الاشتباكات العنيفة التي اندلعت نهاية الأسبوع الماضي بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع، وضعت موسكو ومرتزقتها أمام معضلة حقيقية
الاشتباكات العنيفة التي اندلعت نهاية الأسبوع الماضي بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع، وضعت موسكو ومرتزقتها أمام معضلة حقيقية

أظهرت وثيقة استخبارية أميركية مسربة حصلت عليها صحيفة "واشنطن بوست" أن مجموعة "فاغنر" الروسية قدمت معدات وتدريب لقوات الأمن السودانية، بالإضافة لتقديمها المشورة لقادة الحكومة وإجرائها عمليات معلوماتية، وتُعرف كذلك بعمليات التأثير، وهي عمليات تتضمن جمع معلومات تكتيكية عن الخصم.

ومع ذلك قالت الصحيفة إن اندلاع الاشتباكات العنيفة نهاية الأسبوع الماضي بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع، وضعت موسكو ومرتزقتها أمام معضلة حقيقية.

وأشارت إلى أن روسيا ومجموعة فاغنر باتت تواجه خطر خسارة الكثير في حال دعمت الجانب الخطأ خلال القتال الجاري حاليا.

وبينت أنه حتى في حال وقفت موسكو على الحياد، فإن انهيار السودان قد يمثل نكسة كبيرة للروس.

قد يؤدي ذلك، وفقا للصحيفة، لوضع تحالف موثوق بين دولتين على خلاف مع الغرب، على المحك.

وقالت الصحيفة إن هذا التحالف، لم يسفر عن صفقات لتجارة الذهب والأسلحة فحسب، بل كان يقترب من احتمال إنشاء قاعدة بحرية روسية استراتيجية على البحر الأحمر في بورتسودان. 

وخلال زيارة إلى الخرطوم في فبراير الماضي، ناقش وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مسألة إنشاء القاعدة مع قادة السودان واستكمالها بحلول نهاية عام 2023، وفقا للوثيقة الاستخباراتية.

حتى الآن، لا توجد تقارير مؤكدة تفيد بأن عناصر "فاغنر" متورطون بشكل مباشر في القتال، وفقا للصحيفة، التي أشارت في الوقت ذاته إلى أن عدة مصادر تقول إن ميليشيا ليبية تربطها علاقات وثيقة بفاغنر أرسلت إمدادات إلى قوات الدعم السريع.

ونفت قوات الدعم السريع في تغريدة السبت وجود أي علاقات لها مع فاغنر.

وبينت الصحيفة أنه قوات الدعم السريع تلقت في الأيام الأخيرة ما لا يقل عن 30 ناقلة وقود وشحنة واحدة على الأقل من الإمدادات العسكرية من أحد أبناء اللواء المتقاعد الليبي خليفة حفتر، وفقا لمسؤولين ليبيين ودبلوماسيين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم لمناقشة معلومات حساسة. 

ونفت قوات حفتر قيامها بهذه الشحنات.

وقال مدير "معهد صادق"، أنس القماطي، وهو أول معهد فكري للسياسة العامة في طرابلس إن عناصر فاغنر كانوا ليعلمون بوصول الإمدادات العسكرية لقوات الدعم السريع، لأن حفتر يعتمد عليهم للمساعدة في السيطرة على معداته وذخائره وتجنب سرقتها.

وأضاف القماطي أن لكل من قوات الدعم السريع السودانية وفاغنر تاريخ طويل من العلاقات مع قوات حفتر. 

أرسل قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي في السابق قواته إلى ليبيا للقتال إلى جانب حفتر ومرتزقة فاغنر. 

وأشار القماطي إلى أنه في عامي 2021 و 2022، أجرى أفراد فاغنر المتمركزون في الأراضي الليبية التي يسيطر عليها حفتر تدريبات بالذخيرة الحية مع قوات الدعم السريع، حسب تقارير وشهود عيان في المنطقة. 

ومع هذا، ترى الصحيفة أن روسيا وحفتر قد يدفعان الثمن غاليا لدعمها لقوات الدعم السريع.

وذكرت أن هناك قلق متزايد داخل قيادة الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، من أن مثل هذا الدعم قد يضر بعلاقاتهم مع مصر، المعروفة بدعمها لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.

وقال مسؤول ليبي مطلع على الأحداث إن حفتر تحدث هاتفيا يوم الخميس مع جنرال من المخابرات العسكرية المصرية وتعهد بوقف الدعم لقوات الدعم السريع على الفور.

كما أن لدى روسيا الكثير لتخسره إذا سلحت الجانب الخطأ، وفقا لدبلوماسي غربي يتابع الموضوع عن كثب. 

وقال الدبلوماسي إن قوات الدعم السريع في الوقت الحالي تبدو أضعف من الجيش الذي يتمتع بقوة جوية تفتقر إليها قوات حميدتي.

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.