أثار الدمار في سوق الجنينة عاصمة غرب دارفور مع استمرار القتال بين الجيش والدعم السريع في 29 أبريل 2023
صورة أرشيفية لأثار الدمار في سوق الجنينة عاصمة غرب دارفور في 29 أبريل 2023

تدخل المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أسبوعها الثالث، على الرغم من هدنة جديدة وجهود دولية في محاولة لوقف القتال، فيما يشير خبراء لموقع "الحرة" إلى سبل وسيناريوهات محتملة لنهاية الاقتتال الذي تسبب في مقتل المئات وإصابة ونزوح الآلاف داخل السودان وخارجها.

معارك مستمرة

غرق السودان في الفوضى منذ تفجر في منتصف أبريل الصراع الدامي على السلطة بين قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي".

وفي ساعة مبكرة من صباح السبت، تم سماع أصوات ضربات جوية وأسلحة مضادة للطائرات وقذائف مدفعية في الخرطوم، وتصاعد الدخان الأسود فوق أجزاء من المدينة.

والجمعة، استمر القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، رغم إعلان تمديد وقف إطلاق النار لمدة 72 ساعة، عندما هزت ضربات جوية وقصف بالدبابات والمدفعية الخرطوم ومدينتي بحري وأم درمان المجاورتين.

ورغم موافقة الطرفين، الخميس، على تمديد الهدنة لثلاثة أيام أخري بوساطة الولايات المتحدة والسعودية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، إلا أن أعمال العنف مستمرة في العاصمة ومناطق أخرى.

من ينتهك الهدنة؟

اتهمت قوات الدعم السريع الجيش بانتهاك الهدنة بشن ضربات جوية على قواعدها بمدينة أم درمان، المجاورة للخرطوم والواقعة عند التقاء النيلين الأزرق والأبيض، وفي محلية جبل أولياء.

وعلى جانب آخر، أنحى الجيش باللائمة على قوات الدعم السريع في الانتهاكات.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يشير مدير معهد التحليل السياسي والعسكري بالخرطوم، الرشيد إبراهيم، إلى أن "مفهوم ومنظور مختلف للهدنة" بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وتنظر قوات الدعم السريع للهدنة على أنها "فرصة لالتقاط الأنفاس" وتحسين موقفها العسكري الميداني، بعد انقطاع خطوط الإمداد عنها نتيجة ضربات الجيش السوداني، وفقا لحديثه.

ويقول إن "ضربات الجيش السوداني، أفقدت قيادات الدعم السريع السيطرة على القوات، وبالتالي تعمل تلك القوات وفقا لتوجيهات ميدانية فردية".

بينما يحاول الجيش "تضييق الخناق" على الدعم السريع، لذلك فهو "ليس حريصا" على استمرار الهدنة، ويحاول السيطرة على مداخل ومنافذ الخرطوم، لتحسين "موقفه الميداني"، حسب الرشيد إبراهيم.

ومن جانبه يرى المحلل العسكري والاستراتيجي، بابكر يوسف، أن قوات الدعم السريع هي تنتهك الهدنة وتهاجم الجيش الذي "يدافع عن نفسه".

وفقد الدعم السريع الاتصالات بين القادة والجنود، ولذلك أصبحت السيطرة على القوات "صعبة جدا"، وفقا لحديثه لموقع "الحرة".

ويشير إلى أن قوات الدعم السريع تستغل الهدنة لتمكين نفسها وإحراز أو اكتساب مواقع تجعلها "موجودة في الميدان".

فيما يؤكد المحلل السياسي السوداني، محمد إلياس، لموقع "الحرة"، أن الجيش يقصف مقرات وارتكازات الدعم السريع، بينما يرد الأخير بمضادات الطائرات.

وبذلك ينتهك الطرفان الهدنة، وتدور بينهما حاليا "معارك مستمرة بلا توقف"، حسب حديث الياس.

ويشير المحلل السياسي السوداني، محمد عبدالله ود أبوك، إلى أن "الهدنة غير موجودة على الأرض" في ظل اشتداد حدة المواجهات والمعارك بين الطرفين.

ويتحدث لموقع "الحرة"، عن عدم وجود آليات حقيقة لمراقبة "تطبيق الهدنة"، ولذلك فمن غير الممكن الوقوف على المتسبب في انتهاكها، حيث يلقي كل طرف باللائمة على الطرف الآخر.

ويقول "لا نستطيع في ظل هذه الأجواء أن نحدد من بدأ بانتهاك الهدنة، لكن يمكن أن نتحدث عن طرف متشدد يرفع شعار تدمير الآخر ويرفض الجلوس معه الآن"، في إشارة لتصريحات البرهان الأخيرة.

وفي تصريحات لقناة "الحرة"، الجمعة، قال البرهان إنه لن يجلس أبدا مع حميدتي، ووصف قواته بـ"المتمردة على الدولة".

كيف ستنتهي الأزمة؟

السبت، أكد مبعوث الأمم المتحدة إلى السودان، فولكر بيرتس، أن الطرفين المتحاربين في البلاد منفتحان بشكل أكبر على المفاوضات وأقرا بأن الصراع الذي اندلع منذ أسبوعين لا يمكن أن يستمر، وفقا لـ"رويترز".

وقال إن الطرفين رشحا ممثلين عنهما للمحادثات التي اقتُرحت إقامتها إما في جدة بالسعودية أو في جوبا بجنوب السودان، لكنه استطرد قائلا إن ثمة سؤالا عمليا حول إذا ما كان بوسعهما الذهاب إلى أي من المكانين "للجلوس معا فعليا".

وأضاف أنه لم يُحدد جدولا زمنيا لإجراء محادثات.

ويمثل هذا بصيص أمل حتى في ظل تواصل القتال، حسب "رويترز".

ولذلك يؤكد ود أبوك، أن حل الأزمة هو "سياسي بامتياز" عبر الحوار الجاد والتفاوض.

ويقول "على الجيش والدعم السريع إدراك حقيقة أن الحرب ليست خيارا مستمرا وإنما الحوار والتفاوض هما الأساس لحل المشكلات".

ويتفق معه الياس، الذي يشير إلى عواقب وخيمة لـ"استمرار الخيار العسكري، وعدم اعتماد الحل السياسي".

ويقول إن لدى طرفي الصراع "القدرة والقوة الكافية للاستمرار في الاقتتال، وبذلك سيكون الخاسر الوحيد هو الشعب السوداني".

ويؤكد أن الاقتتال المستمر أدخل السودان في "حالة من الفوضى" وتسبب في مقتل عدد كبير من المدنيين، وقد يجر البلاد إلى "حرب أهلية تستمر لعدة سنوات".

ووفقا للأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 512 شخصا وأصيب ما يقرب من 4200، وتعتقد المنظمة أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك بكثير.

ونزح أكثر من 75 ألف شخص داخل السودان في الأسبوع الأول من القتال، وفقا للأمم المتحدة، ويعمل 16 بالمئة فحسب من المستشفيات في العاصمة بشكل طبيعي.

ويشدد الياس على أن "الحل السياسي هو السبيل الأمثل لنهاية الأزمة، وإنقاذ البلاد من الانجراف نحو الهاوية".

ويقول " إذا لم يجلس طرفي النزاع على طاولة المفاوضات برعاية دولية، فإن الوضع في السودان، سيزداد تعقيدا، وستذهب البلاد إلى حرب أهلية شاملة".

لكن على جانب آخر، يرجح إبراهيم، كون "الحل العسكري" الخيار الأقرب لحسم الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع.

ويشدد على أن "الاقتتال الحالي هو صراع للسيطرة على السلطة، ولا بد من وجود منتصر واحد"، ويقول " الأمر لا يقبل القسمة على اثنين".

ويتفق معه يوسف الذي لا يرى "أي مجال للحل السياسي في الوقت الحالي"، مؤكدا أن "الحل العسكري هو الخيار الأرجح لنهاية الاقتتال بين الطرفين".

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.