سودانيون يأملون في مغادرة البلاد
سودانيون يأملون في مغادرة البلاد

حاول المهندس السوداني ياسر (26 عاما) الحصول على رد من السفارة الهندية في الخرطوم، التي أجلت رعاياها مؤخرا، لاسترداد جواز سفره لكن لم يتلق ردا حتى الآن.

وياسر، طالب الدراسات العليا المقيم في أم درمان، من بين عدد من السودانيين باتوا عاجزين عن استرداد جوازات سفرهم بعد أن أغلقت سفارة غربية أبوابها من جراء أحداث العنف المتصاعدة في السودان منذ 15 أبريل.

ويروي ياسر، الذي تواصل معه موقع الحرة عبر تويتر، أنه سلم السفارة في الخرطوم جواز سفره وشهادة التخرج من الجامعة من أجل الحصول على التوثيق بتاريخ الخامس من مارس الماضي.

وكان يفترض أن يحصل على الوثائق بتاريخ 16 أبريل الماضي، لكن الاشتباكات غيَّرت كل شيء.

وكانت شبكة "سي أن أن" أوردت في تقرير لها حالات عدد من السودانيين تقطعت بهم السبل في السودان بعد انسحاب موظفي السفارات دون إعادة جوازات السفر التي تم تسليمها لها أثناء التقدم بطلبات الحصول على تأشيرات.

ووفقا لتسع شهادات اطلعت عليها "سي أن أن"، لم تسلم ثلاث بعثات غربية على الأقل وثائق سفر سودانيين.

وتورد أن بعض موظفي السفارات نصحوا المتقدمين بـ"التقدم للحصول على جواز سفر سوداني جديد" رغم توقف الخدمات الحكومية السودانية.

واقترح مسؤول سويدي أن يستخدم طالب تأشيرة سوداني صورة من جواز سفره بدلا من الجواز الأصلي.

وأكدت وزارة الخارجية الهولندية لشبكة "سي أن أن" ترك "عدد من جوازات السفر السودانية" في السفارة بعد إغلاقها بسبب النزاع، مشيرة إلى أنها تدرس "احتمالات تقديم الدعم الفردي".

وقالت وزارة الخارجية الإيطالية إنها على علم بالمشكلة، وستحاول إعادة جوازات السفر للمواطنين السودانيين "في أقرب وقت ممكن".

وقالت وزارة الخارجية السويدية إنها "لا تستطيع التعليق بالتفصيل على الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السفارة قبل نقلها، لأن هذا من شأنه أن يلغي الهدف من تلك الإجراءات".

وكان "ياسر"، المتخصص في الهندسة الكيميائية، قد تقدم بطلب للحصول على تأشيرة دراسة للحصول على الماجستير في الهند.

ويشير الصحفي السوداني، محمد أبوبكر، في مقابلة عبر الهاتف مع موقع الحرة، إلى أن معظم السفارات تقع في أماكن الاشتباكات، لذلك يصعب عليها التصرف إزاء هذا الوضع.

ويوضح أن السفارة الهندية تحديدا تقع في أقرب نقطة للاشتباكات في شارع المطار وفي محيط مبنى القيادة، لذلك ليس مستغربا ألا يكون هناك أحد من ضمن العاملين.

وكانت وزارة الشؤون الخارجية الهندية أعلنت أنها أجلت "قرابة 2400" مواطن هندي من السودان منذ اندلاع الصراع. 

وتورد "سي أن أن" قصة "فاطمة" التي قتل شخصان في حيها بشرق الخرطوم، وتسعى للسفر إلى إيطاليا، إلا أن وثائق سفرها معلقة في سفارتها، وقالت: "ما زلت أحاول التواصل معهم، في محاولة لتوضيح أن هذا وضع حرج.. بالطبع لن تسمح أي دولة للناس بدخول أراضيها من دون جواز سفر ساري المفعول".

وتشير إلى حالة "عبد الله" الذي طالب السفارة الهولندية بإعادة جواز سفره، ونصحته "بتقديم طلب للحصول على جواز سفر جديد لدى السلطات المحلية".

وقال المخرج أحمد محمود إن السفارة السويدية تحتفظ بجواز سفره منذ أن تقدم بطلب للحصول على تأشيرة لحضور مهرجان في السويد، وأبلغته موظفة هناك بصعوبة الوصول إلى جواز سفر بعد إخلاء المبنى، وفقا لمقتطفات من رسائل هاتفية اطلعت عليها الشبكة.

وكثفت البلدان العربية والأجنبية الجهود لإجلاء موظفيها ورعاياها من السودان منذ اندلاع الصراع بين قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وأبلغ مسؤولان أميركيان وكالة رويترز، الأحد، أن الولايات المتحدة أرسلت سفينة تابعة للبحرية إلى السودان للمساعدة في إجلاء المواطنين الأميركيين الذين تقطعت بهم السبل هناك.

وأعلنت لندن، الأحد، تنظيم رحلة جوية إضافية لإجلاء رعاياها من السودان، ووعدت بتقديم "دعم مستمر" للبريطانيين الذين ما زالوا هناك.

وتتضاءل يوميا آمال المدنيين في الفرار من خلال طرق آمنة وقانونية، مع استمرار الاشتباكات على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار بين الجنرالين المتحاربين.

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.