تصاعد الدخان في الخرطوم وسط الاقتتال بين الجيش والدعم السريع في 10 مايو 2023
تصاعد الدخان في الخرطوم وسط الاقتتال بين الجيش والدعم السريع في 10 مايو 2023

تصاعدت حدة المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بينما تشهد الخرطوم وعدة مدن سودانية، أعمال "سلب ونهب"، يتبادل كلا الطرفين المسؤولية عنها، فيما يكشف خبراء لموقع "الحرة" حقيقة ما يحدث في السودان.

"سلب ونهب وتخريب"

الأربعاء، هزت انفجارات قوية العاصمة السودانية، في اليوم السادس والعشرين للاقتتال، وقال أحد سكان أم درمان شمال غرب الخرطوم لوكالة "فرانس برس"، "أيقظتنا الانفجارات ونيران المدفعية الثقيلة".

وتحدث شهود آخرون خلال الليل في مناطق متفرقة من العاصمة عن دوي انفجارين كبيرين في أنحاء المدينة التي يبلغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة.

وتحدث سكان عن مواجهات على الأرض في عدة أحياء بالخرطوم بين طرفي الصراع وتبادل كثيف لإطلاق النيران شمالي أم درمان وشرقي بحري، وهما مدينتان يفصلهما نهر النيل عن الخرطوم، وفقا لـ"رويترز".

والثلاثاء، أفاد سكان في العاصمة السودانية الخرطوم بوقوع ضربات جوية مكثفة بوسط المدينة وسط تصاعد في "أعمال النهب".

وبسبب الاقتتال المستمر، تعطل العمل في المستشفيات، وبدأت إمدادات الوقود والغذاء تنفد، وأدى انهيار القانون والنظام إلى انتشار أعمال النهب.

وندد اتحاد المصارف السوداني بعمليات السطو والتخريب في بعض فروع البنوك، قائلا إن المصارف ستستأنف خدماتها "إذا سمحت الظروف بذلك".

وذكر شهود أن مظاهر الفوضى أصبحت مترسخة في الخرطوم ومدينتي أم درمان وبحري المجاورتين لها، حسب "رويترز".

وميدانيا، يرصد الصحفي السوداني، محمد الياس، انتشار أعمال السلب والنهب في الخرطوم وعدد قليل من الولايات الأخرى.

ويقول لموقع "الحرة"، إن أعمال السلب والنهب والتخريب قد طالت البنوك والمحال التجارية والأسواق والدكاكين والمولات والمخازن وحاويات البضائع في المحطات الجمركية.

ويقوم بتلك العمليات عصابات منفلتة، نتيجة لغياب الشرطة عن حماية الممتلكات العامة للمواطنين، وفقا لشهادته.

ويكشف الصحفي السوداني عن "الغياب التام لقوات الشرطة في الخرطوم، ما تسبب في انتشار عصابات تقوم بتكسير المحلات والمنازل وتنهبها".

من يقف وراء ذلك؟

في حديثه لموقع "الحرة"، يؤكد المستشار السياسي لقائد قوات الدعم السريع، يوسف عزت، أن عمليات سلب ونهب "موجودة ومستمرة" منذ اليوم الثاني للاقتتال.

ومنذ بداية الاقتتال تم استهداف منازل السفراء والبعثات الدبلوماسية، وتلقى الدعم السريع بلاغات بشأن ذلك، فنشر قوات بمنطقة الخرطوم لحراسة المنازل، وفقا لحديثه.

ولكن بعد أيام انتشرت السرقات بالمنازل من قبل "أشخاص يرتدون ملابس ويركبون سيارات الدعم السريع"، وتم القبض على عدد كبير من هؤلاء، حسب عزت.

ويقول "هناك عناصر يتم إلباسها زي الدعم السريع ويتم إطلاقها في بحري وأم درمان، بشكل منظم، لترهيب وترويع المواطنين".

ولذلك شكل الدعم السريع قوة لحماية المدنيين والممتلكات وتلقى الشكاوى ومواجهة الانفلات، حسب عزت.

ويتهم مستشار قائد الدعم السريع "الاستخبارات العسكرية، وجهاز الأمن، بنشر عصابات لنهب منازل المواطنين وسلب البنوك".

ويقول "نتعامل مع ذلك بشكل يومي، وأي حوادث وقعت في ذلك الشأن، لم تكن بتوجيه قيادة الدعم السريع، ولا بتنفيذ من القوات، ولا بتخطيط منا".

ويوضح أن لدى قوات الدعم السريع أكثر من 45 ألف مقاتل في ولاية الخرطوم، وأي جندي يرتكب "مخالفة" يتم القبض عليه ومحاسبته.

ويشير إلى أن "الخرطوم مدينة كبيرة"، وهناك منازل خالية، بعد نزوح السكان، ولا يمكن للدعم السريع وضع "مركبة" أمام كل منزل، وتأمين جميع المنشآت.

ويقول "نعمل قدر المستطاع على تأمين المنشآت وضبط الأمن وشل اللصوص، والقبض على من يقوم بعمليات نهب تحت اسم الدعم السريع".

على جانب آخر، يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء ركن أمين مجذوب، أن "قوات الدعم السريع تقوم بسلب ونهب وتخريب مستغلة التسيب الأمني بعد سيطرتها على بعض الارتكازات والشوارع"، في غياب قوات الشرطة.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يشير إلى انهزام قوات الدعم السريع وقله الإمدادات التي تصل إليها، ما دفعها للدخول إلى الأحياء السكنية، لتقوم بعمليات "سلب ونهب ممنهجة".

وتقوم قوات الدعم السريع بعمليات سلب ونهب بالتعاون مع عصابات ومجرمين تم إخلائهم من السجون، ما تسبب في "نوع من الفوضى"، وفقا لحديثه.

وتطال عمليات السلب والنهب المصانع ومواقع الخدمات والمنازل والبنوك، وتم احتلال مستشفيات ومنشآت خدمية، وتحويلها لـ"ثكنات عسكرية"، من قبل قوات الدعم السريع، حسب الخبير العسكري.

ويؤكد أن أعمال السلب والنهب "موجودة منذ بداية الاقتتال باعتبارها واحدة من التحولات المجتمعية"، لكنه يقول " تلك الأعمال تتم حاليا بتنفيذ من قوات الدعم السريع المسلحة، وهذا تطور غير مسبوق".

ويشير مجذوب إلى أن تلك الأعمال التخريبية" تضر المواطنين، وتتنافى مع قواعد الاشتباكات الخاصة بمعاملة الأعيان المدنية والمؤسسات الصحية، خلال الاشتباكات".

المواطن الضحية

ومن جانبه، يشير الياس إلى "الوضع الإنساني المؤسف الذي يعيشه المدنيون، في ظل الاقتتال المستمر، والرصاص المتبادل والقصف المدفعي بين طرفي الاشتباكات".

ووفقا للصحفي السوداني فلا توجد حاليا عمليات لإجلاء للمواطنين الذين يتعرضون للقصف من كلا الطرفين المتقاتلين، في ظل انعدام خدمات المياه والكهرباء وإغلاق المستشفيات وغياب الأمن، وانتشار عصابات السلب والنهب"، ويقول "المواطن وحده هو الضحية".

الحرب في السودان

تتفاقم آثار الكارثة الإنسانية في جميع أنحاء السودان، دون أن تظهر أي علامات على إمكانية تراجعها، جراء الحرب المستمرة في البلاد منذ نحو عامين.

لا يزال آلاف السودانيين يُقتلون ويُجوعون ويُغتصبون بوتيرة يومية، ويجبر العنف ملايين الأشخاص على ترك منازلهم والنزوح داخليا أو عبر الحدود إلى الدول المجاورة. 

تسبب  الصراع بـ"أسوأ حالة طوارئ إنسانية في العالم" وفق توصيف الأمم المتحدة، إذ تصدر السودان دول العالم في عدد النازحين داخليا بسبب الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، شبه الحكومية.

وتجاوز عدد النازحين قسرا داخل البلاد 9 ملايين شخص، بالإضافة إلى أكثر من 3.8 مليون لاجئ إلى الدول المجاورة، ما يعني أن نحو 13 مليون شخص قد فروا من العنف خلال العامين الماضيين، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

وتحذر منظمات دولية، بينها اليونيسيف، من أن الموت يشكل "تهديدا مستمرا" لحياة الأطفال في السودان.

وفي محيط مدينة الفاشر، غربي البلاد، وحدها، يحاصر الموت ما يقرب من 825 ألف طفل، يواجهون قصفا مستمرا ونقصا حادا في أبسط مقومات البقاء على قيد الحياة.

وحذرت هيئة تابعة للأمم المتحدة من انتشار حالات الاغتصاب مع استمرار الحرب التي تفجرت بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه الحكومية منذ سنتين في السودان.

وقالت آنا موتافاتي، المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في شرق وجنوب إفريقيا: "بدأنا نشهد استخداما ممنهجا للاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح حرب".

وشددت على أن "ما خفي كان أعظم، فهناك كثيرات لا يبلغن عن هذه الجرائم خوفا من العار وتحميل المسؤولية للضحايا، الذي يُلازم كل امرأة تتعرض للاغتصاب".

وأكد نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، إن "الحكومة عازمة على تنفيذ كافة الاتفاقيات الخاصة بحماية النساء من العنف الجنسى والقضاء على التمييز، وانفاذ القانون وضمان عدم الإفلات من العقاب لمرتكبي جرائم العنف الجنسي ضد النساء والفتيات والأطفال".

وأشار عقار لدى لقائه، في بورتسودان، مع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للعنف الجنسي في مناطق النزاعات، براميلا باتن، إلى أن "السودان ومنذ الشرارة الأولى أرسل العديد من التقارير المصورة والموثوقة لعدد من الهيئات والمنظمات الدولية والاقليمية ومنظمات حقوق الإنسان، توضح العنف الذي مارسته قوات الدعم السريع في حق النساء والفتيات والأطفال في السودان إلا أن الاستجابة كانت بطيئة مما فاقم الأوضاع لاسيما في المناطق التي كانت تسيطر عليها".

ونفت الدعم السريع في يوليو الماضي عن الانتهاكات التي تقع أثناء الحرب، إنها ستتخذ تدابير وقائية لمنع انتهاكات حقوق الإنسان.

خطر آخر يهدد المدنيين وعمليات الإغاثة يتمثل في الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب. وحذر رئيس برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في السودان، صديق راشد، من أن المناطق التي كانت آمنة أصبحت الآن ملوثة بشكل عشوائي بهذه الأسلحة القاتلة، بما فيها الخرطوم وولاية الجزيرة.

وقد تجسدت هذه المخاوف في حوادث مأساوية، حيث لقي مدنيون، بينهم أطفال ونساء، مصرعهم وأصيب آخرون بسبب انفجار هذه الذخائر.

وناشد صديق راشد الأطراف المتحاربة تجنب استخدام الأسلحة في المناطق المأهولة، وتسجيل المناطق الملوثة لتسهيل عملية التطهير، ودعا المجتمع الدولي لتقديم الدعم اللازم لجعل المناطق آمنة قبل عودة المدنيين.

وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية المتفاقمة، توجه كليمنتاين نكويتا سلامي، منسقة الأمم المتحدة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان نداء عاجلا إلى المجتمع الدولي: الناس في وضع يائس.

وقالت: "نناشد المجتمع الدولي ألا ينسى السودان وألا ينسى الرجال والنساء والأطفال في السودان الذين وجدوا أنفسهم في هذا الوضع الصعب للغاية في هذه اللحظة الحرجة".

ووجه المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، رسالة إلى العالم حول السودان: "يجب أن يكون مرور عامين على هذا الصراع الوحشي الذي لا معنى له بمثابة جرس إنذار للأطراف لإلقاء أسلحتها وألا يستمر السودان في هذا المسار المدمر".