويؤكد تجار سودانيون أن الصمغ أصبح مصدرا رئيسيا لتمويل طرفي الحرب في البلاد.

فبالإضافة لقيام قوات الدعم السريع بجمع الأموال من خلال سيطرتها على معظم الطرق الزراعية الرئيسية، يفرض الجيش السوداني الضرائب والرسوم الجمركية الأخرى على تجارة الصمغ العربي.

يقول الأكاديمي السوداني الذي أجرى أبحاثا في صناعة الصمغ العربي ربيع عبد العاطي إن "عائدات صادرات الصمغ العربي تمول النزاع بشكل مباشر".

وعلى الرغم من هذه المخاوف، لم يتخذ سوى عدد قليل من الشركات العالمية خطوات للتأكد من تجنب استيراد الصمغ العربي السوداني، استنادا إلى مقابلات أجرتها الصحيفة مع مصنعين وموردين ومستخدمين نهائيين.

يقول أسامة إدريس، المدير العام لشركة "مروج"، وهي شركة مستوردة ومصنعة للعلكة الخام ومقرها المملكة المتحدة إن شركته لا تريد أن ترى العلكة تشح في الأسواق.

ويضيف إدريس إن أيا من عملائه، بما في ذلك شركات الحلويات والمشروبات والنكهات، لم يعرب عن مخاوفه بشأن الحصول على الصمغ العربي من السودان.

بدورها قالت شركة "نستله"، التي تضيف الصمغ العربي إلى الشوكولاتة والحلوى الصمغية، إنه وفقا لمورديها، فإن الكميات الصغيرة التي تستخدمها تأتي في المقام الأول من تشاد والنيجر ومالي.

وذكر متحدث باسم شركة "هيرشي" لصناعة الشوكلاتة إن الشركة تتوقع من جميع مورديها الالتزام بجميع القوانين في البلدان التي يعملون فيها. 

وقالت متحدثة باسم شركة "فيريرو" إن شركة صناعة الشوكولاتة لديها إجراءات صارمة للتدقيق يجب على جميع مورديها الالتزام بها، بما في ذلك التقييمات وعمليات التحقق الميدانية.

وقالت بعض الشركات إن وقف شراء الصمغ العربي السوداني سيضر بمئات الآلاف من السودانيين الذين يعتمدون على هذه الزراعة في معيشتهم، في وقت تحذر فيه وكالات الأمم المتحدة من مجاعة وشيكة. 

ومن بين هذه الشركات "نيكسيرا" الفرنسية، التي تقول إنها تمتلك حصة 40 في المئة من سوق الصمغ العربي العالمي، حيث أوقفت عملياتها في السودان لمدة ثلاثة أشهر العام الماضي، لكنها استأنفت عملياتها بعد ذلك.

وقالت متحدثة باسم الشركة إنه "على الرغم من عدم اليقين بشأن عمليات النقل والحوادث المحتملة التي تؤثر على الناتج، فقد قررنا مواصلة الشراء.. هذا جزء من التزامنا تجاه المجتمعات المحلية التي عملنا معها لعدة عقود".

وأضافت أن "بعض جهات الاتصال أبلغتنا مؤخرا عن حصول ابتزاز محتمل على الطرق في السودان"، مشيرة إلى أنها طلبت من شركائها في البلاد تجنب الطرق التي لا يمكن ضمان حرية الحركة فيها.