يترقب السودانيون بحذر تنفيذ اتفاق أعلنت عنه واشنطن لوقف إطلاق النار بين الجيش وقوات الدعم السريع
يترقب السودانيون بحذر تنفيذ اتفاق أعلنت عنه واشنطن لوقف إطلاق النار بين الجيش وقوات الدعم السريع

استمرت، الأحد، أعمال العنف، والاتهامات المتبادلة، بين قوات الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع، الذي دخل صراعهما الدموي أسبوعه الثاني، وذلك رغم إقرار هدنة أخرى سابقة بين الطرفين، واحتفال السودانيين بعيد الفطر.

وتم تداول صور تظهر تعرض منطقة البراحة في مدينة الخرطوم بحري لأضرار بالغة جراء القصف الذي طالها ليل الجمعة، وفق قناة الحرة.

وسمعت أصوات الرصاص والطائرات في مناطق المربعات والصالحة والمهندسين غربي أم درمان، القريبة من العاصمة الخرطوم، منذ السادسة صباحا.

في غضون ذلك، استمرت الاتهامات المتبادلة بين طرفي النزاع، إذ أشارت قوات الدعم السريع إلى فيديو يظهر تنفيذ قادة الجيش "عملية إخلاء بالقوة الجبرية لجميع السجناء المتواجدين بسجن كوبر"، الذي يضم قادة النظام السابق وذلك "بهدف باستعادة نظام الحكم في البلاد".

واتهمت قوات الدعم السريع الجيش السوداني بضرب قواتها بواسطة الطيران في منطقة كافوري شرق الخرطوم، مشيرة إلى "مقتل وإصابة العشرات" من المدنيين في هذا الهجوم الذي لم تتوفر دلائل تؤكد وقوعه بالفعل.

ومن جانبه، اتهم الجيش السوداني في صفحته على فيسبوك "قوات الدعم السريع" بارتكاب "انتهاكات" ضد بعثات دبلوماسية، مشيرا إلى "سرقة" العربة الدبلوماسية الخاصة بالسفير الماليزي أثناء تسوقه بعد إنزاله من العربة وهروبهم بها، "والاعتداء" على موكب إخلاء أفراد السفارة القطرية المتجه إلى بورتسودان، "ونهب أموالهم وجميع حقائبهم وهواتفهم النقالة".

وتحدث الجيش السوداني عن إطلاق النار على موكب السفارة الفرنسية.

واتهم الجيش عناصر قوات الدعم بارتداء أزياء القوات المسلحة واستخدام عربات بطلاء مشابه لذلك المستخدم في عربات الجيش "للتضليل ومحاولة إلصاق بعض الانتهاكات والجرائم" به.

ونشرت الصفحة مقطعا يظهر "استسلام قوات الدعم السريع المتمردة بالفشقة الصغرى استجابة لقرار القائد العام للقوات المسلحة".

ولم يتسن لموقع الحرة التحقق من صحة البيانات الواردة من الطرفين.

وأسفر النزاع بين الطرفين عن مقتل نحو 420 شخصا وإصابة 3700 آخرين منذ بدء الاشتباكات في 15 أبريل وفق منظمة الصحة العالمية.

وقالت المنظمة إن المسعفين والممرضين والأطباء يجدون صعوبة في الوصول إلى المدنيين المصابين، بسبب انعدام الأمن والهجمات على سيارات الإسعاف والمرافق الصحية.

ونقلت وكالة الأنباء العراقية (واع) عن المتحدث باسم وزارة الخارجية، أحمد الصحاف، الأحد، قوله إن مواطنا عراقيا لقي حتفه من جراء الاشتباكات في السودان. 

ويأتي هذا فيما توالت، الأحد، إعلانات دول عدة إجلاء موظفيها الدبلوماسيين ورعاياها خارج السودان.

وفشل الطرفان، حتى الآن، في الالتزام بوقف لإطلاق النار يجري الاتفاق عليه يوميا تقريبا منذ اندلاع القتال، بما في ذلك هدنة لثلاثة أيام للسماح للمواطنين بالوصول إلى مناطق آمنة وزيارة عائلاتهم خلال عيد الفطر.

ولا توجد أي مؤشرات حتى الآن على أن أيا من الطرفين يستطيع تحقيق نصر سريع، أو أنه مستعد للتراجع وإجراء حوار.

ويملك الجيش قوات جوية، لكن قوات الدعم السريع تنتشر بشكل كبير في المناطق الحضرية بما في ذلك المناطق المحيطة بالمنشآت الرئيسية وسط الخرطوم.

ويشغل قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) أعلى منصبين في مجلس السيادة الحاكم الذي كان يشرف على عملية الانتقال السياسي، وهي العملية التي كان من المفترض أن تشمل الانتقال إلى الحكم المدني ودمج قوات الدعم السريع في الجيش.

السودان يستحوذ على حوالى 70 في المئة من تجار الصمغ العالمية
السودان يستحوذ على حوالى 70 في المئة من تجار الصمغ العالمية

قال تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" إن الأطراف المتحاربة في السودان تستغل التجارة في الصمغ العربي، الذي يدخل في صناعة الشوكولاتة والصودا والعلكة والحلويات وسلع استهلاكية أخرى، لتمويل آلة الحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من عام.

واندلعت المعارك في السودان في أبريل من العام الماضي بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو وخلفت الآف القتلى، وفق تقديرات خبراء من الأمم المتحدة. 

والسودان في صدارة البلدان المنتجة للصمغ، ويستحوذ على حوالى 70 في المئة من تجارته العالمية، بحسب الوكالة الفرنسية للتنمية.

تنقل الصحيفة عن تاجر الصمغ في مدينة الأبيض محمد جابر القول إنه في إحدى المرات دفع  حوالي 330 دولارا لمقاتلي قوات الدعم السريع من أجل السماح له بالمرور، مضيفا "على الجميع أن يدفعوا."

وتفرض قوات الدعم السريع حصارا على مدينة الأبيض منذ يونيو الماضي وتسيطر على ثلاثة من أصل أربعة طرق رئيسية تؤدي إلى المدينة، التي تعد واحدة من المراكز الزراعية الرئيسية في السودان ويسيطر عليها الجيش السوداني.

وبالإضافة إلى المدفوعات عند نقاط التفتيش الرئيسية لقوات الدعم السريع، يقول جابر إن تجار الصمغ العربي يدفعون أيضا ما بين 60 إلى 100 دولار لمقاتلي قوات الدعم السريع الذين يرافقون قوافل التجار في شاحنات صغيرة. 

ويشير إلى أن التجار الذين يرفضون الدفع يخاطرون بخسارة بضائعهم ومركباتهم لصالح الميليشيات.

ويُستخلص الصمغ من عصارة صلبة مأخوذة من شجرة الأكاسيا، وهو مستحلب ذو أهمية كبيرة يُستخدم في صناعات شتى، من المشروبات الغازية إلى العلكة مرورا بالمستحضرات الصيدلانية.

ويمتد حزام الصمغ العربي في السودان على مساحة تبلغ حوالى 500 ألف كيلومتر مربع من إقليم دارفور في غرب البلاد على الحدود مع تشاد، إلى ولاية القضارف في شرقها قرب الحدود مع إثيوبيا.

الصمغ العربي يأتي من أشجار الأكاسيا "أرشيف"
مكون رئيسي لصناعة الكوكاكولا.. صراع السودان يهدد توافر منتج استراتيجي
دفع الصراع في السودان الشركات الدولية المصنعة للسلع الاستهلاكية إلى الدخول في سباق لتعزيز إمدادات الصمغ العربي، أحد أكثر المنتجات المرغوبة في البلاد ويعد مكونا رئيسيا لكل شيء بدءا من المشروبات الغازية إلى الحلوى ومستحضرات التجميل.

ويؤكد تجار سودانيون أن الصمغ أصبح مصدرا رئيسيا لتمويل طرفي الحرب في البلاد.

فبالإضافة لقيام قوات الدعم السريع بجمع الأموال من خلال سيطرتها على معظم الطرق الزراعية الرئيسية، يفرض الجيش السوداني الضرائب والرسوم الجمركية الأخرى على تجارة الصمغ العربي.

يقول الأكاديمي السوداني الذي أجرى أبحاثا في صناعة الصمغ العربي ربيع عبد العاطي إن "عائدات صادرات الصمغ العربي تمول النزاع بشكل مباشر".

وعلى الرغم من هذه المخاوف، لم يتخذ سوى عدد قليل من الشركات العالمية خطوات للتأكد من تجنب استيراد الصمغ العربي السوداني، استنادا إلى مقابلات أجرتها الصحيفة مع مصنعين وموردين ومستخدمين نهائيين.

يقول أسامة إدريس، المدير العام لشركة "مروج"، وهي شركة مستوردة ومصنعة للعلكة الخام ومقرها المملكة المتحدة إن شركته لا تريد أن ترى العلكة تشح في الأسواق.

ويضيف إدريس إن أيا من عملائه، بما في ذلك شركات الحلويات والمشروبات والنكهات، لم يعرب عن مخاوفه بشأن الحصول على الصمغ العربي من السودان.

بدورها قالت شركة "نستله"، التي تضيف الصمغ العربي إلى الشوكولاتة والحلوى الصمغية، إنه وفقا لمورديها، فإن الكميات الصغيرة التي تستخدمها تأتي في المقام الأول من تشاد والنيجر ومالي.

وذكر متحدث باسم شركة "هيرشي" لصناعة الشوكلاتة إن الشركة تتوقع من جميع مورديها الالتزام بجميع القوانين في البلدان التي يعملون فيها. 

وقالت متحدثة باسم شركة "فيريرو" إن شركة صناعة الشوكولاتة لديها إجراءات صارمة للتدقيق يجب على جميع مورديها الالتزام بها، بما في ذلك التقييمات وعمليات التحقق الميدانية.

وقالت بعض الشركات إن وقف شراء الصمغ العربي السوداني سيضر بمئات الآلاف من السودانيين الذين يعتمدون على هذه الزراعة في معيشتهم، في وقت تحذر فيه وكالات الأمم المتحدة من مجاعة وشيكة. 

ومن بين هذه الشركات "نيكسيرا" الفرنسية، التي تقول إنها تمتلك حصة 40 في المئة من سوق الصمغ العربي العالمي، حيث أوقفت عملياتها في السودان لمدة ثلاثة أشهر العام الماضي، لكنها استأنفت عملياتها بعد ذلك.

وقالت متحدثة باسم الشركة إنه "على الرغم من عدم اليقين بشأن عمليات النقل والحوادث المحتملة التي تؤثر على الناتج، فقد قررنا مواصلة الشراء.. هذا جزء من التزامنا تجاه المجتمعات المحلية التي عملنا معها لعدة عقود".

وأضافت أن "بعض جهات الاتصال أبلغتنا مؤخرا عن حصول ابتزاز محتمل على الطرق في السودان"، مشيرة إلى أنها طلبت من شركائها في البلاد تجنب الطرق التي لا يمكن ضمان حرية الحركة فيها.