تزايد حالات العنف الجنسي المتصل بالنزاع في السودان
تزايد حالات العنف الجنسي المتصل بالنزاع في السودان

بينما كانت إحدى الأمهات السودانيات تسير مع ابنتيها، 14 و13 عاما، مساء الأحد، أوقفتهم مجموعة عناصر الدعم السريع في وسط الطريق بمنطقة الحلفايا بالخرطوم بحري. 

وبحسب ما قالته مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة، سليمى الخليفي، ورئيسة مبادرة "لا لقهر النساء"، أميرة عثمان، لموقع "الحرة"، فإن عناصر من قوات الدعم السريع ضربوا الأم واختطفوا الفتاتين. 

استنفر سكان المنطقة "وحشدوا الأحياء المجاورة قبل أن تقوم عناصر الدعم السريع بإنزال الفتيات في مكان بعيد عن تجمهر الأهالي في الحادية عشر مساء، بعد حوالي خمس ساعات من اختطاف الفتيات"، بحسب الخليفي وعثمان.

وتقول عثمان إنه "يتم اختطاف النساء في وضح النهار، ويتم استعبادهن أو اغتصابهن".

وكشفت الخليفي، في حديثها مع موقع "الحرة" أرقاما صادمة، وثقتها الوحدة التي تديرها، والتي تتبع وزارة التنمية الاجتماعية، مشيرة إلى أن الأرقام لا تمثل إلا جزءا ضئيلا من حالات العنف الجنسي الواقع على النساء والفتيات في السودان في وقت يتواصل فيه الصراع المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل الماضي.

تزايد الحالات

تقول "بلغ إجمالي حالات الاعتداء الجنسي في الخرطوم 42 حالة، وفي نيالا 25 حالة، بينما سجلنا في الجنينة 21 حالة عنف جنسي مرتبط بالنزاع"، معبرة عن أسفها "لتنامي حالات الاختفاء القسري للنساء والفتيات وتزايد حالات العنف الجنسي المتصل بالنزاع بمعدل لا يتناسب مع البلاغات المسجلة لديها". 

تشير الخليفي إلى أن "معظم البلاغات في الخرطوم قيدت ضد قوات الدعم السريع وبعضها ضد مجهول في إطار عمليات سطو ونهب، لكن جميع الناجيات في نيالا والجنينة أفدن في شهاداتهن أن الاعتداءات كانت على يد عناصر من قوات الدعم السريع". 

حالات العنف الجنسي في الخرطوم ونيالا والجنينة

لكن الخليفي تؤكد في الوقت ذاته أن هذه الأرقام لا تدل على حقيقة الوضع، وأنها لا تمثل إلا اثنين في المئة فقط من عدد الحالات الحقيقي، مضيفة "هناك الكثير ممن لا يستطعن الإبلاغ أو الوصول إلينا، فضلا عن أن الجريمة نفسها ليست من نوع الجرائم التي يتم الحديث عنها كما أن الصمت في أماكن النزاع قد يحمي الضحايا والناجيات من أن يطالهن أذى أكبر". 

وتقول عثمان إن "معظم الضحايا في أماكن في نطاق الدعم السريع، وحديثهن عما يحدث لهن من عنف جنسي، يعرض حياتهن لخطر أكبر هو الموت، ولذلك فالأفضل لهن هو عدم الكلام". 

وتضيف عثمان "قد يكون الإعلان عن تزايد حالات العنف الجنسي في السودان، لأن الدعم السريع تمدد ودخل في أماكن لها صوت مسموع، ربما كانت تحدث هذه الجرائم بنفس الوتيرة في مناطق أخرى لكن في أحياء أخرى فقيرة ليس لديها إمكانية الوصول للإعلام مثلا". 

وتقول الخليفي إن هناك تواترا عن وجود حالات عنف جنسي ضد النساء في تسع ولايات من أصل 18 ولاية في السودان، "ليس لدينا توثيق مؤكد، لكن هناك شهادات من أشخاص وشهود عيان ولجان حماية". 

وأدّى النزاع الى مقتل أكثر من 2800 شخص ونزوح أكثر من 2,8 مليون شخص.

وفي 19 يونيو الماضي، قال فولكر تورك مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إن مكتبه تلقى تقارير عن أعمال عنف جنسي ضد ما لا يقل عن 53 امرأة وفتاة في الصراع السوداني، قائلا إن ما بين 18 و20 امرأة اغتصبن في هجوم واحد.

وأضاف تورك "مصدوم من مزاعم العنف الجنسي، لا سيما الاغتصاب"، مشيرا إلى أن الجناة في "جميع الحالات تقريبا" كانوا من قوات الدعم السريع.

وفي يونيو الماضي تم تداول مقطعين مصورين صادمين، بينهما فيديو التقطه المعتدون أنفسهم، وفيه يقوم رجلان بالتناوب على اغتصاب امرأة فيما كان ثالثهما يصور المشهد وهو يثبت الضحية بقدمه على الأرض.

وأكدت الخليفي أن "أي عنف جنسي يصدر ضد النساء جريمة حرب ولدينا اتفاقية مع الأمم المتحدة في هذا الإطار". 

ووقّع السودان في مارس 2020 على اتفاق إطاري مع الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال العنف الجنسي المتصل بالنزاع.  والاتفاق يخص ولايات دارفور "وهو ركن مهم ومحوري في خطة حماية المدنيين المعتمدة من مجلس الأمن الدولي"، بحسب الخليفي، مشيرة إلى أنه منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل الماضي تستمر الانتهاكات بحق المدنيين في ولايات دارفور، ولا سيما غرب دارفور وعاصمتها الجنينة. 

وأضافت: "مع دمار البنية التحتية وانعدم الأمن، تتعرض النساء والفتيات لمخاطر عدة، بدءا من الموت والعنف الجنسي بأشكاله المختلفة والتهديد والاختطاف، وهي مخاطر لم تسلم منها حتى النساء الهاربات من جحيم الحرب ليصبحن لاجئات مرة أخرى من التهديد والنهب والقتل".

ولا تقدم الوحدة التي ترأسها الخليفي خدمات للضحايا والناجيات بشكل مباشر، "مهمتنا هي رصد الانتهاكات وإصدار التقارير التي تناقش على المستوى الأممي والإقليمي حول أوضاع النساء". 

وتوضح: "نحن نحاول على سبيل المثال أن نوجه الناجيات للحصول على الخدمة الصحية المناسبة، لكن معظم المستشفيات تعرضت للضرر، أمس كان هناك اشتباكات حول المستشفى السعودي للنساء والتوليد في أم درمان، ومنذ يومين هوجم الأطباء في مستشفى في الخرطوم بحري خاص بالنساء وتم قتل طبيب من قبل الدعم السريع".

كما تشير الخليفي إلى أن وحدتها توجه الناجيات للحصول على الدعم النفسي التي تقدم عبر الهاتف، "لكن هذه الخدمة يواجهها مشاكل كثيرة مع انقطاع الاتصالات أو سوء الشبكة أو عدم وجود رصيد لدى الضحايا أو سرقة هواتفهن خلال عملية اغتصابهن". 

عرضة للخطر

وتعتبر الخليفي أن كل النساء في كل مناطق الاشتباكات معرضات للخطر وللعنف الجنسي خاصة، في ظل اختفاء أدوات الحماية ودور القانون، مشيرة إلى صعوبة عملهن في توثيق الحالات. 

وتقول: "في البداية، كانت هناك توجيهات للنساء خاصة ألا يخرجن مساء وألا يتحركن بمفردهن وألا يحملن مقتنيات ثمينة وأن يحاولن أن يخرجن في  مجموعات، لكننا نلاحظ أن اغتصاب النساء يحدث جهارا نهارا. بقدر ما نحاول إعطاء توجيهات عامة ليس هناك شيئ يمنع حدوث هذه الجرائم، بل إن بعضها حدث في بيوت الضحايا أنفسهن وهو المكان الذي يعتبر الأكثر أمانا لهن". 

وترى عثمان أنه "بقدر الإمكان، على النساء أن تحاول أن تبعد عن مناطق الاشتباكات والحرب"، لكنها تشير إلى أن "هناك عوامل اقتصادية تحد من قدرة النساء على التحرك مع شبكة اتصالات سيئة للغاية، ووسائل نقل أصبحت بمبالغ فلكية والحرب في طريقها لأن تدخل شهرها الثالث والموظفون لم يحصلوا على رواتبهم". 

وتنتقد الخليفي ما تعتبره صمتا من المجتمع الدولي "أنا عايشت العنف الجنسي ضد النساء في دارفور منذ 2004 إلى 2006، ما يحدث حاليا هو تكرار لما حدث سابقا، لكن الفرق أن المجتمع الدولي الآن يتحرك ببطء كبير ولا يعير المسألة اهتماما كما حدث سابقا. هل نساء السوداء الذين ألهموا العالم في ثورة ديسمبر المجيدة يستحقون هذا التجاهل الحاصل". 

وللسودان تجربة مريرة مع العنف الجنسي خلال الحرب. فأثناء النزاع في دارفور اعتبارا من عام 2003، استعان الرئيس السابق البشير لمساندة قواته، بمليشيات "الجنجويد" التي عرف عنها "ارتكابها أعمال العنف الجنسي"، بحسب عثمان.  

وشكلت هذه الميليشيات نواة قوات الدعم التي أنشئت رسميا في 2013.

ويتبادل الجيش وقوات الدعم السريع منذ بدء النزاع الحالي، الاتهام بارتكاب انتهاكات جنسية. وعلى رغم تعهدهما حماية المدنيين، تبقى هذه الوعود حبرا على ورق.

وفي يونيو الماضي، ردت قوات الدعم السريع في بيان اتهمت فيه الجيش بـ"فبركة مقطع فيديو قالوا إنه لعملية اغتصاب ومحاولة إلصاق هذا الفعل الشنيع بقواتنا".

وأضافت "من الواضح أن الذين قاموا بهذا الفعل الشنيع لم يستطيعوا إخفاء معالم مهمة أثبتت إدانتهم، حيث ظهر أحد الممثلين غير المهرة في كامل زي قوات الفلول والانقلابيين"، في إشارة إلى زي الجيش السوداني.

تؤكد عثمان في حديثها مع موقع "الحرة" أن "حل هذه المعضلة ووقف جرائم العنف الجنسي ضد المرأة في السودان، يكمن في إيقاف الحرب، على الجميع أن يضغط بكل ما يمكن من أجل ذلك سريعا قبل أن تتفاقم الأمور أكثر مما هي متدهورة أساسا". 

الحرب في السودان

تتفاقم آثار الكارثة الإنسانية في جميع أنحاء السودان، دون أن تظهر أي علامات على إمكانية تراجعها، جراء الحرب المستمرة في البلاد منذ نحو عامين.

لا يزال آلاف السودانيين يُقتلون ويُجوعون ويُغتصبون بوتيرة يومية، ويجبر العنف ملايين الأشخاص على ترك منازلهم والنزوح داخليا أو عبر الحدود إلى الدول المجاورة. 

تسبب  الصراع بـ"أسوأ حالة طوارئ إنسانية في العالم" وفق توصيف الأمم المتحدة، إذ تصدر السودان دول العالم في عدد النازحين داخليا بسبب الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، شبه الحكومية.

وتجاوز عدد النازحين قسرا داخل البلاد 9 ملايين شخص، بالإضافة إلى أكثر من 3.8 مليون لاجئ إلى الدول المجاورة، ما يعني أن نحو 13 مليون شخص قد فروا من العنف خلال العامين الماضيين، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

وتحذر منظمات دولية، بينها اليونيسيف، من أن الموت يشكل "تهديدا مستمرا" لحياة الأطفال في السودان.

وفي محيط مدينة الفاشر، غربي البلاد، وحدها، يحاصر الموت ما يقرب من 825 ألف طفل، يواجهون قصفا مستمرا ونقصا حادا في أبسط مقومات البقاء على قيد الحياة.

وحذرت هيئة تابعة للأمم المتحدة من انتشار حالات الاغتصاب مع استمرار الحرب التي تفجرت بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه الحكومية منذ سنتين في السودان.

وقالت آنا موتافاتي، المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في شرق وجنوب إفريقيا: "بدأنا نشهد استخداما ممنهجا للاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح حرب".

وشددت على أن "ما خفي كان أعظم، فهناك كثيرات لا يبلغن عن هذه الجرائم خوفا من العار وتحميل المسؤولية للضحايا، الذي يُلازم كل امرأة تتعرض للاغتصاب".

وأكد نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، إن "الحكومة عازمة على تنفيذ كافة الاتفاقيات الخاصة بحماية النساء من العنف الجنسى والقضاء على التمييز، وانفاذ القانون وضمان عدم الإفلات من العقاب لمرتكبي جرائم العنف الجنسي ضد النساء والفتيات والأطفال".

وأشار عقار لدى لقائه، في بورتسودان، مع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للعنف الجنسي في مناطق النزاعات، براميلا باتن، إلى أن "السودان ومنذ الشرارة الأولى أرسل العديد من التقارير المصورة والموثوقة لعدد من الهيئات والمنظمات الدولية والاقليمية ومنظمات حقوق الإنسان، توضح العنف الذي مارسته قوات الدعم السريع في حق النساء والفتيات والأطفال في السودان إلا أن الاستجابة كانت بطيئة مما فاقم الأوضاع لاسيما في المناطق التي كانت تسيطر عليها".

ونفت الدعم السريع في يوليو الماضي عن الانتهاكات التي تقع أثناء الحرب، إنها ستتخذ تدابير وقائية لمنع انتهاكات حقوق الإنسان.

خطر آخر يهدد المدنيين وعمليات الإغاثة يتمثل في الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب. وحذر رئيس برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في السودان، صديق راشد، من أن المناطق التي كانت آمنة أصبحت الآن ملوثة بشكل عشوائي بهذه الأسلحة القاتلة، بما فيها الخرطوم وولاية الجزيرة.

وقد تجسدت هذه المخاوف في حوادث مأساوية، حيث لقي مدنيون، بينهم أطفال ونساء، مصرعهم وأصيب آخرون بسبب انفجار هذه الذخائر.

وناشد صديق راشد الأطراف المتحاربة تجنب استخدام الأسلحة في المناطق المأهولة، وتسجيل المناطق الملوثة لتسهيل عملية التطهير، ودعا المجتمع الدولي لتقديم الدعم اللازم لجعل المناطق آمنة قبل عودة المدنيين.

وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية المتفاقمة، توجه كليمنتاين نكويتا سلامي، منسقة الأمم المتحدة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان نداء عاجلا إلى المجتمع الدولي: الناس في وضع يائس.

وقالت: "نناشد المجتمع الدولي ألا ينسى السودان وألا ينسى الرجال والنساء والأطفال في السودان الذين وجدوا أنفسهم في هذا الوضع الصعب للغاية في هذه اللحظة الحرجة".

ووجه المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، رسالة إلى العالم حول السودان: "يجب أن يكون مرور عامين على هذا الصراع الوحشي الذي لا معنى له بمثابة جرس إنذار للأطراف لإلقاء أسلحتها وألا يستمر السودان في هذا المسار المدمر".