سودانيون فروا من الصراع بإقليم دارفور أثناء عبورهم الحدود مع تشاد في 4 أغسطس 2023
سودانيون فروا من الصراع بإقليم دارفور أثناء عبورهم الحدود مع تشاد في 4 أغسطس 2023

حذر منتدى التنسيق العالمي الأساسي للأمم المتحدة، الثلاثاء، من أن أكثر من 6 ملايين شخص في السودان على بعد خطوة واحدة من المجاعة.

وأشار المنتدى إلى فرار أكثر من 4 ملايين شخص بسبب الاقتتال المتواصل في السودان منذ منتصف أبريل.

وهناك أكثر من 14 مليون طفل في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وفقا المنتدى.

معارك مستمرة

الإثنين، اندلعت معارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع اللذين يتواجهان منذ أربعة أشهر، في مناطق مختلفة من الخرطوم وفي إقليم دارفور وفق ما أفاد سكان لوكالة "فرانس برس".

وقال هؤلاء السكان إنه سُمع دوي "ضربات جوية مكثفة وانفجارات قوية" في العاصمة.

وفي جنوب دارفور، استيقظ سكان، الإثنين، مجددا "على أصوات المدفعية وواصلوا الفرار من المدينة" التي تتعرض لهجوم من قوات الدعم السريع، كما أفاد شهود لفرانس برس.

وقال شهود في تصريحات لـ"رويترز "، إن أحدث موجة من الاشتباكات استمرت ثلاثة أيام وأطلق خلالها الجيش وقوات الدعم السريع قذائف مدفعية على أحياء سكنية في نيالا بغرب السودان.

وتسبب الأعمال القتالية في تدمير شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات.

وذكرت هيئة محامي دارفور، التي تراقب حقوق الإنسان، إن ثمانية أشخاص على الأقل قُتلوا يوم السبت وحده.

وقال شهود إن قتالا اندلع خلال الأيام الماضية في منطقة كبم التي تبعد نحو 100 كيلومتر غربي نيالا مما أودى بحياة العشرات من الأشخاص.

وقالت هيئة محامي دارفور إن رجالا من قبيلة عربية هاجموا المنطقة وأحرقوا جزءا من سوق كبم وداهموا مركز الشرطة في هجوم على قبيلة عربية أخرى، حسبما ذكرت "رويترز".

وقال مكتب الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا) إن "نحو عشرين ألف شخص نزحوا جراء العنف" الذي تشهده مدينة نيالا منذ بضعة أيام، لافتا إلى "منع" إيصال المساعدات.

وقال مصدر طبي في نيالا، ثاني كبرى المدن السودانية لوكالة "فرانس برس"، إن رغم صعوبات الوصول إلى مستشفى نيالا بسبب القصف، استقبلنا 66 جريحا توفي ستة منهم، الأحد".

وإقليم دارفور سبق أن شهد حربا أهلية في العقد الأول من القرن الحالي، ويعتبر معقل قوات الدعم السريع.

وتركزت المعارك لفترة طويلة في الجنينة، عاصمة غرب دارفور، حيث قد تكون وقعت "جرائم ضد الانسانية"، وفق الأمم المتحدة.

حرب أهلية عرقية؟

تحدثت مصادر عدة عن مجازر بحق المدنيين واغتيالات "ذات طابع إثني"، وفق "فرانس برس".

وعلى الجانب الآخر من الحدود، في بلدة أدري في شرق تشاد "وصل أكثر من 358 ألف لاجئ" منذ بدء النزاع في 15 أبريل، وفق منظمة أطباء بلا حدود.

وأعربت هذه المنظمة غير الحكومية عن قلقها إزاء هذه المخيمات التي "ليست حاضرة لاستقبال جميع الأشخاص الذين ينقلون إلى هناك. 

وبالتالي، يتعرضون للشمس والمطر وليس لديهم ما يكفي من الطعام والماء وحتى معدات الطهو. الحاجات هائلة والموارد محدودة جدا"، كما أوضحت سوزانا بورجيس، منسقة الطوارئ في منظمة أطباء بلا حدود في تشاد.

وأودى الصراع في السودان بـ3900 شخص على الأقل في أربعة أشهر.

والإثنين، ظهر قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على التلفزيون السوداني الرسمي في فيديو نادر ندد فيه بـ"أكبر مؤامرة في التاريخ الحديث" للسودان.

ووعد بالاحتفال "قريبا جدا بالنصر المؤزر على هذا التمرد الغاشم" بقيادة منافسه الفريق، محمد حمدان دقلو، في حين يتوقع الخبراء أن تستمر الحرب لفترة طويلة، حسب "فرانس برس".

وفي يوليو، حذر فولكر بيرتس، رئيس بعثة الأمم المتحدة في السودان، من أنه لم تظهر أي بوادر على إمكانية الوصول لحل سريع للاقتتال وهو ما "يهدد بالتحول إلى حرب أهلية عرقية".

وفشلت جهود الوساطة الدبلوماسية حتى الآن واستغل الطرفان فترات وقف إطلاق النار لإعادة تنظيم الصفوف، وفق وكالة "رويترز".

سودانيات من دارفور يهربن إلى تشاد المجاورة بعد اندلاع العنف في مناطقهن
مخاوف من اتساع رقعة النزاع في دارفور

في تحول جديد بالمعارك الدائرة في السودان منذ أكثر من عام، شهدت ولاية شمال دارفور الواقعة في غرب البلاد، أول اشتباكات مباشرة، بين قوات الدعم السريع وبعض الحركات المسلحة، بعد أن تخلت تلك الحركات عن الحياد، وقررت المشاركة في القتال إلى جانب الجيش.

وفي أحدث تطور ميداني، قالت قوات الدعم السريع إنها "بسطت سيطرتها الكاملة على محلية مليط، بشمال دارفور، وتمكنت من استلام 46 مركبة عسكرية بكامل عتادها، وحررت معسكرات حركات جبريل ومناوي وتمبور".

ويرأس أركو مناوي، وهو حاكم إقليم دارفور، حركة تحرير السودان، كما يرأس جبريل إبراهيم الذي يتولى منصب وزير مالية السودان، حركة العدل والمساواة، بيما يرأس مصطفى طمبور، حركة التحرير السودانية.

ومؤخرا، أعلن مناوي وجبريل التخلي عن حالة الحياد، وقررا المشاركة في الحرب إلى جانب الجيش السوداني، ليلحقا بمصطفى طمبور الذي أعلن مبكرا مساندته للجيش في مواجهة الدعم السريع.

ولم يصدر تعليق من الحركات الثلاث أو من الناطق باسم الجيش السوداني على بيان قوات الدعم السريع، التي تحدثت عن دخولها مليط الواقعة بالقرب من مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور. 

عودة المواجهات

مع انتقال الصراع الذي بدأ في الخرطوم، إلى دارفور، كثفت قوات الدعم السريع عملياتها العسكرية في إقليم دارفور الذي شهد في عام 2003 حربا، استمرت لسنوات، وأوقعت أكثر من 300 ألف قتيل بحسب الأمم المتحدة.

وتمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على ولاية جنوب دارفور، وتبع ذلك سيطرتها على ولاية غرب دارفور، ثم ولاية وسط دارفور، وولاية شرق دارفور، لتبسط سيطرتها على أربع من أصل خمس ولايات في دارفور، بينما ظلت ولاية شمال دارفور خارج سيطرة الدعم السريع.

وتعيش ولاية شمال دارفور وضعا استثنائيا، وخاصة عاصمتها الفاشر، إذ توجد قوات الدعم السريع، في أحياء شرق المدينة، بينما توجد الحركات المسلحة والجيش في الأجزاء الأخرى.

وفي سبتمر الماضي، حشدت قوات الدعم السريع مسلحيها للهجوم على مدنية الفاشر، العاصمة التاريخية للإقليم الذي كان مستقلا عن السودان حتى عام 1916، لكنها تراجعت بعد تفاهمات مع قادة الحركات المسلحة التي كانت تقف على الحياد، حسبما ذكر نائب قائد قوات الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو، في وقت سابق.

لكن في مارس الماضي، غيّرت حركة العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان، الرئيسيتان في دارفور، موقفها المحايد، وشاركتا في القتال إلى جانب الجيش، ما جعل الدعم السريع تعلن ولاية شمال دارفور هدفا لعملياتها العسكرية.

بعد إعلان حاكم دارفور.. تحالف بمواجهة الدعم السريع وحديث عن "هجوم واسع"
من على ظهر عربة قتالية، في طريق بري بالقرب من الخرطوم، أطلق حاكم إقليم دارفور، رئيس حركة تحرير السودان، مني أركو مناوي، تعهدا بالعمل إلى جانب الجيش السوداني "لاستعادة البلاد وبيوت المواطنين من قوات الدعم السريع".

ويرى الخبير الاستراتيجي، أمين مجذوب، أن "المعارك في ولاية شمال دارفور تعود إلى أن قوات الدعم السريع تحاول الاستيلاء على الولاية، بينما تسعى الحركات المسلحة إلى توسيع نطاق سيطرتها على الولاية".

وقال مجذوب، وهو ضابط سابق بالجيش السوداني، لموقع الحرة، إن "محاولة الدعم السريع دخول الفاشر، لم تنجح، ولذلك اتجهت إلى السيطرة على مدن أخرى مثل مليط القريبة من الفاشر".

وتوقع الخبير الاستراتيجي، استمرار المعارك في ولاية شمال دارفور، "لأن قوات الدعم السريع تسعى لبسط كامل سيطرتها على إقليم دارفور، بينما تعمل الحركات المسلحة للحيلولة دون سقوط الفاشر، التي تعد المعقل الرئيسي لها، في أيدى الدعم السريع".

ومع تفجُّر الحرب في الخرطوم، سارعت الحركات الدارفورية المسلحة التي أعلنت وقوفها على الحياد، لتكوين قوة مشتركة لحماية المواطنين، وتوفير الأمن في إقليم دارفور.

وتأسست القوى المشتركة من حركة تحرير السودان، بقيادة مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل، وحركة المجلس الانتقالي بقيادة الهادي إدريس، بجانب تجمع حركات التحرير بقيادة الطاهر حجر.

وحجر وإدريس هما عضوان في مجلس السيادة، وجرى فصلهما من المجلس بقرار من رئيسه عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، بعد أن أصرا على الموقف المحايد خلال الحرب.

 وحينما أعلن مناوي وجبريل المشاركة في الحرب إلى جانب الجيش، تمسك حجر وإدريس بالحياد، وانسلخا من القوى المشتركة المكلفة بحماية المدنيين في إقليم دارفور.

واستعبد مجذوب دخول حركتي حجر وإدريس في مواجهة مع الحركات الأخرى التي اختارت مساندة الجيش، وقال إن "الحركتين لا تملكان قوة مؤثرة، كونهما انشقتا من حركات أخرى رئيسية في دارفور".

في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، عثمان المرضي، أن "الصراع تجدد في دارفور بسبب مشاركة قوات جبريل ومناوي وطمبور في المحاولات التي ينفذها الجيش لاستعادة ولاية الجزيرة من قبضة الدعم السريع".

وقال المرضي لموقع الحرة، إن "المواجهات ستستمر في ولاية شمال درافور، وبخاصة مدينة الفاشر، التي تتقاسم فيها قوات الدعم السريع السيطرة مع الجيش وحركات دارفور".

ولفت إلى أن "قوات الدعم السريع ستعمل على إرباك المشهد وإنهاء حالة الأمن المحدود التي كانت تعيشها الفاشر، بسبب اتفاق بينها وحركات دارفور، وذلك حتى تشغل حركات دارفور في معاركها الخاصة بها، بدلا عن مساندة الجيش في المعارك الدائرة بوسط السودان".

واستولت قوات الدعم السريع، في 19 ديسمبر الماضي، على ولاية الجزيرة الاستراتيجية بوسط السودان، مما مكنها من نقل الصراع إلى حدود ولايات وسطية جديدة مثل سنار والقضارف.

ويشن الجيش وحلفاؤه من الحركات المسحلة هجمات على الدعم السريع في عدد من المحاور القتالية في ولاية الجزيرة، بهدف استعادة السيطرة على الولاية التي تضم أكبر مشروع زراعي بالري الانسيابي في العالم.

"مخاوف الحرب الأهلية"

أدى تجدد الاشتباكات في إقليم دارفور إلى زيادة المخاوف من اتجاه الإقليم المضطرب إلى سيناريو الحرب الأهلية الشاملة، بخاصة في ظل تعدد المكونات الاجتماعية والقبلية، وانتشار السلاح، وفق مختصين.

وتعيش في إقليم دارفور أكثر من 100 قبيلة، يتحدث منسوبوها أكثر من 14 لغة محلية، بخلاف اللغة العربية. بينما يمتد وجود بعض تلك القبائل إلى عدد من الدول التي تجاور السودان.

واستعبد مجذوب، انتقال الصراع من قتال بين مكونات مسلحة، إلى قتال أهلي بين المكونات الاجتماعية في الإقليم، مشيرا إلى أن "القتال لايزال محصورا بين حركات دارفور وقوات الدعم السريع".

وأضاف: "لا تزال الأمور تحت السيطرة، ولاتزال الحركات المسحلة الدارفورية تفرض حضورها الميداني، ما يقلل احتمال اشتراك القبائل في القتال".

ويجاور إقليم دارفور أربع دول، هي ليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان التي انفصلت عن السودان في العام 2011.

عام من الصراع.. كيف توسعت دائرة المعارك في السودان؟
اتسعت دائرة الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ودخلت في المعارك ولايات كانت بمنأى عن القتال الذي اقترب من دخوله عامه الثاني، ما يهدد بزيادة معاناة النازحين الذين اتخذوا من تلك الولايات ملاذا من جحيم الحرب، وفق مختصين وناشطين

وفي المقابل، يرى المرضي أن "إقليم دارفور ليس بعيدا عن خطر الحرب الأهلية الشاملة، لاعتبارات عدة"، أبرزها أن "الإقليم لا يزال يعيش تداعيات الحرب التي اندلعت في 2003 واستمرت لنحو عشرين عاما".

ويشير إلى أن "الطرفين المتصارعين، مدعومان من مكونين مختلفين، إذ تساند القبائل العربية قوات الدعم السريع، بينما تحوز الحركات المسلحة الأخرى على دعم القبائل غير العربية".

وبالنسبة للمرضي، فإن ذلك سبب كافٍ لاشتعال الحريق، في أية لحظة، بين المكونات القبلية، إذ ينتشر السلاح في الإقليم بكثافة.

وأدى القتال منذ 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني، بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان "حميدتي"، إلى مقتل أكثر من 13 ألف شخص، ونزوح نحو ثمانية ملايين آخرين، بينهم أكثر من 1.5 مليون لجأ إلى الدول المجاورة، بحسب الأمم المتحدة.

وتسبب النزاع بكارثة إنسانية، إذ يحتاج حوالي 25 مليون شخص، أي ما يعادل أكثر من نصف السكان، إلى المساعدات، بينهم نحو 18 مليونا يواجهون انعداما حادا للأمن الغذائي، وفق بيانات الأمم المتحدة.