الدخان يتصاعد من المباني خلال الاشتباكات بين قوات الدعم السريع والجيش في الخرطوم بحري في 22 أبريل 2023
الدخان يتصاعد من المباني خلال الاشتباكات بين قوات الدعم السريع والجيش في الخرطوم بحري في 22 أبريل 2023

توسطت لجان السلام التي يقودها مدنيون لوقف إطلاق النار مؤقتا في معظم أنحاء إقليم دارفور بالسودان، بعد قتال عنيف في جميع أنحاء البلاد بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والذي تسبب في هروب آلاف من العاصمة، وفقا لتقرير لصحيفة "واشنطن بوست".

مدينة أشباح

يقول السكان الفارون إن العاصمة الخرطوم أصبحت مدينة أشباح مليئة برائحة الدخان والموت بعد قتال شمل الضربات الجوية والمدفعية والقتال في قلب المدينة. 

وقال أحد سكان الخرطوم إنه سمع دوي انفجارات وإطلاق نار في الحي الذي يعيش فيه، الاثنين، وإن الكثير من الناس لم يتمكنوا من الفرار بسبب ارتفاع سعر البنزين وسط نقص هائل، حسب حديثه لـ"واشنطن بوست".

وتعرض بعض المواطنين الذين فروا للسرقة والقتل على أيدي قوات الدعم السريع.

وأدت المعارك التي اندلعت اعتبارا من 15 أبريل، بين الجيش السوداني، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع، بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، إلى مقتل 427 شخصا على الأقل وإصابة نحو أربعة آلاف، ووضعت نظام الرعاية الصحية تحت ضغط هائل للتعامل مع حصيلة متزايدة للضحايا، وفقا لوكالة "فرانس برس".

وباتت مغادرة الخرطوم هاجسا يؤرق سكانها البالغ عددهم خمسة ملايين، في ظل انقطاع الكهرباء ونقص المؤن والمياه.

الا أن المغادرة ليست سهلة خصوصا في ظل حاجة لكميات كبيرة من الوقود لقطع المسافة نحو الحدود المصرية شمالا (زهاء ألف كيلومتر)، أو بلوغ بورتسودان (850 كيلومترا الى الشرق) على أمل الانتقال منها بحرا لدولة أخرى.

وبات الوقود عملة نادرة ومكلفة في الخرطوم التي كانت تعاني أصلا تضخما كبيرا يشمل معظم المواد الأساسية.

وقدرت مفوضية اللاجئين الأممية أن 800 ألف لاجئ من جنوب السودان يعيشون في السودان سيعتمدون على أنفسهم في العودة إلى وطنهم الذي فرّوا منه هربا من الحرب.

ويزداد الوضع قتامة بالنسبة لأولئك الذين بقوا في ثالث أكبر دولة أفريقية، حيث كان ثلث السكان البالغ عددهم 46 مليونا بحاجة إلى مساعدات إنسانية من قبل اندلاع العنف، وفقا لـ"رويترز".

هدنة هشة في دارفور

في حديثه لـ"واشنطن بوست"، قال رئيس الإدارة الأهلية بدارفور، صلاح الدين محمد الفضل، إنه على الرغم من تضرر إقليم دارفور الغربي بشدة من أعمال العنف، إلا أن الهدنات استمرت في أربع ولايات من أصل خمس في الإقليم منذ مساء الخميس. 

وأكد أن الجانبين التزموا بالاحتفاظ بمواقعهما الحالية، ويعمل القادة الآن على إنشاء ممرات إنسانية لإيصال المساعدات وجمع الجثث.

وقال إن زعماء دارفور "لا يريدون الحرب على الإطلاق لأنهم تذوقوها منذ سنوات عديدة". 

وأوضح أن المبادرة تضم ممثلين عن جميع القبائل والمجتمع المدني، مضيفا "نحاول تعميم هذه المبادرة في جميع أنحاء السودان".

وشهدت دارفور بعض أكثر المعارك وحشية في الأسبوع الماضي، حيث قتل أفراد الدعم السريع ثلاثة من موظفي الأمم المتحدة بالرصاص، ونهب المستودعات التي تحتوي على المواد الغذائية والأدوية والمساعدات الأخرى.

وبدأ السكان المحليون في تشكيل مجموعات أهلية ضد اللصوص، مما أثار مخاوف من أن المنطقة يمكن أن تنقسم تحت سيطرة فصائل مختلفة.

ولا تزال منطقة دارفور تتعافى من عقدين من الحرب التي انتهت باتفاق سلام عام 2020. 

وانتشر الصراع في دارفور منذ عام 2003 بعد أن ثار متمردون معظمهم من غير العرب ضد الحكومة.

ووقتها أعلن المقاتلون الأفارقة بدافور التمرد على السلطات في الخرطوم، بعدما ألقوا باللوم عليها في تجويع المنطقة، وردت الحكومة بإطلاق العنان لميليشيات ضدهم من القبائل العربية المحلية إلى حد كبير. 

وبدعم عسكري، أحرقت الميليشيات المعروفة باسم الجنجويد القرى واغتصبت النساء بشكل جماعي وقتلت المدنيين، لدرجة أن المحكمة الجنائية الدولية وجهت الاتهام للرئيس السوداني في ذلك الوقت، عمر البشير، بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.

ووقتها قاد "حميدتي" قوات الجنجويد التي نشرت الرعب في الإقليم، ومارس بأوامر من البشير، سياسة الأرض المحروقة في دارفور حيث قُتل أكثر من 300 ألف شخص ونزح ما يزيد على 2,5 مليون آخرين خلال الحرب، وفقا لـ"فرانس برس".

وفي نهاية المطاف تحولت الجنجويد إلى قوات الدعم السريع والتي تضم آلاف العناصر الساعين حاليا الى السيطرة على السلطة.

وبالاعتماد على الدروس السابقة، تمكن النشطاء الدارفوريون والزعماء الدينيون والمسؤولون المحليون من وقف القتال، مع قيام الشرطة بحماية البنية التحتية المدنية في المدينتين الرئيسيتين، وهما نيالا في الجنوب والفاشر في الشمال.

وأكد والي شمال دارفور، نمر محمد، أن تاريخه كمتمرد ساعد في إقناع الجانبين بالاستماع. 

وقال لـ"واشنطن بوست"، "كنت أقاتل لمدة 19 عاما، نحن نعلم أن كل قتال ينتهي بالمحادثات، فهل ندمر كل شيء أولا؟". 

ونجح والي شمال دافور في استدعاء قائد فرقة الجيش وقائد القطاع من قوات الدعم السريع على الهاتف وطلب وقف إطلاق النار للسماح للسكان المحليين بجمع القتلى ومساعدة الجرحى.

والآن هناك لجنتان في الإقليم واحدة لمساعدة المدنيين والأخرى لمراقبة وقف إطلاق النار.

ومن جانبه قال مراقب حقوق الإنسان في نيالا، أحمد قوجة، إن قوات الدعم السريع تسيطر على شمال المدينة والمطار ومناطق أخرى، وأن الجيش يحمي مقراته في وسط المدينة. 

وأوضح أن الأسواق والمحلات التجارية مفتوحة والناس يمارسون أنشطتهم اليومية، مضيفا "حالة الطوارئ الوحيدة التي نواجهها هي أنه ليس لدينا أدوية".

وفي ظل صعوبة الوصول الى الإقليم الذي يعد من أفقر مناطق السودان، أفاد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بأن "10 مركبات وست شاحنات أغذية تعرّضت للسرقة" في دارفور.

وأشار رئيس مكتب منظمة التنمية الاجتماعية السودانية في نيالا، أحمد خليل أبكر، إلى أن مبادرة نيالا للسلام بدأها خمسة زعماء دينيين يعملون في الخفاء خوفا من فشلها.

ثم انخرط مركز دراسات السلام بجامعة نيالا و 15 منظمة شعبية أخرى في المبادرة، وفقا لحديثه لـ"واشنطن بوست".

لكن ليس من الواضح بعد إلى متى سيستمر وقف إطلاق النار أو ما إذا كان يمكن تكراره على نطاق أوسع، حيث يرى كل من البرهان وحميدتي الأزمة على أنها "معركة وجودية"، حسب "واشنطن بوست".

السودان يستحوذ على حوالى 70 في المئة من تجار الصمغ العالمية
السودان يستحوذ على حوالى 70 في المئة من تجار الصمغ العالمية

قال تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" إن الأطراف المتحاربة في السودان تستغل التجارة في الصمغ العربي، الذي يدخل في صناعة الشوكولاتة والصودا والعلكة والحلويات وسلع استهلاكية أخرى، لتمويل آلة الحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من عام.

واندلعت المعارك في السودان في أبريل من العام الماضي بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو وخلفت الآف القتلى، وفق تقديرات خبراء من الأمم المتحدة. 

والسودان في صدارة البلدان المنتجة للصمغ، ويستحوذ على حوالى 70 في المئة من تجارته العالمية، بحسب الوكالة الفرنسية للتنمية.

تنقل الصحيفة عن تاجر الصمغ في مدينة الأبيض محمد جابر القول إنه في إحدى المرات دفع  حوالي 330 دولارا لمقاتلي قوات الدعم السريع من أجل السماح له بالمرور، مضيفا "على الجميع أن يدفعوا."

وتفرض قوات الدعم السريع حصارا على مدينة الأبيض منذ يونيو الماضي وتسيطر على ثلاثة من أصل أربعة طرق رئيسية تؤدي إلى المدينة، التي تعد واحدة من المراكز الزراعية الرئيسية في السودان ويسيطر عليها الجيش السوداني.

وبالإضافة إلى المدفوعات عند نقاط التفتيش الرئيسية لقوات الدعم السريع، يقول جابر إن تجار الصمغ العربي يدفعون أيضا ما بين 60 إلى 100 دولار لمقاتلي قوات الدعم السريع الذين يرافقون قوافل التجار في شاحنات صغيرة. 

ويشير إلى أن التجار الذين يرفضون الدفع يخاطرون بخسارة بضائعهم ومركباتهم لصالح الميليشيات.

ويُستخلص الصمغ من عصارة صلبة مأخوذة من شجرة الأكاسيا، وهو مستحلب ذو أهمية كبيرة يُستخدم في صناعات شتى، من المشروبات الغازية إلى العلكة مرورا بالمستحضرات الصيدلانية.

ويمتد حزام الصمغ العربي في السودان على مساحة تبلغ حوالى 500 ألف كيلومتر مربع من إقليم دارفور في غرب البلاد على الحدود مع تشاد، إلى ولاية القضارف في شرقها قرب الحدود مع إثيوبيا.

مكون رئيسي لصناعة الكوكاكولا.. صراع السودان يهدد توافر منتج استراتيجي
دفع الصراع في السودان الشركات الدولية المصنعة للسلع الاستهلاكية إلى الدخول في سباق لتعزيز إمدادات الصمغ العربي، أحد أكثر المنتجات المرغوبة في البلاد ويعد مكونا رئيسيا لكل شيء بدءا من المشروبات الغازية إلى الحلوى ومستحضرات التجميل.

ويؤكد تجار سودانيون أن الصمغ أصبح مصدرا رئيسيا لتمويل طرفي الحرب في البلاد.

فبالإضافة لقيام قوات الدعم السريع بجمع الأموال من خلال سيطرتها على معظم الطرق الزراعية الرئيسية، يفرض الجيش السوداني الضرائب والرسوم الجمركية الأخرى على تجارة الصمغ العربي.

يقول الأكاديمي السوداني الذي أجرى أبحاثا في صناعة الصمغ العربي ربيع عبد العاطي إن "عائدات صادرات الصمغ العربي تمول النزاع بشكل مباشر".

وعلى الرغم من هذه المخاوف، لم يتخذ سوى عدد قليل من الشركات العالمية خطوات للتأكد من تجنب استيراد الصمغ العربي السوداني، استنادا إلى مقابلات أجرتها الصحيفة مع مصنعين وموردين ومستخدمين نهائيين.

يقول أسامة إدريس، المدير العام لشركة "مروج"، وهي شركة مستوردة ومصنعة للعلكة الخام ومقرها المملكة المتحدة إن شركته لا تريد أن ترى العلكة تشح في الأسواق.

ويضيف إدريس إن أيا من عملائه، بما في ذلك شركات الحلويات والمشروبات والنكهات، لم يعرب عن مخاوفه بشأن الحصول على الصمغ العربي من السودان.

بدورها قالت شركة "نستله"، التي تضيف الصمغ العربي إلى الشوكولاتة والحلوى الصمغية، إنه وفقا لمورديها، فإن الكميات الصغيرة التي تستخدمها تأتي في المقام الأول من تشاد والنيجر ومالي.

وذكر متحدث باسم شركة "هيرشي" لصناعة الشوكلاتة إن الشركة تتوقع من جميع مورديها الالتزام بجميع القوانين في البلدان التي يعملون فيها. 

وقالت متحدثة باسم شركة "فيريرو" إن شركة صناعة الشوكولاتة لديها إجراءات صارمة للتدقيق يجب على جميع مورديها الالتزام بها، بما في ذلك التقييمات وعمليات التحقق الميدانية.

وقالت بعض الشركات إن وقف شراء الصمغ العربي السوداني سيضر بمئات الآلاف من السودانيين الذين يعتمدون على هذه الزراعة في معيشتهم، في وقت تحذر فيه وكالات الأمم المتحدة من مجاعة وشيكة. 

ومن بين هذه الشركات "نيكسيرا" الفرنسية، التي تقول إنها تمتلك حصة 40 في المئة من سوق الصمغ العربي العالمي، حيث أوقفت عملياتها في السودان لمدة ثلاثة أشهر العام الماضي، لكنها استأنفت عملياتها بعد ذلك.

وقالت متحدثة باسم الشركة إنه "على الرغم من عدم اليقين بشأن عمليات النقل والحوادث المحتملة التي تؤثر على الناتج، فقد قررنا مواصلة الشراء.. هذا جزء من التزامنا تجاه المجتمعات المحلية التي عملنا معها لعدة عقود".

وأضافت أن "بعض جهات الاتصال أبلغتنا مؤخرا عن حصول ابتزاز محتمل على الطرق في السودان"، مشيرة إلى أنها طلبت من شركائها في البلاد تجنب الطرق التي لا يمكن ضمان حرية الحركة فيها.