محاولات عاجلة لإجلاء رعايا دول عربية وأوروبية خارج السودان
محاولات عاجلة لإجلاء رعايا دول عربية وأوروبية خارج السودان

توالت، الأحد، إعلانات دول عدة إجلاء موظفيها الدبلوماسيين ورعاياها خارج السودان الذي سقط في أتون معارك عسكرية، لا تبدو لها نهاية قريبة، منذ السبت 15 أبريل الجاري.

ونفذت الولايات المتحدة عملية إجلاء بواسطة قوات خاصة لموظفي سفارتها بالسودان، بحسب ما ذكره مسؤولون أميركيون، مساء السبت.

واجتاحت القوات الخاصة العاصمة الخرطوم، بينما بقيت 3 مروحيات قتالية في الانتظار لمدة أقل من ساعة، بحسب ما نقلت "أسوشيتد برس"، فيما لم تطلق القوات أعيرة نارية، ولم ترد أنباء عن وقوع إصابات كبيرة.

ومع خروج آخر موظف أميركي من السفارة، أغلقت واشنطن مقر بعثتها في الخرطوم إلى أجل غير مسمى.

وعقب الإعلان الأميركي عن العملية، التي أشاد بها الرئيس جو بايدن، وبالتزامن أيضا معها، توالت إعلانات من دول أخرى في السياق ذاته.

وأعلن رئيس الوزراء البريطاني، ريشي سوناك، الأحد، أن القوات المسلحة البريطانية أجلت الموظفين الدبلوماسيين وعائلاتهم من السودان.

وكتب سوناك على تويتر "أعبر عن تقديري لالتزام دبلوماسيينا، وشجاعة قواتنا المسلحة، التي نفذت هذه العملية الصعبة".

وأضاف "نواصل السعي، بكل الوسائل، لوقف إراقة الدماء في السودان وضمان سلامة البريطانيين المتبقين هناك".

ودخل القتال بين الجنرالين السودانيين، الذي أودى بحياة أكثر من 400 شخص ووضع البلد الشاسع في خطر الانهيار، أسبوعه الثاني، وقد تكون له عواقب تتجاوز حدود السودان بكثير.

والصراع الدائر الآن على السلطة في السودان بين قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي"، جعل ملايين السودانيين يختبئون داخل منازلهم خوفا من التفجيرات، وإطلاق النار، وعمليات النهب.

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية، الأحد، إنها تقوم بإجلاء الدبلوماسيين والمواطنين.

بينما أعلن متحدث باسم وزارة الدفاع الألمانية إن أول طائرة عسكرية ألمانية هبطت في الخرطوم قبل الرابعة عصرا بقليل (1400 بتوقيت غرينتش)، الأحد، مضيفا أن إجلاء الرعايا الألمان ومواطني دول أخرى سيستغرق بعض الوقت.

ويُقدر عدد الرعايا الألمان في السودان بنحو 200، حسب "رويترز".

وكتبت الوزارة على موقع تويتر أن الهدف إجلاء "أكبر عدد ممكن من الرعايا الألمان"، وإن ألمانيا ستجلي مواطني دول أخرى بالاتحاد الأوروبي، وأبناء جنسيات أخرى من السودان، إن أمكن.

وقال السفير الروسي لدى الخرطوم لوسائل إعلام روسية إن 140 من 300 مواطن روسي في السودان أعلنوا أنهم يريدون الرحيل. وأضاف أنه تم وضع خطط للإجلاء، لكن لا يزال من المستحيل تنفيذها لأنها تشمل اجتياز جبهات قتال.

وأعلنت إيطاليا أنها ستجلي مواطنيها من السودان مساء الأحد، مع مواطنين من سويسرا والفاتيكان وبلدان أوروبية أخرى.

وذكرت وزارة الخارجية الإيطالية أنه سيجري إجلاء نحو 140 إيطاليا من السودان، فضلا عن نحو 60 من بلدان أخرى.

كما أعلنت كندا أنها ستعلق عملياتها في السودان، مضيفة أن الدبلوماسيين الكنديين سيعملون مؤقتا من موقع آمن خارج البلاد، دون مزيد من التفاصيل على جهود الإجلاء.

وكانت كوريا الجنوبية قالت، الجمعة، إنها سترسل طائرة عسكرية لإجلاء 25 من مواطنيها في السودان.

وسمحت السويد للحكومة بنشر قوات للمساعدة في إجلاء موظفي السفارة وأسرهم. وأعلنت هولندا أيضا انضمامها إلى الجهود لإجلاء رعاياها.

دول عربية

وحثت مصر مواطنيها خارج الخرطوم على التوجه إلى القنصليتين في بورسودان ووادي حلفا في الشمال، استعدادا لإجلائهم، وحثت رعاياها في الخرطوم على الاحتماء في منازلهم حتى يتحسن الوضع.

وقالت إنه يجب تنفيذ عملية "محكمة وآمنة ومنظمة" لإجلاء مواطنيها، البالغ عددهم عشرة آلاف في السودان.

وأضافت أن أحد دبلوماسييها أُصيب بطلق ناري، دون الخوض في تفاصيل.

وأجلت السعودية، السبت، 91 سعوديا ونحو 66 شخصا من دول أخرى من بورسودان، على متن سفينة حربية، إلى جدة عبر البحر الأحمر.

وقالت الكويت إن جميع المواطنين الراغبين في العودة إلى ديارهم، وصلوا إلى جدة.

واتهم الجيش السوداني قوات الدعم السريع بمهاجمة ونهب قافلة للسفارة القطرية كانت متوجهة إلى بورسودان. ولم يصدر تعليق سواء من قوات الدعم السريع أو قطر، بحسب "رويترز".

وتسبب انزلاق السودان المفاجئ نحو الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية في تقطع السبل بآلاف الأجانب، ومنهم دبلوماسيون وموظفو إغاثة، وتسعى بلدان من أنحاء العالم لإجلاء مواطنيها.

وتجري العديد من جهود الإجلاء على ما يبدو عبر بورسودان المطلة على البحر الأحمر، على بعد نحو 650 كيلومترا شمال شرق الخرطوم.

وقال الأردن إنه بدأ في إجلاء نحو 300 من مواطنيه من بورسودان، السبت.

وقال مصدر في جيبوتي إن طائرات من إيطاليا وبريطانيا وكندا تنتظر الضوء الأخضر لتتوجه إلى الخرطوم.

وتجري العديد من جهود الإجلاء في جيبوتي.

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.