تعرف قوات الاحتياطي المركزي باسم "أبو طيرة"
تعرف قوات الاحتياطي المركزي باسم "أبو طيرة"

صاحب نزول قوات الاحتياطي المركزية السودانية إلى الشوارع والأحياء حالة من الجدل، بين مرحب بالخطوة لـ"حفظ الأمن"، ومعارض يحذر من "اتساع دائرة الاقتتال" الذي تسبب في مقتل المئات، وإصابة ونزوح الآلاف داخل السودان وخارجها، فيما كشف خبراء لموقع "الحرة" عن طبيعة تلك القوات وأسباب ظهورها للمرة الأولى منذ اندلاع الاشتباكات بين الجيش والدعم السريع.

ظهور الاحتياطي المركزي

السبت، أعلن الجيش السوداني بدء نشر وحدات من شرطة الاحتياطي المركزي تدريجيا بمناطق جنوب الخرطوم، قبل أن ينشر صورا ومقاطع فيديو لنزول تلك القوات إلى الشوارع والأحياء.

وأكدت وزارة الداخلية السودانية، نشر تلك القوات بهدف " تأمين الممتلكات العامة والخاصة وضبط المتفلتين".

ومن جانبها اعتبرت قوات الدعم السريع أن نشر تلك القوات يوسع دائرة الاقتتال في البلاد.

وقالت في بيان "حشدت قوات الانقلابيين وفلول النظام المتطرفة، كوادر الأمن الشعبي والطلابي والدفاع الشعبي وألبستهم زي قوات الاحتياط المركزي ودفعت بهم إلى ميدان المعركة، في محاولة لتوسيع دائرة الحرب بالزج بقوات الشرطة في معترك ليسوا طرفا فيه".

وكان هذا الظهور الأول لقوات الاحتياطي المركزي، منذ تفجر الصراع الدامي على السلطة بين قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، في منتصف أبريل، وبالتزامن مع دخول الاشتباكات بين الجانبين أسبوعها الثالث.

وأوقع الاقتتال ما لا يقل عن 528 قتيلا و4599 جريحا، وفق أرقام أعلنتها وزارة الصحة السودانية، السبت، لكن يرجح أن تكون الحصيلة أكبر من ذلك حسب الأمم المتحدة.

ونزح حوالي 75 ألف شخص الى الدول المجاورة، مصر وإثيوبيا وتشاد وجنوب السودان، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

شاركت قوات الاحتياطي المركزي في قمع الحركات المسلحة في دارفور وبعض مناطق كردفان

ما هي قوات "أبو طيرة"؟

محليا، تعرف قوات الاحتياطي المركزي باسم "أبو طيرة" نسبة إلى الطائر الذي يزين شعارها المميز، وهي قوة قتالية شاركت في قمع الحركات المسلحة في دارفور وبعض مناطق كردفان.

وفي دارفور تعود أصول أفراد الاحتياطي المركزي إلى مليشيات ساندت الحكومة المركزية أثناء قتالها المتمردين، وهذه القوات متهمة بارتكاب فظائع ضد مجموعات إثنية أفريقية بدعوى مساندة المتمردين، وفقا لـ"فرانس برس".

وشهد إقليم دارفور حربا دامية بدأت عام 2003 بين نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير، وبين متمردين ينتمون الى أقليات إثنية، مما أسفر عن مقتل 300 ألف شخص ونزوح 2.5 مليون آخرين، وفق الأمم المتحدة.

وكانت قوات الاحتياطي المركزي، في طليعة حملة القمع العنيفة لحركة احتجاجية في الخرطوم في يناير 2022، حيث أطلقت الذخيرة الحية على المتظاهرين، مما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة آخرين.

وفي مارس 2022، أعلنت الولايات المتحدة، فرض عقوبات على قوات الاحتياطي المركزي لارتكاب "انتهاكات خطرة لحقوق الإنسان" خلال قمع تظاهرات ضد المجلس العسكري الحاكم".

وقال المسؤول في وزارة الخزانة الأميركية، براين نيلسون، في بيان "منذ الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021، استخدمت قوات الاحتياطي المركزي السودانية القوة المفرطة والعنف لإسكات النشطاء والمتظاهرين المدنيين".

انتشار عناصر من قوات الاحتياطي المركزي

لماذا نزلت "أبو طيرة" للشوارع؟

في حديثه لموقع "الحرة"، يشير الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني، اللواء ركن أمين إسماعيل مجذوب، إلى مهام عدة لقوات الاحتياطي المركزي على رأسها "مكافحة الإرهاب، وضبط الأمن".

وبسبب عمليات المطاردة والتمشيط في الشوارع والأحياء ظهرت "مجموعات متفلتة تنهب الأسواق وتسلب المواطنين"، مما دفع الجيش السوداني إلى الاستعانة بتلك القوات لدحر ومحاربة هؤلاء المتفلتين وعودة العمل الجنائي لأقسام الشرطة المختلفة، وفقا لحديثه.

ويرى مجذوب أن وجود تلك القوات يهدف في الأساس لـ"فرض وتثبيت الأمن وطمأنة المواطنين في مواجهة هروب مساجين من السجون".

وقد تم تأسيس قوات الاحتياطي المركزي في البداية لـ"مكافحة الإرهاب"، وقد عملت سابقا في مناطق النزاع في دارفور وكردفان، وفي مواجهة التظاهرات بالخرطوم، وفقا لمجذوب.

ويقول إن تلك القوات ستواجه "الممارسات الإرهابية لقوات الدعم السريع"، على حد تعبيره.

وفي سياق متصل، يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني، العميد ساتي سوركتي، أن طبيعة العمليات في الخرطوم تتطلب تضافر وتوظيف واستخدام كافة "القوات"، لمحاصرة ومعالجة الموقف العملياتي والاقتتال داخل العاصمة، في مواجهة انتشار قوات الدعم السريع.

ويشير كذلك في حديثه لموقع "الحرة"، إلى أثار جانبية للاقتتال تظهر في "الانفلات الأمني العام"، مما يتطلب وجود قوات الاحتياطي المركزي.

ويقول إن غياب الاحتياطي المركزي من المشهد منذ اندلاع الاشتباكات كان "لافتا ودافعا لأحاديث الناس".

من جانبه يصف مدير معهد التحليل السياسي والعسكري بالخرطوم، الرشيد إبراهيم، تلك القوات بـ"نخبة قوات الشرطة"، نظرا لتدريبها العالي القادر على التعامل مع حالات العنف الجنائي.

وحسب تصريحاته لموقع الحرة، فقد نزلت تلك القوات للشوارع والأحياء لمواجهة "عصابات النهب والسلب والسرقة المنظمة" التي تحتاج لتعامل دقيق.

ويشير إلى أن مهام تلك القوات تتعلق بـ"تأمين حياة المواطنين ومنع عمليات السلب والنهب للبيوت التي غادرها أصحابها، وكذلك حماية الأسواق والمحال التجارية".

هل يؤدي نزول قوات الاحتياطي المركزي لتوسيع دائرة الاقتتال في السودان؟

توسيع دائرة الاقتتال؟

يرى مجذوب أن تلك القوات سوف تساند عمل الشرطة، بعد الاعتداء على الأقسام والسجون من قبل "قوات الدعم السريع".

ويشير إلى أن "الهيئة التي ظهرت بها القوات، بما يتعلق بحجم التسليح وعدد ونوعية المركبات، مشابهة لما تملكه الدعم السريع".

ويقول "ستدافع قوات الاحتياطي المركزي عن نفسها إذا تعرضت لأي اعتداءات من الدعم السريع".

فيما يشدد سوركتي على أن "أبو طيرة" قادرة على مواجهة قوات الدعم السريع، ولديها تدريبات قتالية كبيرة وخبرات عملياتية عالية، اكتسبتها من عملها في مناطق نزاع مثل دارفور وكردفان.

ويتوقع توظيف تلك القوات في مواجهة "الظرف العملياتي الحالي".

وعلى جانب آخر، يشير إبراهيم إلى أن تلك القوات ستقوم بـ"واجبات الشرطة"، لكنها لن تشارك في المواجهات والاشتباكات التي هي من مهام الجيش في المقام الأول.

الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي
الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي

في خضم الحرب الطاحنة التي يخوضها الجيش السوداني مع قوات الدعم السريع، يعتزم رئيس مجلس السيادة، الفريق عبدالفتاح البرهان، طرح وثيقة دستورية جديدة للبلاد.

وأعلن مساعد قائد الجيش السوداني، ياسر العطا، السبت، في مقابلة تلفزيونية عن رغبة البرهان في تقديم وثيقة دستورية جديدة قائلا إن العمل عليها يجري "بسرعة كبيرة جدا".

وقال العطا إنه "تم التوافق على صيغة دستورية (جديدة) لإدارة الفترة التأسيسية الانتقالية للحكم الديمقراطي"، مشيرا إلى أن الإعلان الدستوري الجديد يؤسس لـ "إعادة صياغة مجلس السيادة وتعيين رئيس وزراء مستقل وهو بدوره يعين حكومته من كفاءات مستقلة".

ويرى محللون أن هذه الخطوة تهدف "لترسيخ حكم السلطة العسكرية" في السودان من خلال صياغة وثيقة دستورية جديدة يكون الغلبة فيها لجنرالات الجيش.

ويصف الباحث البارز المتخصص بالشؤون الأفريقية، محمد تورشين، قرار صياغة وثيقة جديدة بـ "التخبط الجديد" الذي يصدر من الجيش في إبان الحرب.

وقال تورشين لموقع قناة "الحرة" إن "الغرض من هذه الوثيقة هو محاولة السيطرة فعليا على السلطة وترسيخ الحكم العسكري من خلال إلغاء الوثيقة السابقة".

وأضاف: "الوثيقة الدستورية الجديدة سيكون الغلبة فيها للجنرالات بمجلس السيادة، ما يعني أن رئيس الوزراء الجديد الذي سيتم تعيينه سيدين بالولاء لهم".

الخبير الاستراتيجي المصري، اللواء متقاعد محمد عبدالواحد، يذهب في الاتجاه ذاته قائلا إن دلالات الإعلان في هذا التوقيت تشير إلى أن الجيش "يريد إحكام السيطرة الشرعية الكاملة" على البلاد.

وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن البرهان "يريد إضفاء شرعية على نظامه وأن يذكر الدستور اختصاصاته بحيث لا يتم التعامل دوليا مع أطراف أخرى داخل السودان".

ما هي الوثيقة الأولى؟

تدور الحرب الأهلية في السودان بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي، مما أسفر عن مقتل آلاف السودانيين ونزوح نحو 8 ملايين آخرين.

في أعقاب ثورة أطاحت بحكم الرئيس الإسلامي السابق، عمر البشير، أبرم العسكريون والمدنيون السودانيون وثيقة دستورية في أغسطس 2019 كان يفترض أن تؤسس لمرحلة انتقالية مدتها 39 شهرا.

بموجب تلك الوثيقة، يتولى الجيش السلطة على المستوى السيادي بينما تقود حكومة مدنية ومجلس تشريعي الفترة الانتقالية.

وتأسس مجلس السيادة السوداني الذي يفترض أن يقود المرحلة الانتقالية برئاسة الفريق البرهان ونائبه السابق حميدتي، فيما تم تنصيب الخبير الاقتصادي، عبدالله حمدوك، رئيسا للوزراء لقيادة حكومة انتقالية البلاد.

لكن تلك المرحلة لم تستمر طويلا بعد انقلاب قاده البرهان وحميدتي في أكتوبر عام 2021 وتم من خلاله بالإطاحة بالقوى المدنية من الحكومة، ما أثار إدانة دولية واسعة النطاق.

ومنذ ذلك الوقت، تفاقمت مشاكل السودان التي شهدت احتجاجات دورية مناهضة للانقلاب، علاوة على أزمة اقتصادية مستفحلة وصدامات قبلية متزايدة بالمناطق النائية.

ولكن المشهد في السودان انفجر في منتصف أبريل 2023 بعد أن دخل حليفا الأمس، حربا دامية وضعت البلاد في مواجهة "واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في الذاكرة الحديثة"، وفقا للأمم المتحدة.

ومؤخرا، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها المتزايد إزاء تقارير عن قتال عنيف في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة فيما تسعى قوات الدعم السريع للسيطرة على الفاشر، آخر مدينة رئيسية بإقليم دارفور في غرب البلاد لا تخضع لسيطرتها.

وقال اللواء عبدالواحد إن "الظروف في السودان صعبة للغاية" وأن البلاد "ليس بحاجة للوثيقة الدستورية بعد تطورات الحرب".

وتابع: "الحالة العسكرية سيئة للغاية والحديث عن اقتراب حميدي من السيطرة على الفاشر وبالتالي ستكون دارفور سقطت بالكامل في أيدي الدعم السريع".

"تداعيات"

وشدد عبدالواحد على الأهمية الاستراتيجية لإقليم دارفور على اعتبار أنه يشكل مساحة كبيرة من السودان ويربط المناطق الشرقية للبلاد، علاوة على أنه حدودي مع ليبيا وتشاد وأفريقيا والوسطى.

ومضى قائلا: "كثير من التوقعات تشير إلى أن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر ربما يعجل بإعلان حميدتي عن دولة من دارفور ويبدأ التقسيم ... والبرهان هو الآخر حريص على تحصين نفسه في المناطق الشرقية".

والفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور تعتبر مركزا رئيسيا للمساعدات الإنسانية بالإقليم الواقع في غرب السودان والذي يعيش فيه ربع سكان البلاد البالغ عددهم 48 مليون نسمة.

وشهدت في هذا الشهر معارك عنيفة على الرغم من دعوات أممية متكررة للطرفين المتحاربين بتجنيبها القتال.

ويشير تورشين إلى أنه "ينبغي على الجيش الحديث على ضرورة التوصل لتسوية مع قوات الدعم السريع بدلا من الاستئثار بالسلطة"، معتبرا أن "ترسيخ حكم المؤسسة العسكرية أمر مرفوض تماما".

وقال إن مسألة "تهور الجيش" بطرح وثيقة دستورية جديدة في خضم الحرب التي تعيشها السودان سيكون لها تداعيات حتى على الداعمين للمؤسسة العسكرية.

وتابع: "ربما تعيد بعض المجموعات السياسية التي دعمت الجيش النظر في دعمها المطلق للجيش نتيجة هذا التهور".