الولايات المتحدة تجلي أميركيين من السودان عبر البحر
الولايات المتحدة تجلي أميركيين من السودان عبر البحر

قوافل حافلات، مراقبة عبر استطلاع جوي، أوصلت مواطنين أميركيين موجودين في السودان خلال عمليات الإجلاء الجوية والبرية بسبب المعارك التي تدور بين القوى العسكرية في البلاد.

وتدور المعارك في السودان منذ منتصف أبريل بين الجيش السوداني بقيادة، عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 500 شخص وإصابة الآلاف ونزوح نحو 75 ألفا.

وزارة الخارجية الأميركية أعلنت أن قافلة من مئات الأميركيين وصلت إلى مدينة ساحلية بشرق السودان، حيث جرت أول جهود إجلاء لأميركيين متواجدين في السودان.

وخلال الأيام الماضية تأكد مقتل اثنين من الأميركيين في المعارك، أحدمها كان مدنيا أميركيا، والأخر طبيب تعرض للطعن حتى الموت أمام منزله حيث انتشرت أعمال العنف مع غياب تطبيق القانون.

حافلات مراقبة بالطائرات المسيرة

السلطات الأميركية تعاقدت مع حافلات راقبتها بالطائرات المسيرة. أرشيفية

وضمت قافلة الحافلات التي وصلت إلى بورتسودان السبت 300 شخصا، بعدما غادروا الخرطوم في وقت متأخر الجمعة، بحسب تقرير نشرته شبكة "أن بي أر".

وقال المتحدث باسم الخارجية، ماثير ميللر، في بيان إن "الأميركيين يمكنهم عبور البحر الأحمر من بورتسودان إلى ميناء جدة في السعودية".

وسينتظر مسؤولوا القنصلية الأميركية في السعودية الأميركيين بمجرد وصولهم إلى ميناء جدة.

وكشف مسؤول من وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" أن هذه القافلة ضمت غالبيتها مجموعة من الأميركيين إضافة إلى بعض الألمان والنرويجيين.

وأوضح أنه تم التعاقد مع سبع حافلات ومراقبتها عن طريق "طائرات مسيرة مسلحة" طوال الطريق، فيما تعاقدت الحكومة الأميركية بالمجمل مع 16 حافلة في المجموعة حيث ستستخدم بقية الحافلات في حال الحاجة لقوافل إجلاء أخرى.

وأشار المسؤول الأميركي إلى أن قوات من الدعم السريع ساعدت قافلة الحافلات بثلاث مركبات للمساعدة في تأمينها عبر نقاط التفتيش.

وقال مسؤولون أميركيون إن الطائرات المسيرة كانت تراقب مسار طرق إخلاء الحافلات البرية لعدم أيام، وفق وكالة أسوشيتد برس.

وهذه ليست عملية الإجلاء الأولى التي تجريها الولايات المتحدة من السودان، إذ قامت في 22 أبريل قوة عمليات خاصة أميركية بالتوجه للعاصمة الخرطوم لنقل موظفين أميركيين جوا، فيما ترك العديد من المواطنين الذين يحملون جنسيات مزدوجة في السودان، بحسب تقرير تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس.

16 ألف أميركي في السودان

الخارجية الأميركية تحض الأميركيين الراغبين بمغادرة السودان على التواصل معها

ويشير تقرير آخر لشبكة "أن بي أر" إلى وجود حوالي 16 ألف أميركي مسجلين في السودان، فيما قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية، فيدانت باتيل الجمعة إن نحو خمسة آلاف شخص على اتصال بالوزارة بشأن الجهود المبذولة للإجلاء، مشيرا إلى تعذر التحقق من عدد الرعايا الموجودين في البلد والذين يرغبون في المغادرة.

ودعت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارين جان بيير، الخميس الأميركيين الموجودين في السودان الذين يرغبون في المغادرة إلى الاستفادة من الخيارات المتاحة أمامهم خلال الـ48 ساعة المقبلة، وفق تقرير لشبكة "أيه بي سي نيوز".

قبل ذلك، أعلن وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، الاثنين، أن "عشرات" الأميركيين يأملون في المغادرة وأن معظم الذين بقوا في السودان مزدوجو الجنسية.

وأضافت وزارة الخارجية الأميركية "بعثنا برسالة إلى كل مواطن أميركي في السودان تواصل معنا خلال الأزمة وقدمنا توجيهات محددة حول المشاركة في هذه القافلة إلى المهتمين بالمغادرة برا".

وحض البيان المواطنين الأميركيين الراغبين في المغادرة على الاتصال بوزارة الخارجية الأميركية.

الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي
الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي

في خضم الحرب الطاحنة التي يخوضها الجيش السوداني مع قوات الدعم السريع، يعتزم رئيس مجلس السيادة، الفريق عبدالفتاح البرهان، طرح وثيقة دستورية جديدة للبلاد.

وأعلن مساعد قائد الجيش السوداني، ياسر العطا، السبت، في مقابلة تلفزيونية عن رغبة البرهان في تقديم وثيقة دستورية جديدة قائلا إن العمل عليها يجري "بسرعة كبيرة جدا".

وقال العطا إنه "تم التوافق على صيغة دستورية (جديدة) لإدارة الفترة التأسيسية الانتقالية للحكم الديمقراطي"، مشيرا إلى أن الإعلان الدستوري الجديد يؤسس لـ "إعادة صياغة مجلس السيادة وتعيين رئيس وزراء مستقل وهو بدوره يعين حكومته من كفاءات مستقلة".

ويرى محللون أن هذه الخطوة تهدف "لترسيخ حكم السلطة العسكرية" في السودان من خلال صياغة وثيقة دستورية جديدة يكون الغلبة فيها لجنرالات الجيش.

ويصف الباحث البارز المتخصص بالشؤون الأفريقية، محمد تورشين، قرار صياغة وثيقة جديدة بـ "التخبط الجديد" الذي يصدر من الجيش في إبان الحرب.

وقال تورشين لموقع قناة "الحرة" إن "الغرض من هذه الوثيقة هو محاولة السيطرة فعليا على السلطة وترسيخ الحكم العسكري من خلال إلغاء الوثيقة السابقة".

وأضاف: "الوثيقة الدستورية الجديدة سيكون الغلبة فيها للجنرالات بمجلس السيادة، ما يعني أن رئيس الوزراء الجديد الذي سيتم تعيينه سيدين بالولاء لهم".

الخبير الاستراتيجي المصري، اللواء متقاعد محمد عبدالواحد، يذهب في الاتجاه ذاته قائلا إن دلالات الإعلان في هذا التوقيت تشير إلى أن الجيش "يريد إحكام السيطرة الشرعية الكاملة" على البلاد.

وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن البرهان "يريد إضفاء شرعية على نظامه وأن يذكر الدستور اختصاصاته بحيث لا يتم التعامل دوليا مع أطراف أخرى داخل السودان".

ما هي الوثيقة الأولى؟

تدور الحرب الأهلية في السودان بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي، مما أسفر عن مقتل آلاف السودانيين ونزوح نحو 8 ملايين آخرين.

في أعقاب ثورة أطاحت بحكم الرئيس الإسلامي السابق، عمر البشير، أبرم العسكريون والمدنيون السودانيون وثيقة دستورية في أغسطس 2019 كان يفترض أن تؤسس لمرحلة انتقالية مدتها 39 شهرا.

بموجب تلك الوثيقة، يتولى الجيش السلطة على المستوى السيادي بينما تقود حكومة مدنية ومجلس تشريعي الفترة الانتقالية.

وتأسس مجلس السيادة السوداني الذي يفترض أن يقود المرحلة الانتقالية برئاسة الفريق البرهان ونائبه السابق حميدتي، فيما تم تنصيب الخبير الاقتصادي، عبدالله حمدوك، رئيسا للوزراء لقيادة حكومة انتقالية البلاد.

لكن تلك المرحلة لم تستمر طويلا بعد انقلاب قاده البرهان وحميدتي في أكتوبر عام 2021 وتم من خلاله بالإطاحة بالقوى المدنية من الحكومة، ما أثار إدانة دولية واسعة النطاق.

ومنذ ذلك الوقت، تفاقمت مشاكل السودان التي شهدت احتجاجات دورية مناهضة للانقلاب، علاوة على أزمة اقتصادية مستفحلة وصدامات قبلية متزايدة بالمناطق النائية.

ولكن المشهد في السودان انفجر في منتصف أبريل 2023 بعد أن دخل حليفا الأمس، حربا دامية وضعت البلاد في مواجهة "واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في الذاكرة الحديثة"، وفقا للأمم المتحدة.

ومؤخرا، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها المتزايد إزاء تقارير عن قتال عنيف في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة فيما تسعى قوات الدعم السريع للسيطرة على الفاشر، آخر مدينة رئيسية بإقليم دارفور في غرب البلاد لا تخضع لسيطرتها.

وقال اللواء عبدالواحد إن "الظروف في السودان صعبة للغاية" وأن البلاد "ليس بحاجة للوثيقة الدستورية بعد تطورات الحرب".

وتابع: "الحالة العسكرية سيئة للغاية والحديث عن اقتراب حميدي من السيطرة على الفاشر وبالتالي ستكون دارفور سقطت بالكامل في أيدي الدعم السريع".

"تداعيات"

وشدد عبدالواحد على الأهمية الاستراتيجية لإقليم دارفور على اعتبار أنه يشكل مساحة كبيرة من السودان ويربط المناطق الشرقية للبلاد، علاوة على أنه حدودي مع ليبيا وتشاد وأفريقيا والوسطى.

ومضى قائلا: "كثير من التوقعات تشير إلى أن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر ربما يعجل بإعلان حميدتي عن دولة من دارفور ويبدأ التقسيم ... والبرهان هو الآخر حريص على تحصين نفسه في المناطق الشرقية".

والفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور تعتبر مركزا رئيسيا للمساعدات الإنسانية بالإقليم الواقع في غرب السودان والذي يعيش فيه ربع سكان البلاد البالغ عددهم 48 مليون نسمة.

وشهدت في هذا الشهر معارك عنيفة على الرغم من دعوات أممية متكررة للطرفين المتحاربين بتجنيبها القتال.

ويشير تورشين إلى أنه "ينبغي على الجيش الحديث على ضرورة التوصل لتسوية مع قوات الدعم السريع بدلا من الاستئثار بالسلطة"، معتبرا أن "ترسيخ حكم المؤسسة العسكرية أمر مرفوض تماما".

وقال إن مسألة "تهور الجيش" بطرح وثيقة دستورية جديدة في خضم الحرب التي تعيشها السودان سيكون لها تداعيات حتى على الداعمين للمؤسسة العسكرية.

وتابع: "ربما تعيد بعض المجموعات السياسية التي دعمت الجيش النظر في دعمها المطلق للجيش نتيجة هذا التهور".