أدت المعارك التي اندلعت اعتبارا من 15 أبريل إلى مقتل  459 شخصا على الأقل
أدت المعارك التي اندلعت اعتبارا من 15 أبريل إلى مقتل  459 شخصا على الأقل

يهدد الاقتتال بين الجيش السوداني، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع، بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، بانفجار الأوضاع في المنطقة بأكملها، وتأثر دول جوار السودان بموجة نزوح غير مسبوقة، وفقا لخبراء تحدث معهم موقع "الحرة".

ويترقب السودانيون تنفيذ اتفاق تم التوصل إليه برعاية أميركية لوقف إطلاق النار بين الجيش وقوات الدعم السريع بعد عشرة أيام من معارك دامية فشلت خلالها كل محاولات التهدئة.

وأدت المعارك التي اندلعت اعتبارا من 15 أبريل، إلى مقتل  459 شخصا على الأقل وإصابة 4072 آخرين، وفقا لما ذكره ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان، الثلاثاء.

ويبقى الاختبار الآن تبين مدى التزام الجيش وقوات الدعم السريع بالاتفاق على الأرض، اذ سبق لهما منذ اندلاع المعارك الإعلان أكثر من مرة عن هدنة، ما لبث كل طرف أن اتهم الآخر بخرقها.

والاثنين، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، من أن العنف المتواصل في السودان قد "يمتد إلى كامل المنطقة وأبعد منها".

وقال خلال نقاش في مجلس الأمن إن "الوضع في السودان يواصل التدهور، ويجب أن تتوقف أعمال العنف"، مؤكدا أن العنف يهدد بـ"حريق كارثي داخل السودان قد يمتد إلى كامل المنطقة وأبعد منها".

دولة محورية

يُعد السودان من أكبر الدول العربية والأفريقية، من حيث المساحة، ويحده من الغرب تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، ومن الشمال، مصر وليبيا، ومن الشرق، إثيوبيا وإريتريا، ومن الجنوب جنوب السودان وكينيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية الكونغو.

وشهدت خمس من الدول المجاورة للسودان، وهي إثيوبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا وجنوب السودان، اضطرابات سياسية أو صراعات في السنوات القليلة الماضية، وفقا لـ"رويترز".

ويؤكد المحلل السياسي السوداني، محمد عبدالله ود أبوك، أن السودان "دولة محورية مركزية هامة" نظرا لموقعها الجغرافي الذي يجاور دولا بها "أوضاع متداخلة ومتقاطعة".

ويقول لموقع "الحرة" إن استمرار الاقتتال بالسودان أو تمدد وتوسع رقعته سيؤثر على جميع تلك الدول، سواء من حيث اللجوء والنزوح والأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية.

وإذا استمرت الأزمة  فسوف يتضرر  السودان، وكذلك دول الجوار، مما يؤثر على أمن وسلامة واستقرار المنطقة بأسرها، ويهدد بتأجيج التوترات الإقليمية، وفقا لحديثه.

ويرى المحلل السوداني أنه "يجب السيطرة على الوضع في السودان والضغط على كافة الأطراف لوقف الاقتتال، لتجنب وقوع مأساة داخل البلاد وخارجها".

مخاطر تمدد الاقتتال

يعتبر مدير معهد التحليل السياسي والعسكري بالخرطوم، الرشيد إبراهيم، أن التحذيرات الأممية بمثابة رسالة للمتحاربين وأطراف العملية السياسية والعسكرية بالسودان وكذلك المجتمع الدولي للسعي بشكل جدي لوقف القتال.

ويشمل التحذير رسالة لـ" دول الإقليم" مفادها أن تدخلها في الشأن السوداني سيفاقهم الأوضاع ويضر الأمن الإقليمي والدولي، وفقا لحديثه لموقع "الحرة".

ويشير إبراهيم إلى تدخل بعض الدول ودعمها لأطراف الصراع، ويقول " هناك خطوط إمداد تأتي للدعم السريع من ليبيا وإثيوبيا، مما يطيل من أمد الأزمة".

ويحذر من مخاطر التدخل الخارجي الذي سيؤدي لانتشار وتمدد الاقتتال بالسودان، مما سيؤثر سلبا على السلم والأمن الدوليين.

موجة نزوح غير مسبوقة

وبسبب الاشتباكات، فر عشرات الآلاف، من بينهم سودانيون ومواطنون من بلدان مجاورة، في الأيام القليلة الماضية إلى دول مثل مصر وتشاد وجنوب السودان، رغم حالة عدم الاستقرار والظروف المعيشية الصعبة هناك.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يحذر خبير السكان ودراسات الهجرة، أيمن زهري، من تسبب الأزمة في السودان بموجة نزوح داخلية وخارجية غير مسبوقة قد تطال ملايين السودانيين.

ويقول إن الأوضاع لم تكن مستقرة في السودان لسنوات طويلة، مما تسبب في نزوح السودانيين داخل البلاد ولدول مجاورة وعلى رأسها مصر وتشاد.

وداخل السودان، لا يزال إقليم دارفور يتعافى من عقدين من الحرب التي انتهت باتفاق سلام عام 2020، وتسبب الصراع هناك في مقتل أكثر من 300 ألف شخص ونزوح ما يزيد على 2,5 مليون آخرين خلال الحرب، وفقا لـ"فرانس برس".

وخارج السودان، فإن السودانيون هم أكبر جالية أجنبية في مصر وبفارق كبير، ويقدر عددهم بنحو أربعة ملايين نسمة من بينهم نحو 60 ألف لاجئ وطالب لجوء.

ومنذ بدء الاقتتال، وصل نحو 20 ألف لاجئ سوداني إلى تشاد، الدولة الفقيرة جارة السودان الغربية التي وصل إليها في صراعات سابقة نحو 400 ألف نازح سوداني.

والثلاثاء، أبدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، خشيتها من أن تدفع المعارك  بين الجيش وقوات الدعم السريع لفرار ما يصل إلى 270 ألف شخص نحو تشاد وجنوب السودان.

وقالت ممثلة المفوضية في تشاد، لاورا لو كاسترو، إن 20 ألف لاجئ وصلوا إلى هذا البلد، يتوقع أن يتبعهم 100 ألف آخرين "في أسوأ الحالات".

أما في جنوب السودان، فترجح التقديرات الأممية دخول ما يصل إلى 170 ألف شخص، بينهم 125 ألفا من مواطني جنوب السودان، الذين سبق لهم اللجوء الى الجار الشمالي، حسب فرانس برس.

ويؤكد زهري أن اشتعال الأوضاع داخل السودان سوف يهدد بموجة لجوء غير مسبوقة نحو ثلاث دول، هي "مصر وإثيوبيا وتشاد".

ويشير إلى أن تلك التدفقات سوف تؤثر بشكل سلبي على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لتلك الدول، نظرا لعدم امتلاكها القدرات لاستيعاب ذلك العدد الهائل من اللاجئين وتوفير الحد الأدنى من الحياة اللائقة لهم.

مزيد من التصعيد؟

ولا يتوقع إبراهيم وقوع تصعيد خلال الفترة المقبلة أو اشتعال بؤرة صراع جديدة تؤثر على أمن المنطقة.

ويقول إن "التوجهات العالمية تدعم السلام وترفض اشتعال الأوضاع في المنطقة".

وقد تكون هناك عمليات عسكرية محدودة خلال الفترة المقبلة، سوف تنتهي بعد انتصار الجيش السوداني لأن تماسكه ينعكس على تماسك الدولة السودانية، حسب إبراهيم.

لكن في حال استمر التصعيد فسوف تتأثر جميع دول الجوار السوداني على كافة الأصعدة، سواءً إنسانيا أو أمنيا أو اقتصاديا، وفقا لمدير معهد التحليل السياسي والعسكري بالخرطوم.

ويحذر من تداعيات استمرار الاقتتال، وتسبب ذلك في "انتشار السلاح والجماعات المسلحة بدول الجوار، وكذلك التأثير على قضايا استراتيجية مثل "الصراع في القرن الأفريقي".

على جانب آخر، يتوقع ود أبوك وقوع تصعيد داخل السودان خلال الفترة المقبلة، ويقول إن تداعياته ستكون مدمرة على المنطقة.

وإذا لم يعمل المجتمع الدولي بطريقة جادة لوقف الحرب فإن أثارها وتداعيتها سوف تتخطى السودان وتصيب كافة دول الجوار، مما يهدد باشتعال الأوضاع في المنطقة، وفقا لحديث المحلل السياسي السوداني.

ويقول "إذا انفجرت الأوضاع في السودان فسوف تعاني كافة دول المنطقة من موجة نزوح ولجوء وهجرة غير شرعية وجرائم عابرة للحدود، فضلا عن التداعيات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي ستؤثر سلبا على دول الجوار".

من جانبه يرى زهري أن الفترة المقبلة سوف تشهد المزيد من التصعيد العسكري مما سوف يتسبب في نزوح المزيد من السودانيين.

وقد يصل عدد اللاجئين نتيجة الصراع لنحو 10 ملايين لاجئ على الأقل، وفقا لتقديرات خبير السكان والهجرة.

الحرب في السودان

تتفاقم آثار الكارثة الإنسانية في جميع أنحاء السودان، دون أن تظهر أي علامات على إمكانية تراجعها، جراء الحرب المستمرة في البلاد منذ نحو عامين.

لا يزال آلاف السودانيين يُقتلون ويُجوعون ويُغتصبون بوتيرة يومية، ويجبر العنف ملايين الأشخاص على ترك منازلهم والنزوح داخليا أو عبر الحدود إلى الدول المجاورة. 

تسبب  الصراع بـ"أسوأ حالة طوارئ إنسانية في العالم" وفق توصيف الأمم المتحدة، إذ تصدر السودان دول العالم في عدد النازحين داخليا بسبب الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، شبه الحكومية.

وتجاوز عدد النازحين قسرا داخل البلاد 9 ملايين شخص، بالإضافة إلى أكثر من 3.8 مليون لاجئ إلى الدول المجاورة، ما يعني أن نحو 13 مليون شخص قد فروا من العنف خلال العامين الماضيين، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

وتحذر منظمات دولية، بينها اليونيسيف، من أن الموت يشكل "تهديدا مستمرا" لحياة الأطفال في السودان.

وفي محيط مدينة الفاشر، غربي البلاد، وحدها، يحاصر الموت ما يقرب من 825 ألف طفل، يواجهون قصفا مستمرا ونقصا حادا في أبسط مقومات البقاء على قيد الحياة.

وحذرت هيئة تابعة للأمم المتحدة من انتشار حالات الاغتصاب مع استمرار الحرب التي تفجرت بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه الحكومية منذ سنتين في السودان.

وقالت آنا موتافاتي، المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في شرق وجنوب إفريقيا: "بدأنا نشهد استخداما ممنهجا للاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح حرب".

وشددت على أن "ما خفي كان أعظم، فهناك كثيرات لا يبلغن عن هذه الجرائم خوفا من العار وتحميل المسؤولية للضحايا، الذي يُلازم كل امرأة تتعرض للاغتصاب".

وأكد نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، إن "الحكومة عازمة على تنفيذ كافة الاتفاقيات الخاصة بحماية النساء من العنف الجنسى والقضاء على التمييز، وانفاذ القانون وضمان عدم الإفلات من العقاب لمرتكبي جرائم العنف الجنسي ضد النساء والفتيات والأطفال".

وأشار عقار لدى لقائه، في بورتسودان، مع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للعنف الجنسي في مناطق النزاعات، براميلا باتن، إلى أن "السودان ومنذ الشرارة الأولى أرسل العديد من التقارير المصورة والموثوقة لعدد من الهيئات والمنظمات الدولية والاقليمية ومنظمات حقوق الإنسان، توضح العنف الذي مارسته قوات الدعم السريع في حق النساء والفتيات والأطفال في السودان إلا أن الاستجابة كانت بطيئة مما فاقم الأوضاع لاسيما في المناطق التي كانت تسيطر عليها".

ونفت الدعم السريع في يوليو الماضي عن الانتهاكات التي تقع أثناء الحرب، إنها ستتخذ تدابير وقائية لمنع انتهاكات حقوق الإنسان.

خطر آخر يهدد المدنيين وعمليات الإغاثة يتمثل في الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب. وحذر رئيس برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في السودان، صديق راشد، من أن المناطق التي كانت آمنة أصبحت الآن ملوثة بشكل عشوائي بهذه الأسلحة القاتلة، بما فيها الخرطوم وولاية الجزيرة.

وقد تجسدت هذه المخاوف في حوادث مأساوية، حيث لقي مدنيون، بينهم أطفال ونساء، مصرعهم وأصيب آخرون بسبب انفجار هذه الذخائر.

وناشد صديق راشد الأطراف المتحاربة تجنب استخدام الأسلحة في المناطق المأهولة، وتسجيل المناطق الملوثة لتسهيل عملية التطهير، ودعا المجتمع الدولي لتقديم الدعم اللازم لجعل المناطق آمنة قبل عودة المدنيين.

وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية المتفاقمة، توجه كليمنتاين نكويتا سلامي، منسقة الأمم المتحدة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان نداء عاجلا إلى المجتمع الدولي: الناس في وضع يائس.

وقالت: "نناشد المجتمع الدولي ألا ينسى السودان وألا ينسى الرجال والنساء والأطفال في السودان الذين وجدوا أنفسهم في هذا الوضع الصعب للغاية في هذه اللحظة الحرجة".

ووجه المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، رسالة إلى العالم حول السودان: "يجب أن يكون مرور عامين على هذا الصراع الوحشي الذي لا معنى له بمثابة جرس إنذار للأطراف لإلقاء أسلحتها وألا يستمر السودان في هذا المسار المدمر".