بسبب الاقتتال انتقل 75 ألف شخص الى مناطق أخرى في السودان
بسبب الاقتتال انتقل 75 ألف شخص الى مناطق أخرى في السودان

منذ اندلاع الاقتتال بين الجيش السوداني، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع، بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، في منتصف أبريل الماضي، أعلن طرفا النزاع عن هدن عدة لم يتم الالتزام بها، تبادلا الاتهامات بانتهاكها، ويوضح خبير بالقانون الدولي لموقع "الحرة" آليات إنجاح الهدن وسبل "إنفاذ السلام".

تواصل الاشتباكات

والاثنين، استمرت الاشتباكات في الخرطوم واستيقظ السكان على هدير "الطائرات المقاتلة"، وأصوات الانفجارات وإطلاق رصاص في مناطق مختلفة من العاصمة التي يناهز تعدادها خمسة ملايين نسمة.

وجاء ذلك بعد ساعات قليلة من إعلان الجيش وقوات الدعم السريع موافقتهما على تمديد وقف لإطلاق النار كان من المقرر أن ينتهي منتصف ليل الأحد الاثنين بالتوقيت المحلي.

وتعصف الاشتباكات بالسودان، رغم إعلان طرفي الأزمة عدة اتفاقات سابقة لوقف إطلاق النار، في ظل استمرار الاقتتال للأسبوع الثالث، دون ظهور أي بادرة للتهدئة في الأفق، ووسط اتهامات متبادلة بخرق الهدن.

ما أسباب تكرار خرق الهدن؟

منذ اندلاع الاقتتال بين الجيش السوداني والدعم السريع في 15 أبريل، جرى التوصل إلى 5 هدن لكنها فشلت في الثبات، وتخللها العديد من الانتهاكات والخروق، حسبما يوضح خبير القانون الدولي، أيمن سلامة.

ويفرق سلامة في حديثه لموقع "الحرة"، بين "الاتفاقيات الدولية المبرمة" بين المتحاربين، وبين "الهدنة السودانية الهشة" التي لم تشرف عليها أي جهة ولم تراقب دوليا.

ويؤكد خبير القانون الدولي أهمية وضع الهدن الإنسانية المتوالية في السودان في موضعها الصحيح من الناحية القانونية والتاريخية والواقعية على الأرض.

وفي الحالة السودانية فإن جميع الهدن "شفهية وليست مكتوبة ولا مفهومة وغير واضحة المعالم أو محددة الأطر".

وتلك الهدن كانت "غير تلقائية ولم تصدر من تلقاء الطرفين المتحاربين وتم التوسط فيها عبر وساطات دولية مختلفة المرة تلو الأخرى"، حسب سلامة.

ويقول خبير القانون الدولي إن الهدن التي تم خرقها الواحدة تلو الأخرى "لا تقارن" باتفاقيات وقف إطلاق النار من أجل "الوقف المؤقت للعدائيات العسكرية بين الأطراف المتحاربة" سواء كان ذلك في نزاعات مسلحة دولية، أو في الحالات التي يطلق عليها مجازا الحروب الأهلية كما في الوضع السوداني.

ويوضح سلامة أن الهدن المخترقة في الوضع الحالي، "تختلف تماما" عن اتفاقات سابقة، منها اتفاق دارفور لوقف إطلاق النار لأسباب إنسانية، المبرم عام 2004 في العاصمة التشادية إنجامينا.

وشهد إقليم دارفور حربا دامية بدأت عام 2003 بين نظام الرئيس السوداني السابق، عمر البشير، ومتمردين ينتمون إلى أقليات إثنية، مما أسفر عن مقتل 300 ألف شخص ونزوح 2.5 مليون آخرين، وفق الأمم المتحدة.

آليات مراقبة الهدن؟

حسب سلامة، فإن الهدن واتفاقيات وقف إطلاق النار "تبرم كتابة" بين الأطراف المتحاربة، وتتضمن مجموعة من الإشعارات أو التنبيهات الملزمة التي لا يجوز لأي طرف محارب التلاعب بها أو استغلالها لتحقيق مصالح استراتيجية أو اقتصادية أو جيوسياسية، وهو ما تفتقده "الحالة السودانية".

وفي الهدن النمطية يتم تعيين فريق من المراقبين الدوليين المنوط بهم مراقبة امتثال الطرفين لنصوص الهدنة، ويكون لديهم خرائط مفصلة عن "أوضاع القوات".

ويجب أن تضم تلك الخرائط أيضا مناطق "فصل الاشتباك بين المتحاربين، وتلك الآمنة للمدنيين، وكذلك المحظور الدخول إليها من القوات المتحاربة"، لكن ذلك غير موجود في الحالة السودانية، حسبما يشرح سلامة.

سبل وقف إطلاق النار؟

لن تفلح أي وساطة دولية في التوصل لاتفاق "وقف إطلاق نار دائم"، دون النية الحسنة للطرفين المتحاربين، وفق سلامة.

ويؤكد ضرورة "إقناع الجنرالين المتحاربين أن الكل خاسر في الحرب وايصال رسالة مباشرة ومحددة مفادها أن من سيرفض "توقيع وقف إطلاق نار دائم" سيعزله المجتمع الدولي وقد يتم فرض "جزاءات دولية على شخصه وقواته".

إنفاذ السلام؟

أدت المعارك المستمرة إلى مقتل ما لا يقل عن 528 قتيلا و4599 جريحا، وفق أرقام أعلنتها وزارة الصحة السودانية، السبت، في حصيلة ترجح الأمم المتحدة أن تكون أعلى.

وتعمل نسبة 16 بالمئة فقط من المستشفيات داخل الخرطوم، حسب الأمم المتحدة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، انتقل 75 ألف شخص الى مناطق أخرى في السودان، وعبر 20 ألفا على الأقل نحو تشاد وستة آلاف نحو جمهورية أفريقيا الوسطى، وغيرهم إلى إثيوبيا وجنوب السودان.

وأبدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين خشيتها من أن تدفع المعارك لفرار ما يصل الى 270 ألفا نحو تشاد وجنوب السودان.

وتطال الاشتباكات 12 من الولايات الـ18 بالبلد الذي يبلغ عدد سكانه 45 مليون نسمة، وفقا لـ"فرانس برس".

وكان ثلث سكان السودان بحاجة بالفعل إلى المساعدات الإنسانية حتى قبل اندلاع الصراع، حسب "رويترز".

ولكل ذلك، وفي ظل "المشهد الإنساني المأساوي" في السودان، يستطيع مجلس الأمن أن يأمر بنشر قوات "إنفاذ السلام"، من أجل وقف إطلاق النار وبغرض ضمان تقديم المساعدات الإنسانية، وفي هذه الحالة "لا يستلزم موافقة الدولة المضيفة على نشر مثل هذه القوات"، وفق تأكيد سلامة.

ويشير خبير القانون الدولي إلى إمكانية استخدام مجلس الأمن لسلطة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لفرض السلام بالوسائل العسكرية التي تتسلح بها تشكيلات "إنفاذ السلام"، كما حدث في جمهورية يوغسلافيا السابقة "البوسنة والهرسك 1992-1995"، والصومال في مطلع تسعينيات القرن الماضي.

الحرب في السودان

تتفاقم آثار الكارثة الإنسانية في جميع أنحاء السودان، دون أن تظهر أي علامات على إمكانية تراجعها، جراء الحرب المستمرة في البلاد منذ نحو عامين.

لا يزال آلاف السودانيين يُقتلون ويُجوعون ويُغتصبون بوتيرة يومية، ويجبر العنف ملايين الأشخاص على ترك منازلهم والنزوح داخليا أو عبر الحدود إلى الدول المجاورة. 

تسبب  الصراع بـ"أسوأ حالة طوارئ إنسانية في العالم" وفق توصيف الأمم المتحدة، إذ تصدر السودان دول العالم في عدد النازحين داخليا بسبب الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، شبه الحكومية.

وتجاوز عدد النازحين قسرا داخل البلاد 9 ملايين شخص، بالإضافة إلى أكثر من 3.8 مليون لاجئ إلى الدول المجاورة، ما يعني أن نحو 13 مليون شخص قد فروا من العنف خلال العامين الماضيين، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

وتحذر منظمات دولية، بينها اليونيسيف، من أن الموت يشكل "تهديدا مستمرا" لحياة الأطفال في السودان.

وفي محيط مدينة الفاشر، غربي البلاد، وحدها، يحاصر الموت ما يقرب من 825 ألف طفل، يواجهون قصفا مستمرا ونقصا حادا في أبسط مقومات البقاء على قيد الحياة.

وحذرت هيئة تابعة للأمم المتحدة من انتشار حالات الاغتصاب مع استمرار الحرب التي تفجرت بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه الحكومية منذ سنتين في السودان.

وقالت آنا موتافاتي، المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في شرق وجنوب إفريقيا: "بدأنا نشهد استخداما ممنهجا للاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح حرب".

وشددت على أن "ما خفي كان أعظم، فهناك كثيرات لا يبلغن عن هذه الجرائم خوفا من العار وتحميل المسؤولية للضحايا، الذي يُلازم كل امرأة تتعرض للاغتصاب".

وأكد نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، إن "الحكومة عازمة على تنفيذ كافة الاتفاقيات الخاصة بحماية النساء من العنف الجنسى والقضاء على التمييز، وانفاذ القانون وضمان عدم الإفلات من العقاب لمرتكبي جرائم العنف الجنسي ضد النساء والفتيات والأطفال".

وأشار عقار لدى لقائه، في بورتسودان، مع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للعنف الجنسي في مناطق النزاعات، براميلا باتن، إلى أن "السودان ومنذ الشرارة الأولى أرسل العديد من التقارير المصورة والموثوقة لعدد من الهيئات والمنظمات الدولية والاقليمية ومنظمات حقوق الإنسان، توضح العنف الذي مارسته قوات الدعم السريع في حق النساء والفتيات والأطفال في السودان إلا أن الاستجابة كانت بطيئة مما فاقم الأوضاع لاسيما في المناطق التي كانت تسيطر عليها".

ونفت الدعم السريع في يوليو الماضي عن الانتهاكات التي تقع أثناء الحرب، إنها ستتخذ تدابير وقائية لمنع انتهاكات حقوق الإنسان.

خطر آخر يهدد المدنيين وعمليات الإغاثة يتمثل في الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب. وحذر رئيس برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في السودان، صديق راشد، من أن المناطق التي كانت آمنة أصبحت الآن ملوثة بشكل عشوائي بهذه الأسلحة القاتلة، بما فيها الخرطوم وولاية الجزيرة.

وقد تجسدت هذه المخاوف في حوادث مأساوية، حيث لقي مدنيون، بينهم أطفال ونساء، مصرعهم وأصيب آخرون بسبب انفجار هذه الذخائر.

وناشد صديق راشد الأطراف المتحاربة تجنب استخدام الأسلحة في المناطق المأهولة، وتسجيل المناطق الملوثة لتسهيل عملية التطهير، ودعا المجتمع الدولي لتقديم الدعم اللازم لجعل المناطق آمنة قبل عودة المدنيين.

وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية المتفاقمة، توجه كليمنتاين نكويتا سلامي، منسقة الأمم المتحدة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان نداء عاجلا إلى المجتمع الدولي: الناس في وضع يائس.

وقالت: "نناشد المجتمع الدولي ألا ينسى السودان وألا ينسى الرجال والنساء والأطفال في السودان الذين وجدوا أنفسهم في هذا الوضع الصعب للغاية في هذه اللحظة الحرجة".

ووجه المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، رسالة إلى العالم حول السودان: "يجب أن يكون مرور عامين على هذا الصراع الوحشي الذي لا معنى له بمثابة جرس إنذار للأطراف لإلقاء أسلحتها وألا يستمر السودان في هذا المسار المدمر".