سودانيون يفرون من معارك الخرطوم بين الجيش وقوات الدعم السريع
سودانيون يفرون من معارك الخرطوم بين الجيش وقوات الدعم السريع

مع احتدام المعارك في الخرطوم بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، سارعت دول إلى إجلاء رعاياها من السودان، بينما يواجه سكان العاصمة "خطر الموت" حال خروجهم من منازلهم.

ومع ذلك، يجازف مواطنون سودانيون بحياتهم من خلال الخروج من العاصمة التي يشتد فيها القتال، باتجاه مناطق آمنة، بعد إغلاق المطار الرئيسي الذي تقول وكالة فرانس برس إن قوات الدعم السريع سيطرت عليه.

وباتت مصر وجهة كثير من السودانيين الفارين من ويلات الصراع الذي أودى بحياة أكثر من 400 قتيل منذ منتصف الشهر الحالي.

وبين هؤلاء الراحلين إلى مصر الشابة، روان الوليد عبدالرحمن، 24 عاما، التي غادرت الخرطوم برفقة عائلتها إلى القاهرة.

ويقول سودانيون تحدثوا مع موقع قناة "الحرة" إن "أعدادا كبيرة" من النازحين تتوجه يوميا إلى مصر برا، ويتوقعون فرار المزيد من الناس خلال الأيام المقبلة.

وترتبط السودان بحدود برية مع مصر يزيد طولها عن 1200 كيلومتر، حيث يعبر النازحون من معبر أرقين الحدودي بين البلدين.

وفي بداية الاشتباكات، كانت حركة الحافلات في جميع أنحاء العاصمة شبه متوقفة بعد توقف الحياة بالخرطوم، مما دفع العوائل التي ترغب بالفرار إلى استئجار حافلات خاصة، حسبما يقول، علي معاوية سيد مكي، المواطن السوداني الذي يتواجد الآن في القاهرة.

وقال سيد مكي لموقع "الحرة" إن العوائل السودانية "بدأت في استئجار حافلات على نفقتها الخاصة وكان سعر الرحلة من المنزل إلى أسوان (جنوبي مصر) من 900 ألف إلى 2 مليون جنيه سوداني (حوالي 1500 إلى 3300 دولار) بصرف النظر عن عدد الأشخاص".

وبعد استئناف شركات النقل عملياتها، وسط إقبال كبير جدا من المواطنين، بدأت الرحلات تنطلق برا من موقف قندهار الواقع في سوق ليبيا غرب أم درمان، نحو مدينة أسوان، وفقا لسيد مكي.

وأضاف: "الإقبال الكبير جدا من المواطنين أدى إلى زيادة سعر التذكرة الواحدة من 35 ألفا إلى 120 ألف جنيه ثم أخيرا تجاوزت حاجز 200 ألف جنيه سوداني" للفرد الواحد.

وتقول عبدالرحمن، وهي تروي قصة فرارهم للقاهرة في أول أيام العيد، إنهم استأجروا حافلة سياحية بقيمة 4 مليار جنيه سوداني (حوالي 6600 جنيه دولار) تقلهم من منطقة الباقير بالخرطوم نحو كركر بأسوان قبل أن يصلوا للعاصمة المصرية في رحلة استغرقت 72 ساعة.

وأشارت عبدالرحمن إلى أن هذه الأسعار "مبالغ فيها" بعد إقبال الناس على الفرار من الخرطوم التي بات الحصول على وقود أو مواد غذائية فيها مسألة صعبة.

وتؤكد ذلك نون، وهي امرأة سودانية فرت مع عائلتها من القتال نحو مصر، بقولها إن الأسعار ارتفعت منذ بداية المعارك.

"خطر الموت"

ومع ذلك، لم تكن مغادرة الخرطوم سهلة أبدا، وسط أزيز الرصاص الذي يطلق في كل اتجاه من قبل طرفي النزاع.

وقال سيد مكي إن "الطريق من وسط الخرطوم إلى موقف قندهار أصعب بكثير من الطريق للقاهرة، فأنت تواجه الموت؛ نظرا لوجود اشتباكات في المناطق المؤدية" إلى مكان انتظار الحافلات.

وتابع: "الباصات متوفرة في موقف قندهار، ولكن يواجه كثيرون مشكلات في كيفية الوصول للموقف نظرا لموقعه البعيد عن الخرطوم والخرطوم بحري، حيث يخشون الموت في الطريق".

وتذهب نون في الاتجاه ذاته بقولها إن الرحلة من قندهار إلى الحدود المصرية تستغرق حوالي 13 ساعة، إذ لم تواجه فيها أي إشكال، بعكس الرحلة من مدينة سوبا إلى محطة الحافلات التي تم إيقافها خلالها 3 مرات.

ونشرت نون تجربتها في الوصول الآمن لمصر عبر تويتر قائلة: "تم إيقافنا 3 مرات (حتى الوصول لموقف قندهار)، مرتين من قبل الجيش ومرة واحدة من قبل قوات الدعم السريع، حيث سمحوا لنا بالمرور بعد أن أدركوا أن معنا أطفالا وكبارا في السن".

وبعكس الطريق نحو محطة قندهار، يأتي مسار السفر إلى معبر أرقين "دون معوقات" سواء من قبل الجيش أو قوات الدعم السريع، وفقا لسيد مكي ونون.

أما روان عبدالرحمن وعائلتها فقد ذهبوا لموقع مختلف يعرف بـ "الباقير"، حيث تجمع الأهل هناك قبل أن يستقلوا الحافلة نحو أسوان.

وقالت: "سرنا في الخرطوم 4 ساعات.. كنا نسير عكس مسارنا باتجاه شوارع آمنة.. كان الوضع خطرا، إذ سلكنا طريقا سريعا تحتله قوات الدعم السريع التي تضرب معسكرات للجيش". 

ومضت في قولها: "كانت هناك نقاط تفتيش، ولكن سمحوا لنا بالمرور بمجرد أن عرفوا أننا عوائل ومعنا كبار سن".

وأردفت: "الطريق نحو أرقين كان آمنا.. عندما وصلنا فجرا كنا أول حافلة هناك في ذلك الوقت.. وكان المعبر يعمل رغم أننا في إجازة رسمية".

تسهيلات مصرية

من جهته، قالت نون إن مراقبة الجوازات السودانية تكلف 200 جنيه سوداني، بينما في الجانب المصري 140 جنيها مصريا تدفع بالعملة المحلية.

وأشارت إلى أن مصريا في مراقبة الجوازات بأرقين يقوم بتحويل الأموال من الجنيه السوداني إلى العملة المصرية، مردفة: "يتم السماح لجميع النساء والأطفال، والرجال الذين تزيد أعمارهم عن 50 عاما بالدخول، ولكن لن يُسمح للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و49 عاما بالدخول دون تأشيرة".

ونوهت إلى أن الرجال السودانيين بين 16 و49 عاما يحتاجون لاستخراج تأشيرة دخول من القنصلية المصرية في وادي حلفا، قائلة إن "الأجانب يسمح لهم بالدخول مع دفع قيمة تأشيرة العبور بالمنفذ (25 دولارا) أو حتى السودانيين الذين يحملون إقامة دائمة بدول الخليج يسمح لهم بالمرور".

وفي هذا الإطار، قالت عبدالرحمن إن شقيقها، البالغ من العمر 27 عاما، بقي في الخرطوم لعدم امتلاكه تأشيرة دخول للأراضي المصرية.

وبحسب تجارب الذين عبروا الحدود مع مصر، يقول سيد مكي إن الضباط في كلا الجانبين يحاولون "تسهيل العبور للأفراد" نظرا للظرف الطارئ الذي يعيشه السودان.

ولفت إلى أن "الجانب المصري يقدم التسهيلات ويتغاضى عن إجراءات بسيطة كانت من الممكن أن تعيق دخول البلاد".

وبعد عبور الحدود، والوصول إلى كركر بأسوان، فإن خيارات التنقل متوفرة هناك للوصول للقاهرة جوا أو برا بالقطار أو الحافلة بحسب سيد مكي، فيما تشير نون إلى أن الرحلة من المعبر إلى أسوان تستغرق 4 ساعات.

وغادر سيد مكي، 24 عاما، وهو طالب طب أسنان في القاهرة، الخرطوم جوا قبل يوم واحد من وقوع الاشتباكات، لكنه الآن يحاول مساعدة بني جلدته الذين وصلوا إلى مصر.

ويقول: "نحن السودانيون نحاول مساعدة بعضنا البعض بحسب قدرتنا واحتياجات الآخرين ... البعض يحتاج مكانا للسكن ونحاول مساعدته في ذلك حتى يستأجر شقة".

"نحب بلدنا جدا"

وحظي السودانيون الذين دخلوا إلى أسوان بترحيب كبير من قبل المصريين الذين أطلقوا مبادرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتقديم الدعم والمساعدة.

وأعلن مصريون في أسوان فتح بيوتهم للسودانيين بشكل مؤقت قبل توجههم لمدن أخرى شمالا، مثل القاهرة والإسكندرية.

ومن بين هؤلاء امرأة مصرية قالت لموقع "الحرة" إنها تفعل ذلك "لوجه الله".

تقول المرأة المصرية التي وافقت على التحدث، شريطة عدم الكشف عن هويتها، إن السودانيين يعيشون في "حال لا يعلم بها إلا الله"، مضيفة: "نفسيتهم سيئة مما يحدث (في بلدهم)، ولكنهم يحاولون إخفاء ذلك".

وقالت إن الذين ينزحون من الخرطوم يصلون إلى أسوان، ويبقون فيها لمدة يوم أو يومين قبل أن يسافروا مجددا إلى القاهرة.

وتابعت: "المصريون يحاولون المساعدة قدر الإماكن معنويا أو حتى ماديا .." مشيرة إلى أن السلطات الرسمية أيضا خففت الإجراءات لهم.

كذلك، أعلنت مؤسسة "مرسال" الخيرية، المتخصصة في تقديم المساعدات العلاجية، عن توفر خدمات طبية طارئة للسودانيين النازحين للقاهرة، فضلا عن تزويدهم بحليب الأطفال.

ومع ذلك، يرى سيد مكي أن هناك رأيا مغايرا في القاهرة يرفض موجات تدفق السودانيين "نظرا لما تمر به مصر من أزمة اقتصادية وصعوبة المعيشة بالنسبة للمواطن المصري". رغم أنه لم يكن أمام سكان الخرطوم خيار سوى المغادرة بعد أن واجهوا القتال العنيف وسط انقطاع في الكهرباء وفقدان الخدمات الأساسية.

وقالت عبدالرحمن: "للمرة الأولى في حياتنا نعيش هذا الرعب.. أصوات قذائف وأشياء مرعبة جعلتنا نغادر البلد بأي طريقة بعد أن كنا في أمان".

ودفع نقص الخدمات وانقطاع الكهرباء لمدة 8 أيام وخروج المستشفيات عن الخدمة عائلة الشابة روان "للخروج بأسرع وقت كأنسب شيء يفعلونه".

وتابعت: "نحن نحب بلدنا جدا ونأمل أن يستقر الوضع لنعود لمنزلنا.. لكن حاليا لا توجد خطط بشأن ما سنفعله".

الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي
الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي

في خضم الحرب الطاحنة التي يخوضها الجيش السوداني مع قوات الدعم السريع، يعتزم رئيس مجلس السيادة، الفريق عبدالفتاح البرهان، طرح وثيقة دستورية جديدة للبلاد.

وأعلن مساعد قائد الجيش السوداني، ياسر العطا، السبت، في مقابلة تلفزيونية عن رغبة البرهان في تقديم وثيقة دستورية جديدة قائلا إن العمل عليها يجري "بسرعة كبيرة جدا".

وقال العطا إنه "تم التوافق على صيغة دستورية (جديدة) لإدارة الفترة التأسيسية الانتقالية للحكم الديمقراطي"، مشيرا إلى أن الإعلان الدستوري الجديد يؤسس لـ "إعادة صياغة مجلس السيادة وتعيين رئيس وزراء مستقل وهو بدوره يعين حكومته من كفاءات مستقلة".

ويرى محللون أن هذه الخطوة تهدف "لترسيخ حكم السلطة العسكرية" في السودان من خلال صياغة وثيقة دستورية جديدة يكون الغلبة فيها لجنرالات الجيش.

ويصف الباحث البارز المتخصص بالشؤون الأفريقية، محمد تورشين، قرار صياغة وثيقة جديدة بـ "التخبط الجديد" الذي يصدر من الجيش في إبان الحرب.

وقال تورشين لموقع قناة "الحرة" إن "الغرض من هذه الوثيقة هو محاولة السيطرة فعليا على السلطة وترسيخ الحكم العسكري من خلال إلغاء الوثيقة السابقة".

وأضاف: "الوثيقة الدستورية الجديدة سيكون الغلبة فيها للجنرالات بمجلس السيادة، ما يعني أن رئيس الوزراء الجديد الذي سيتم تعيينه سيدين بالولاء لهم".

الخبير الاستراتيجي المصري، اللواء متقاعد محمد عبدالواحد، يذهب في الاتجاه ذاته قائلا إن دلالات الإعلان في هذا التوقيت تشير إلى أن الجيش "يريد إحكام السيطرة الشرعية الكاملة" على البلاد.

وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن البرهان "يريد إضفاء شرعية على نظامه وأن يذكر الدستور اختصاصاته بحيث لا يتم التعامل دوليا مع أطراف أخرى داخل السودان".

ما هي الوثيقة الأولى؟

تدور الحرب الأهلية في السودان بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي، مما أسفر عن مقتل آلاف السودانيين ونزوح نحو 8 ملايين آخرين.

في أعقاب ثورة أطاحت بحكم الرئيس الإسلامي السابق، عمر البشير، أبرم العسكريون والمدنيون السودانيون وثيقة دستورية في أغسطس 2019 كان يفترض أن تؤسس لمرحلة انتقالية مدتها 39 شهرا.

بموجب تلك الوثيقة، يتولى الجيش السلطة على المستوى السيادي بينما تقود حكومة مدنية ومجلس تشريعي الفترة الانتقالية.

وتأسس مجلس السيادة السوداني الذي يفترض أن يقود المرحلة الانتقالية برئاسة الفريق البرهان ونائبه السابق حميدتي، فيما تم تنصيب الخبير الاقتصادي، عبدالله حمدوك، رئيسا للوزراء لقيادة حكومة انتقالية البلاد.

لكن تلك المرحلة لم تستمر طويلا بعد انقلاب قاده البرهان وحميدتي في أكتوبر عام 2021 وتم من خلاله بالإطاحة بالقوى المدنية من الحكومة، ما أثار إدانة دولية واسعة النطاق.

ومنذ ذلك الوقت، تفاقمت مشاكل السودان التي شهدت احتجاجات دورية مناهضة للانقلاب، علاوة على أزمة اقتصادية مستفحلة وصدامات قبلية متزايدة بالمناطق النائية.

ولكن المشهد في السودان انفجر في منتصف أبريل 2023 بعد أن دخل حليفا الأمس، حربا دامية وضعت البلاد في مواجهة "واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في الذاكرة الحديثة"، وفقا للأمم المتحدة.

ومؤخرا، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها المتزايد إزاء تقارير عن قتال عنيف في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة فيما تسعى قوات الدعم السريع للسيطرة على الفاشر، آخر مدينة رئيسية بإقليم دارفور في غرب البلاد لا تخضع لسيطرتها.

وقال اللواء عبدالواحد إن "الظروف في السودان صعبة للغاية" وأن البلاد "ليس بحاجة للوثيقة الدستورية بعد تطورات الحرب".

وتابع: "الحالة العسكرية سيئة للغاية والحديث عن اقتراب حميدي من السيطرة على الفاشر وبالتالي ستكون دارفور سقطت بالكامل في أيدي الدعم السريع".

"تداعيات"

وشدد عبدالواحد على الأهمية الاستراتيجية لإقليم دارفور على اعتبار أنه يشكل مساحة كبيرة من السودان ويربط المناطق الشرقية للبلاد، علاوة على أنه حدودي مع ليبيا وتشاد وأفريقيا والوسطى.

ومضى قائلا: "كثير من التوقعات تشير إلى أن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر ربما يعجل بإعلان حميدتي عن دولة من دارفور ويبدأ التقسيم ... والبرهان هو الآخر حريص على تحصين نفسه في المناطق الشرقية".

والفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور تعتبر مركزا رئيسيا للمساعدات الإنسانية بالإقليم الواقع في غرب السودان والذي يعيش فيه ربع سكان البلاد البالغ عددهم 48 مليون نسمة.

وشهدت في هذا الشهر معارك عنيفة على الرغم من دعوات أممية متكررة للطرفين المتحاربين بتجنيبها القتال.

ويشير تورشين إلى أنه "ينبغي على الجيش الحديث على ضرورة التوصل لتسوية مع قوات الدعم السريع بدلا من الاستئثار بالسلطة"، معتبرا أن "ترسيخ حكم المؤسسة العسكرية أمر مرفوض تماما".

وقال إن مسألة "تهور الجيش" بطرح وثيقة دستورية جديدة في خضم الحرب التي تعيشها السودان سيكون لها تداعيات حتى على الداعمين للمؤسسة العسكرية.

وتابع: "ربما تعيد بعض المجموعات السياسية التي دعمت الجيش النظر في دعمها المطلق للجيش نتيجة هذا التهور".