أثار الدمار في سوق الجنينة عاصمة غرب دارفور في 29 أبريل 2023
أثار الدمار في سوق الجنينة عاصمة غرب دارفور في 29 أبريل 2023

يعاني إقليم دارفور، الواقع غرب السودان، من أزمة إنسانية ومجتمعية خلفتها اشتباكات حادة بين قبائل محلية متناحرة في بعض المناطق، وبين الجيش وقوات الدعم السريع في مناطق أخرى، مما يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الدامية التي شهدها الإقليم عام 2003، وتسببت في مقتل الآلاف ونزوح ملايين.

وضع مروع؟

ووصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، القتال في إقليم دارفور بأنه "مروع"، وقال "المجتمع ينهار، ونرى القبائل تحاول الآن تسليح نفسها".

ومنذ الاثنين الماضي، قتل زهاء 100 شخص في غرب دارفور، بحسب الأمم المتحدة.

كما تتزايد أعمال النهب والتدمير وإضرام الحرائق، بما في ذلك داخل مخيمات النازحين، بحسب ما نقلته "فرانس برس" عن نائب مدير منظمة أطباء بلا حدود في السودان، سيلفان بيرون.

وأشارت وزارة الصحة السودانية إلى "تسبب الصراع القبلي المسلح" في تدمير مستشفى الجنينة الرئيسي، وإتلاف ما بها من ممتلكات وعربات وأجهزة".

ماذا يحدث في دارفور؟

في حديثه لموقع "الحرة" يكشف الصحفي السوداني، محمد الياس، عن وضع "متأزم ومتشابك" في الإقليم، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. 

ففي الجنينة، بغرب دارفور، تدور اشتباكات مستمرة، لها جذور تاريخية بين قبيلة "المساليت" وقبائل عربية، ومؤخرا تدخلت أطراف "أخرى" لإشعال فتيل "الحرب القبلية" ولجأ بعض المواطنين لكسر مخازن أسلحة تابعة للجيش السوداني وتسليح أنفسهم، وفق الياس.

ويقول الياس: "الأوضاع مأساوية في الجنينة، وهناك عدد كبير من الضحايا، ويوجد نزوح وهروب جماعي للأهالي من أجواء الاقتتال".

وفي الفاشر بشمال دارفور، اندلعت اشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، قبل أن يتدخل والي المدينة لاحتواء الأمر، وإيقاف الاقتتال.

وفي الضعين بشرق كارفور، لا توجد اشتباكات حاليا بعد اتفاق الهدنة بين الجيش والدعم السريع.

والحال نفسها في نيالا بجنوب الإقليم، حيث الأوضاع حاليا هادئة، بحسب شهادة الياس.

أزمة تاريخية؟

يتحدث الخبير الاستراتيجي السوداني، بابكر يوسف، لموقع "الحرة"، عن جذور تاريخية للأزمة في إقليم دارفور.

ويقول "منذ زمن بعيد وهناك صراعات قبلية مسلحة بمنطقة غرب دارفور، المجاور لحدود تشاد، نظرا لعداوات قديمة بين القبائل بسبب الصراع على المراعي ومصادر المياه".

وتلك الصراعات متكررة وتنشط كلما بات الوضع الأمني "هشا" في السودان، وجاءت الاشتباكات الأخيرة بين الجيش والدعم السريع لـ"تزكيها من جديد"، حسب يوسف.

ويشير إلى "انخراط أعداد كبيرة من أبناء القبائل في قوات الدعم السريع، وحملهم السلاح وتحويله لخدمة أجندة قبائلهم، مما أشعل الأوضاع في غرب دارفور من جديد".

ويرى الخبير الاستراتيجي أن "غياب الحكومة وانشغال الجيش بقتال قوات الدعم السريع في الخرطوم قد تسبب انفجار الأوضاع بغرب الإقليم"، مما ينذر بقيام صراع مسلح ربما يمتد إلى أواسط دارفور.

أوضاع مقلقة؟

في حديثه لموقع "الحرة" يصف الخبير الاستراتيجي والعسكري، اللواء كمال إسماعيل، الأوضاع في إقليم دارفور بـ"الخطيرة والمزرية والمقلقة".

وتختلف دارفور عن باقي أقاليم السودان بعد تعرضها لأزمات متعددة ومتعاقبة بداية من "حروب إبادة" مرورا بـ"أزمات نزوح" ختاما بـ"أوضاع اجتماعية هشة وضغائن بين القبائل"، وبالتالي فالإقليم مرشح دائما للتعرض إلى "الانفلات"، حسب الخبير الاستراتيجي.

ويشير إلى أن الوضع العام في دارفور "مزري"، ويقول "بالإضافة لأزمات اللجوء والنزوح التي لم يتم علاجها، يعاني الأهالي من انقطاع المياه والكهرباء وغياب الدواء ونقص الغذاء، وتصفيه الحسابات بين القبائل".

وتحسنت الأوضاع في الإقليم مقارنة بالأيام الماضية، بعد توقف القتال في غالبيه المدن نتيجة "الهدنة"، لكن "جذور المشكلة لم يتم علاجها"، ولذلك فالانفجار ممكن في أي لحظة، حسب إسماعيل.

لكن على جانب آخر، يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني، اللواء ركن أمين إسماعيل مجذوب، أن الأوضاع هادئة تماما في كامل إقليم دارفور، بعد توقف القتال بين جميع الأطراف المتناحرة.

ومنذ عامين، شهدت مدينة الجنينة اشتباكات قبلية بين قوات الدعم السريع وقبائل المنطقة بسبب "صراع على الموارد، والمناطق الزراعية وملكية الأراضي"، وتجددت تلك الاشتباكات بعد التطورات التي وقعت مؤخرا، وفقا لحديث مجذوب لموقع "الحرة".

ويقول "عندما وقع الاقتتال بين الدعم الجيش والدعم السريع، حاولت الأخيرة الاشتباك مع فرق تابعة للقوات المسلحة في الإقليم".

ووقتها انحازت قبائل غرب دارفور للقوات المسلحة، وتوسعت الاشتباكات لتشمل "قبائل داعمة للجيش وأخرى تدعم الدعم السريع"، وأصبح الصراع "قبليا"، حسبما يوضح مجذوب.

ويشير في حديثه إلى تدخل لجنة الأمن في الإقليم، ونشرها قوات للفصل بين المجموعات المتناحرة كافة، لتهدأ الأوضاع تماما في غرب دارفور.

ويقول الخبير العسكري "لا يوجد حاليا في دافور أي صراع بين قبائل أو مجموعات مسلحة".

سيناريو 2003؟

شهد إقليم دارفور حربا دامية بدأت عام 2003 بين نظام الرئيس السوداني السابق، عمر البشير، ومتمردين ينتمون إلى أقليات إثنية، مما أسفر عن مقتل 300 ألف شخص ونزوح 2.5 مليون آخرين، وفق الأمم المتحدة.

ولجأ البشير في هذه الحرب إلى تشكيل ميليشيا "الجنجويد"، التي تطورت لاحقا إلى قوات الدعم السريع، التي تم إنشاؤها رسميا في عام 2013.

ولا يرجح مجذوب "تكرار سيناريو الحرب الأهلية والاقتتال في دارفور".

ويقول "لا يوجد أي أزمة في الإقليم، ولا يوجد انهيار مجتمعي، والسودان غير قادر على خوض سباق تسلح بين القبائل".

لكن على جانب آخر، يرى إسماعيل أن ذلك السيناريو "مرشح للتكرار"، ويقول "الوضع حاليا هادئ لكنه مرشح للانفجار، وما حدث في 2003 يمكن أن يتكرر من جديد".

ويرجع الخبير العسكري ترجيحاته لعدم وضع حلول جذرية للأزمة التي يشهدها الإقليم منذ عقدين.

ويقول "لم يتم وضع حلول تفرض التعايش السلمي بين القبائل، ولم يتم حتى الآن حل أزمة النازحين واللاجئين".

ويطالب بـ"إغاثة أهالي دارفور ومساعدتهم إنسانيا، والجمع بين زعماء القبائل لمنع العدائيات وفرض وقف طويل لإطلاق النار".

ومن جانبه يحذر يوسف من "امتداد شرارة القتال" في دارفور لتطال أجزاء واسعة من السودان، ويقول إن ذلك السيناريو "مرجح " إذا لم يتم تدارك أثار الأزمة في الإقليم.

الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي
الحرب في السودان انطلعت منتصف أبريل من العام الماضي

في خضم الحرب الطاحنة التي يخوضها الجيش السوداني مع قوات الدعم السريع، يعتزم رئيس مجلس السيادة، الفريق عبدالفتاح البرهان، طرح وثيقة دستورية جديدة للبلاد.

وأعلن مساعد قائد الجيش السوداني، ياسر العطا، السبت، في مقابلة تلفزيونية عن رغبة البرهان في تقديم وثيقة دستورية جديدة قائلا إن العمل عليها يجري "بسرعة كبيرة جدا".

وقال العطا إنه "تم التوافق على صيغة دستورية (جديدة) لإدارة الفترة التأسيسية الانتقالية للحكم الديمقراطي"، مشيرا إلى أن الإعلان الدستوري الجديد يؤسس لـ "إعادة صياغة مجلس السيادة وتعيين رئيس وزراء مستقل وهو بدوره يعين حكومته من كفاءات مستقلة".

ويرى محللون أن هذه الخطوة تهدف "لترسيخ حكم السلطة العسكرية" في السودان من خلال صياغة وثيقة دستورية جديدة يكون الغلبة فيها لجنرالات الجيش.

ويصف الباحث البارز المتخصص بالشؤون الأفريقية، محمد تورشين، قرار صياغة وثيقة جديدة بـ "التخبط الجديد" الذي يصدر من الجيش في إبان الحرب.

وقال تورشين لموقع قناة "الحرة" إن "الغرض من هذه الوثيقة هو محاولة السيطرة فعليا على السلطة وترسيخ الحكم العسكري من خلال إلغاء الوثيقة السابقة".

وأضاف: "الوثيقة الدستورية الجديدة سيكون الغلبة فيها للجنرالات بمجلس السيادة، ما يعني أن رئيس الوزراء الجديد الذي سيتم تعيينه سيدين بالولاء لهم".

الخبير الاستراتيجي المصري، اللواء متقاعد محمد عبدالواحد، يذهب في الاتجاه ذاته قائلا إن دلالات الإعلان في هذا التوقيت تشير إلى أن الجيش "يريد إحكام السيطرة الشرعية الكاملة" على البلاد.

وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن البرهان "يريد إضفاء شرعية على نظامه وأن يذكر الدستور اختصاصاته بحيث لا يتم التعامل دوليا مع أطراف أخرى داخل السودان".

ما هي الوثيقة الأولى؟

تدور الحرب الأهلية في السودان بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي، مما أسفر عن مقتل آلاف السودانيين ونزوح نحو 8 ملايين آخرين.

في أعقاب ثورة أطاحت بحكم الرئيس الإسلامي السابق، عمر البشير، أبرم العسكريون والمدنيون السودانيون وثيقة دستورية في أغسطس 2019 كان يفترض أن تؤسس لمرحلة انتقالية مدتها 39 شهرا.

بموجب تلك الوثيقة، يتولى الجيش السلطة على المستوى السيادي بينما تقود حكومة مدنية ومجلس تشريعي الفترة الانتقالية.

وتأسس مجلس السيادة السوداني الذي يفترض أن يقود المرحلة الانتقالية برئاسة الفريق البرهان ونائبه السابق حميدتي، فيما تم تنصيب الخبير الاقتصادي، عبدالله حمدوك، رئيسا للوزراء لقيادة حكومة انتقالية البلاد.

لكن تلك المرحلة لم تستمر طويلا بعد انقلاب قاده البرهان وحميدتي في أكتوبر عام 2021 وتم من خلاله بالإطاحة بالقوى المدنية من الحكومة، ما أثار إدانة دولية واسعة النطاق.

ومنذ ذلك الوقت، تفاقمت مشاكل السودان التي شهدت احتجاجات دورية مناهضة للانقلاب، علاوة على أزمة اقتصادية مستفحلة وصدامات قبلية متزايدة بالمناطق النائية.

ولكن المشهد في السودان انفجر في منتصف أبريل 2023 بعد أن دخل حليفا الأمس، حربا دامية وضعت البلاد في مواجهة "واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في الذاكرة الحديثة"، وفقا للأمم المتحدة.

ومؤخرا، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها المتزايد إزاء تقارير عن قتال عنيف في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة فيما تسعى قوات الدعم السريع للسيطرة على الفاشر، آخر مدينة رئيسية بإقليم دارفور في غرب البلاد لا تخضع لسيطرتها.

وقال اللواء عبدالواحد إن "الظروف في السودان صعبة للغاية" وأن البلاد "ليس بحاجة للوثيقة الدستورية بعد تطورات الحرب".

وتابع: "الحالة العسكرية سيئة للغاية والحديث عن اقتراب حميدي من السيطرة على الفاشر وبالتالي ستكون دارفور سقطت بالكامل في أيدي الدعم السريع".

"تداعيات"

وشدد عبدالواحد على الأهمية الاستراتيجية لإقليم دارفور على اعتبار أنه يشكل مساحة كبيرة من السودان ويربط المناطق الشرقية للبلاد، علاوة على أنه حدودي مع ليبيا وتشاد وأفريقيا والوسطى.

ومضى قائلا: "كثير من التوقعات تشير إلى أن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر ربما يعجل بإعلان حميدتي عن دولة من دارفور ويبدأ التقسيم ... والبرهان هو الآخر حريص على تحصين نفسه في المناطق الشرقية".

والفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور تعتبر مركزا رئيسيا للمساعدات الإنسانية بالإقليم الواقع في غرب السودان والذي يعيش فيه ربع سكان البلاد البالغ عددهم 48 مليون نسمة.

وشهدت في هذا الشهر معارك عنيفة على الرغم من دعوات أممية متكررة للطرفين المتحاربين بتجنيبها القتال.

ويشير تورشين إلى أنه "ينبغي على الجيش الحديث على ضرورة التوصل لتسوية مع قوات الدعم السريع بدلا من الاستئثار بالسلطة"، معتبرا أن "ترسيخ حكم المؤسسة العسكرية أمر مرفوض تماما".

وقال إن مسألة "تهور الجيش" بطرح وثيقة دستورية جديدة في خضم الحرب التي تعيشها السودان سيكون لها تداعيات حتى على الداعمين للمؤسسة العسكرية.

وتابع: "ربما تعيد بعض المجموعات السياسية التي دعمت الجيش النظر في دعمها المطلق للجيش نتيجة هذا التهور".