عقود من العنف في إقليم دارفور
قوات الدعم السريع تعتبر أن الصراع في إقليم دارفور لـ"أسباب قبلية" - صورة تعبيرية

يعاني السودان من حرب طاحنة بين الجيش وقوات الدعم السريع، ودعت قبائل عربية في إقليم دارفور أتباعها إلى التخلي عن الجيش والانضمام لقوات الدعم السريع، في تطور جديد للصراع الدائر يهدد بتأجيج الوضع المتوتر أصلا في الإقليم الذي لا يهدأ.

ذكرت فرانس برس أن دعوة القبائل العربية السبعة التي جاءت عبر مقطع فيديو لم يتبعها أي تمرد معلن من جانب عناصر الجيش السوداني حتى الآن، في وقت يشار إلى أن المسؤول الثاني في عمليات الجيش في نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور هو جنرال ينتمي إلى قبيلة المسيرية العربية، بجانب الرجل الثاني في عمليات القوات المسلحة في شرق دارفور.

وهناك كثير من ضباط الجيش ينتمون إلى قبيلة الرزيقات التي ينحدر منها قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، وبحسب الوكالة الفرنسية، ظهر زعيما قبيلتي المسيرية والرزيقات في مقطع الفيديو الذي بٌث الاثنين.

وتنتشر الخلافات والمعارك القبلية في الإقليم من آن لآخر، وهناك مخاوف من تحرك تلك القبائل العربية ضد الأخرى غير العربية، ما سيجعل الجيش يتحرك من أجل تسليح القبائل الأخرى المناوئة للدعم السريع هو الآخر.

نساء من دافور هاربات من عنف ميلشيات الجنجاويد في العام 2005
القبائل العربية في دارفور.. هل تغير موازين القتال في السودان؟
قد يغير مقطع مصور قصير انتشر أخيرا الموازين في السودان، ففيه يظهر زعماء قبائل عربية في دارفور وهم يدعون أتباعهم الى الانضمام لقوات الدعم السريع وترك الجيش، ما يؤجج الصراع العرقي في هذا الاقليم الواقع في غرب بالسودان.

لكن قال مصدر في الجيش لفرانس برس، إن هذا سيناريو مبالغ فيه، مشيرًا إلى أن قوات الدعم السريع سارعت بدعم دعوة القبائل العربية بحثًا "عن فرقعة إعلامية".

لكن في جنوب وشرق دارفور حيث تشكل القبائل العربية الغالبية، انضم مقاتلون قبليون بالفعل إلى قوات الدعم السريع، بحسب نقلته وكالة فرانس برس عن الكثير من سكان الولايتين.

يعيد هذا التحيز والشقاق القبلي الذي يصل إلى الأذهان كيفية اندلاع الحرب في الإقليم عام 2003، حينما أعلنت حركتا جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة المتكونتين من مقاتلين ينتمون إلى قبائل غير عربية، التمرد ضد الحكومة في الخرطوم بسبب شكاوى من التهميش.

آنذاك أطلقت الحكومة برئاسة عمر البشير مجموعة مسلحة كانت تحمل اسم "الجنجويد" والتي تحولت بعد ذلك إلى قوات الدعم السريع وتكونت آنذاك من قبائل عربية، وهو ما يشير إلى تكرار نفس السيناريو بدعوة القبائل الأخيرة.

واتهمت قوات الجنجويد وحكومة البشير بارتكاب جرائم حرب شملت بحسب منظمة العفو الدولية، الإعدام خارج نطاق القضاء والقتل غير القانوني للمدنيين والتعذيب والاغتصاب وتدمير القرى وتهجير السكان.

وحينها تم تهجير أكثر من 1.2 مليون شخص وعبر من بينهم نحو 170 ألفًا إلى خارج الحدود في تشاد.

ما هي قبائل دارفور؟

ينقسم الإقليم إداريًا إلى خمس ولايات هي شمال ووسط وغرب وجنوب دارفور، ويمتلك حدودًا مع ليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان.

كشف تقرير سابق للمنظمة الدولية للصليب الأحمر أن نحو 85 قبيلة عربية وأفريقية بجانب مئات العرقيات تعيش في دارفور، ويبلغ نسبة الأفارقة بين سكانه نحو 60% بينما العرب يمثلون 40%، ويجمعهم الدين الإسلامي على المذهب السني.

أهم القبائل الأفريقية في الإقليم هي الفور والزغاوة والمساليت والبرتي والتاما والداجو والتنجر والبرجق والفلاتة والبقارة، وأغلبهم ينحدرون من دول الجوار مثل تشاد وأفريقيا الوسطى.

نازحون من دارفور في تشاد

ويعود اسم الإقليم بالأساس إلى قبيلة الفور حيث ينقسم إلى "دار" أي موطن و"فور" أي قبيلة الفور.

وهناك قبائل عربية من أبرزها الزيادية والتعايشة والهبانية والرزيقات والمسيرية والمعاليا ومحاميد ومهرية وبني حسين، وأغلبهم يمتهنون الرعي.

ساهم الجفاف في العقود الأخيرة في انحسار المراعي ونضوب الآبار وقلة مصادر المياه في حدوث هجرات داخلية، واضطر كثيرون في شمال وغرب دارفور إلى النزوح إلى الجنوب، ما أدى إلى بدء احتكاكات بين الرعاة والمزارعين، وتطورت الأمور إلى تشكيل مليشيات مسلحة هدفها كان في البداية حماية القبيلة.

معترك السياسة

قالت منظمة هيومان رايتس ووتش، إن النزاعات القبلية على الموارد المتضائلة وغياب الحكم الصالح وسهولة الحصول على السلاح، جعلها تتخذ طابعًا أكثر دموية وتلعب السياسة دورًا فيها.

ولفتت إلى أن حكومة البشير بدأت عمليات تنظيم إداري واسع في الإقليم عام 1994، لتتولى خلالها قبائل عربية مواقع في السلطة، ما جعل القبائل الأخرى مثل المساليت والفور والزغاوة محاولة لزعزعة دورهم القيادي التقليدي وسلطتهم على تجمعاتهم في أرضهم الأم.

واندلعت نزاعات في عامي 1998 و1999 مع تحرك العرب نحو الجنوب بسبب التغير المناخي، واندلعت اشتباكات بينهم وبين المساليت وقتل خلالها المئات من الجانبين، وعلى إثرها استخدمت الحكومة قوات عسكرية لإخماد العنف وقررت تعيين حاكم عسكري لمتابعة الوضع الأمني في ولاية غرب دارفور.

الجنائية الدولية تلاحق البشير بتهم ارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي في دارفور غربي السودان

استمرت التوترات واتهمت القبائل الأفريقية حكومة الخرطوم بتهميشهم وسط الظروف الاقتصادية الصعبة، وفي فبراير عام 2003 ظهرت حركة جيش تحرير السودان المسلحة التي تنحدر من قبائل الفور والزغاوي والمساليت وهاجمت أهدافًا حكومية.

وبعد شهرين ظهرت حركة العدالة والمساواة، وطالبتا سويًا بتوفير مزيد من الحماية لقبائلهم.

وواجهت الحركتين، بحسب منظمة العفو الدولية، اتهامات بارتكاب انتهاكات خطيرة بحق المدنيين والقرى المدنية واحتجاز رهائن بما فيهم عمال إغاثة.

قرر نظام البشير الرد عسكريًا آنذاك بعد هجوم لجيش تحرير السودان على مطار الفاشر قتل نحو 70 جنديًا، واستخدمت حينها مليشيات الجنجويد وهم بحسب وصف منظمة العفو الدولية في وقت ظهورها "أفرادا من جماعات البدو الرحل وقطاع الطرق"، وواصلت استخدامهم على مدار سنوات الصراع، ويواجه البشير حاليًا اتهامات بارتكاب جرائم حرب بسبب الفظائع المرتكبة خلال حرب دارفور آنذاك.

وبحسب "العفو الدولية" فقد سبق البشير في هذا التحرك، الرئيس الصادق المهدي الذي سلح قبائل زريقان ومسيرية في دارفور، كما تم تسليح قبائل الزغاوي خلال عهد الرئيس السوداني جعفر النميري، لتلعب دورًا في الحرب الدائرة بين تشاد وليبيا والتي انتهت في عام 1987.

نهر النيل هو شريان الحياة للمصريين
نهر النيل هو شريان الحياة للمصريين

في خطوة مفاجئة، صادقت دولة جنوب السودان على اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، المعروفة إعلاميا باسم اتفاقية عنتيبي، مما أعاد الاتفاقية المثيرة للجدل، إلى الواجهة من جديد.

في 14 مايو 2010 وقعت دول إثيوبيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا على اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، ثم انضمت كينيا وبوروندي إلى الاتفاقية لاحقا.

ولم تتم المصادقة على الاتفاقية رسميا إلا بعد نحو 3 سنوات من التوقيع، إذ صادقت عليها إثيوبيا في يونيو عام 2013، وتلتها رواندا في أغسطس من ذات العام.

وبعد عامين، وتحديدا في 2015 صادقت تنزانيا على الاتفاقية، وتبعتها أوغندا في 2019، ثم بوروندي في عام 2023، في حين لم تصادق عليها كينيا، التي كانت جزءً من التوقيع الأولي.

وتعارض مصر والسودان اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، وتتمسكان باتفاقيات 1902 و1929 و1959 التي ترفض الإضرار بدول المصب، كما تقر نسبة 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل لمصر، ونسبة 18.5 مليار متر مكعب للسودان.

ولم يصدر تعليق رسمي من الحكومة المصرية أو الحكومة السودانية على قرار جنوب السودان بالمصادقة على اتفاقية عنتيبي في 8 يوليو الجاري.

ووصف أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، خطوة جنوب السودان بالمفاجئة، والصادمة لمصر والسودان.

وقال شراقي لموقع الحرة إن "جنوب السودان دولة معتدلة، ولم تصدق على اتفاقية عنتيبي خلال الـ14 عاما الماضية، ولذلك فإن موقفها الجديد سيولد شرخا في علاقتها مع القاهرة".

وأشار إلى أن مصر لديها اعتراضات على الاتفاقية، "لأنها تحوي بندا يمنح دول المنبع حق إقامة المشروعات دون الرجوع أو التوافق مع دول المصب، أو حتى دون الإخطار المسبق".

ولفت أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، إلى أن هذا البند يتعارض مع القوانين الإقليمية والدولية التي تنظم حق الانتفاع بالأنهار والمجاري المائية المشتركة بين الدول.

وبدوره، يرى الخبير السوداني في مياه النيل، عبد العظيم عبد القادر، أن موقف دولة جنوب السودان سيعيد الخلافات عن مبادرة دول حوض النيل المكونة من 11 دولة.

وقال عبد القادر لموقع الحرة إن "مصادقة جنوب السودان على اتفاقية عنتيبي ستعطي مشروعية لتأسيس مفوضية حوض النيل، كأداة جديدة للإشراف على قضايا مياه النيل، بدلا عن سكرتارية مبادرة حوض النيل الموجودة في عنتيبي بأوغندا".

ولفت إلى أن السكرتارية تأسست بناء على مبادرة حوض النيل التي طُرحت في 1999، منوها إلى أن السكرتارية تجد قدرا من التوافق والإجماع، على عكس المفوضية الجديدة، التي ستكون بؤرة للخلاف بين دول المنبع ودول المصب.

ولم يستبعد الخبير السوداني وجود أجندة سياسية، جعلت دولة جنوب السودان تغير موقفها بعد 14 عاما، مشيرا إلى أن الصراع لن يكون محصورا على دول المنبع والمصب، وستدخل عليه دول أخرى، لها مصلة في مياه النيل.

وتوقع المستشار السابق لقوانين المياه بالبنك الدولي، سلمان محمد أحمد سلمان، أن تنال مفوضية حوض النيل التي من المتوقع تأسيسها وفقا لاتفاقية عنتيبي "القبول والمساندة التامة" من الدول والمنظمات التي تعمل في مجال المياه والتمنية والتمويل.

وقال سلمان في مقال بمنصاته على مواقع التواصل الاجتماعي، إن "المفوضية ستنال التأييد الإقليمي والدولي وستصبح الناطق الرسمي والممثل القانوني لحوض النيل ودوله".

ولفت إلى أن بنود الاتفاقية تشير إلى دخولها حيز التنفيذ بعد 60 يوماً من مصادقة 6 من الدول الأعضاء، "مما يعني أن الاتفاقية أصبحت واقعا عمليا بعد مصادقة جنوب السودان عليها".

ويتفق شراقي مع سلمان بخصوص البند الخاص بدخول الاتفاقية إلى حيز التنفيذ بعد مصادقة 6 دول، لكنه شدد على أن "ذلك لا يعطي الاتفاقية الشرعية القانونية المطلوبة والمتفق عليها".

وأشار إلى أن دول المنبع تظن أن مصادقة جنوب السودان تمنحها الحق في اتخاذ قرارات دون الرجوع إلى دول المصب، مع أن هذا غير صحيح، وغير ممكن وفقا للقوانين الدولية الخاصة بإدارة المجاري المائية الدولية.

وأضاف "مصادقة جنوب السودان على اتفاقية عنتيبي لا تعني أن دول المنبع لها الحق في فرض قرارات أو إجراءات تضر بمصر والسودان".

ويرى عبد القادر أن "الاتفاقية تظل مجرد توافق بين دول بعينها، ما لم يتم ايداعها لدى المنظمات الإقليمية والدولية مثل الاتحاد الإفريقي ومؤسسات البنك الدولي المعنية بقوانين المياه وغيرها، لاعتمادها رسميا".

ولفت إلى أن هناك معركة قانونية وسياسية طويلة تنتظر دول المنبع، لكي تصبح الاتفاقية واقعا معترفا ومعمولا به.

وأضاف قائلا "لا اتوقع أن تتخلى دول المصب عن حصتها من المياه التي ضمنتها لها اتفاقيات تاريخية معترف بها إقليميا، ودوليا، لصالح اتفاقية حديثة، لا تخلو من الأجندة والصراع السياسي".

نهر دجلة حيث يشهد انخفاضًا حادًا في منسوب المياه
التغير المناخي يقرع طبول "حروب المياه" بين دول الشرق الأوسط
في عام 1992، حددت الأمم المتحدة يوم 22 مارس ليكون اليوم العالمي للمياه، بهدف إذكاء الوعي بالأمور ذات الصلة بالمياه، حيث تُنظَّم الاحتفالات لتسليط الضوء على أهمية المياه واستلهام الإجراءات الرامية إلى التصدي للأزمة العالمية للمياه.

ويعود شراقي مؤكدا أن "تنفيذ اتفاقية عنتيبي، دون توافق أو اتفاق، سيقود إلى شرخ في العلاقات بين دول المنبع والمصب، وسيزيد من التفرقة".

وأضاف "لا اعتقد أن الاتحاد الأفريقي يسعى للتفرقة بين دول المنبع وبين دول المصب، ولذلك عليه أن يكون وسيلة لحل المشكلة وليس تعقيدها، وأن يعمل للتوافق على النقاط الخلافية في الاتفاق".

من جانبه، دعا سلمان مصر والسودان لمراجعة موقفهما الرافض للاتفاقية والتخلي عن التمسك بالاتفاقيات السابقة.

وأشار إلى أن دول المنبع أعلنت أنها ستضيف بندا يلزمها بالإخطار المسبق لأي مشروعات تنوي تنفيذها، إذا تخلّت مصر والسودان عن الاتفاقيات السابقة والحديث عن الأمن المائي.

بدوره، أكد وزير الري المصري الأسبق، محمد نصر علام، أن "دول حوض النيل ليست في حاجة إلى نصيب من حصتي مصر والسودان من مياه النيل"، مشددا على أنها "في حاجة إلى التخلص من مياه الفيضانات ومشاكلها".

وقال علام في صفحته على موقع فيسبوك، إن "بعض دول الحوض، وبتوجيهات دولية تحاول خلق حالة دائمة من القلق خاصة لمصر، لأنها دولة تعتمد على نهر النيل".

ولفت إلى أن "مبادرة حوض النيل تعتبر أخطر محاولات الالتفاف من الغرب، للوصول إلى توافق بين دول الحوض، لإلغاء الاتفاقيات التاريخية وإلغاء الحصص المائية لمصر والسودان، وإعادة توزيعها ووضع مصر تحت مقصلة الغرب".

وأشار وزير الري المصري الأسبق إلى أن "مصادقة دولة جنوب السودان، التي لم تكن دولة مستقلة  أثناء المفاوضات في 2010، لن تغير من موقف اتفاقية عنتيبي التي وُلدت ميتة، وما زالت ميتة، بعد مرور 14 عاما من محاولات الالتفاف على حقوق مصر والسودان".

وترتبط مصر ودولة جنوب السودان التي انفصلت عن السودان، في 2011، بعلاقات دبلوماسية رسمية، إذ اعترفت القاهرة مبكرا بالدولة الوليدة. كما سبق أن زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جنوب السودان في نوفمبر 2020.

وكان وزير الري المصري، هاني سويلم، افتتح، في يونيو الماضي، عددا من المشاريع في جنوب السودان، أبرزها مشروع تطهير بحر الغزال من الحشائش المائية، بجانب تدشين مركز التنبؤ بالأمطار والتغيرات المناخية.