بورتسودان المنفذ الوحيد للسودان على البحر الأحمر
بورتسودان المنفذ الوحيد للسودان على البحر الأحمر

في 27 أغسطس الماضي، كان الخروج النادر لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان من العاصمة الخرطوم، حيث تشتد المعارك مع قوات الزعم السريع، وحينها ظهر في مدينة بورتسودان المطلة على البحر الأحمر شرقي البلاد.

وبالأمس فقط (الإثنين)، شهدت المدينة اشتباكات هي الأولى على أراضيها منذ اندلاع الصراع في منتصف أبريل الماضي، حيث نقلت وكالة "فرانس برس" عن شهود عيان، أن "الجيش اشتبك مع عناصر ميليشيا قبلية".

ماذا حدث؟

قررت قوات ميليشيا يقودها القيادي في قبيلة البجا، شيبة ضرار، إقامة نقطة تفتيش "غير رسمية" وسط بورتسودان، لتتدخل إثرها قوات الجيش وتدور اشتباكات وإطلاق نار، بحسب مواقع محلية ووكالة "فرانس برس".

ونقلت الوكالة أن الاشتباكات التي جرت مساء الإثنين، تعد أول مواجهة مسلحة في المدينة منذ اندلاع القتال.

ونقلت عن شاهد عيان قوله، إن "جنودا انتشروا في المنطقة بعد إزالة نقاط تفتيش كانت الميليشيا قد أقامتها"، في حين أفاد آخرون بـ"عودة الهدوء" بعد فترة قصيرة.

وبحسب فرانس برس، فقد "دعم ضرار الجيش في بداية الصراع، لكنه عاد ووجه انتقادات حادة لمسؤولين حكوميين انتقلوا إلى شرق السودان، من دون أن يعلن تحالفه مع قوات الدعم السريع".

وفي الأسابيع الأخيرة، أصبحت بورتسودان قاعدة للبرهان، الذي بقي حتى أواخر أغسطس متحصّنا في مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم، والذي يحاصره مقاتلو قوات الدعم السريع.

"العاصمة البديلة"

دارت تكهنات كبيرة بشأن إمكانية تحول بورتسودان إلى "عاصمة بديلة" للخرطوم، في ظل الأوضاع الهادئة فيها، وعمل مؤسسات حكومية ودولية وأممية منها، بعد الخروج من العاصمة بسبب القتال.

وفي هذا الصدد، حذرت "قوى الحرية والتغيير"، في بيان، الجمعة، مما وصفته بـ"تلويح طرفي الحرب بتكوين حكومة في مواقع سيطرتهما"، واعتبرت أن ذلك "أمر خطير للغاية سيترتب عليه تفتيت البلاد وتقسيمها".

وقالت إنها ستتخذ خطوات "للتصدي لمخططات تقسيم البلاد والعمل من أجل إيقافها، وعلى رأسها التواصل المباشر والفوري مع القوات المسلحة والدعم السريع بغرض حثهما على تجنب أي خطوات حالية أو مستقبلية تُفضي لتمزيق البلاد واستمرار الحرب وتصعيدها وزيادة رقعتها".

من جانبه، حذر حزب الأمة القومي من "محاولة تشكيل حكومة تصريف أعمال في بورتسودان"، مشيرًا في بيان، الجمعة، إلى أن "هذه الخطوة ستؤدي إلى "انقسام البلاد وانزلاقها نحو الحرب الأهلية".

أهمية بورتسودان؟

ظهر اسم مدينة بورتسودان كـ"عاصمة بديلة" محتملة للخرطوم، في وقت لم يطل الصراع المدينة التي تمتلك بنى تحتية كبيرة.

وتحولت بورتسودان إلى "ملجأ" للسفارات الأجنبية، ونقطة خروج للأجانب والسودانيين الراغبين في الهروب من جحيم الحرب في البلاد.

وأصبحت المدينة موقعا لعمل مؤسسات حكومية ومنظمات أممية، ووُصفت بأنها "عاصمة بحكم الأمر الواقع". وساعد في ذلك موقعها البعيد عن النزاع، حيث تبعد نحو 800 كيلو متر عن الخرطوم.

تضم المدينة منشآت حيوية، من بينها 5 موانئ مهمة، وهي المنفذ البحري الوحيد للسودان، وبالتالي تعد مركزا تجاريا أساسيا في البلاد.

كما تمتلك مطارا دوليا كان نقطة انطلاق للرحلات التي غادرت بالرعايا الأجانب الذين فروا بعد الحرب، إلى جانب وجود خط سكك حديدية لنقل البضائع.

وكان قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، قد قال، الخميس، إن قواته "ستبدأ مشاورات لتشكيل سلطة مدنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، إذا استمر البرهان ادعاء شرعية زائفة"، على حد قوله.

وأضاف أن قيامه (البرهان) بتشكيل حكومة في بورتسودان "يعني التوجه نحو سيناريوهات حدثت في دول أخرى، بوجود طرفين يسيطران على مناطق مختلفة في بلد واحد".

وهاجمت قوات الدعم السريع مقر قيادة الجيش في وسط الخرطوم، ليرد الجيش بشنّ غارات جوية بالطائرات الحربية والمسيّرات، بحسب فرانس برس.

والسبت، أدّت اشتباكات عنيفة في الخرطوم إلى اشتعال النيران في مبانٍ بوسط العاصمة. وأظهرت مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، ألسنة اللهب تلتهم مبان شهيرة، من أبرزها البرج الذي يضم مقرّ ومكاتب شركة النيل، كبرى شركات النفط في البلاد.

وقالت قوات الدعم السريع إن المباني "دُمرت في هجمات شنها سلاح الجو"، في حين أصدرت وزارة الخارجية التابعة للبرهان، بيانا، الإثنين، قالت فيه إن "المليشيا المتمردة لجأت خلال اليومين الماضيين لعمليات التخريب والحرائق، في إطار حملتها الشريرة والممنهجة لتدمير العاصمة القومية".

ومنذ اندلاع المعارك في الخرطوم، قُتل نحو 7500 شخص، في حصيلة يرجّح أن تكون أقلّ بكثير من عدد الضحايا الفعلي للنزاع.

كما اضطر نحو 5 ملايين شخص إلى ترك منازلهم والنزوح داخل السودان، أو اللجوء إلى دول الجوار، خاصة مصر وتشاد.

الزعيم القبلي موسى هلال
صورة يظهر فيها هلال بعد ساعات من اعتقاله بواسطة الدعم السريع في 2017 | Source: Courtesy Image

بعد أن تضاربت المعلومات عن موقفه من الحرب، أعلن موسى هلال، مؤسس ميليشيا الجنجويد التي انبثقت منها قوات الدعم السريع، مساندته للجيش، في الحرب الدائرة حاليا بالسودان.

وارتبط هلال، الذي يرأس قبيلة المحاميد العربية، بالحرب التي شهدها إقليم دارفور بغرب السودان في العام 2003، إذ تتهمه الأمم المتحدة بالتورط في تسليح قبائل عربية للقتال إلى جانب نظام الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

وأدت حرب دارفور إلى مقتل 300 ألف شخص، وتشريد 2.5 مليون آخرين، وفق الأمم المتحدة، بينما يقول نظام الرئيس السوداني السابق إن عدد القتلى لا يتجاوز 10 آلاف قتيل.

وتسببت الحرب التي شهدها الإقليم في إصدار مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق البشير وعدد من رموز نظامه، ووضعت هلال ضمن قائمة عقوبات أممية ودولية.

خلافات قديمة

وظهر هلال في مقطع فيديو، وهو يخاطب حشدا من مناصريه، قائلا "ليس المطلوب من المواطن الصالح أن يخرب بلاده، وليس المطلوب منه أن يقبل الغزو على وطنه"، معلنا أنه "مع الجيش والوطن ومؤسساته السيادية".

وكشف هلال عن تعرضه لمحاولة اغتيال، وقال إن "شخصا تعود جذوره إلى خارج السودان" أطلق عليه النار من بندقية محاولا قتله، قبل أن يتمكن أفراد الحماية التابعون له من القبض على الجاني".
 

ويرى المختص في شؤون دارفور، عمر إسحق، أن "مساندة موسى هلال للجيش السوداني، من شأنها أن تقود لمتغيرات قتالية لصالح الجيش، إن لم تكن على مستوى المعارك بالبلاد، فعلى مستوى إقليم دارفور".

وقال إسحق لموقع الحرة إن "هلال له تأثير كبير على القبائل العربية في دارفور، أكثر من تأثير قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان حميدتي عليها، ما قد يقلل عمليات انضمام منسوبي القبائل العربية إلى الدعم السريع".

ولفت إلى أن "هلال يمكن أن يلعب لصالح الجيش ذات الدور الذي لعبه مع نظام البشير، بتجنيد المقاتلين، الأمر الذي ساعد البشير وقتها، في التصدي لعشرات الحركات المكونة من القبائل غير العربية في دارفور".

وينتمي موسى هلال وحميدتي إلى قبيلة الرزيقات العربية، التي تصنف كأكبر القبائل الدرافورية التي ترفد قوات الدعم السريع بالمسحلين. 

وانشق حميدتي من ميليشيا الجنجود التي ألحقها نظام البشير بالجيش، وأطلق عليها قوات حرس الحدود. وفي عام 2013، أسس حميدتي مليشيا الدعم السريع، بعد الاستعانة بعدد من أشقائه وأقربائه.

وفي عام 2017 أجاز البرلمان السوداني قانونا ألحق بموجبه ميليشيا الدعم السريع إلى الجيش، ليتصاعد الخلاف بين حميدتي وهلال، بعد أن كلف نظام البشير قوات الدعم السريع بجمع السلاح غير القانوني في دارفور.

واعتقلت قوة من الدعم السريع، في نوفمبر 2017، موسى هلال من مقر إقامته في ضاحية مستريحة بشمال درافور. وبعدها حكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن، بتهم تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة.

وعقب سقوط نظام البشير، وتحديدا في مارس 2021 أصدر مجلس السيادة السوداني قرارا بالعفو عن هلال، وفق ما ذكره بيان لمجلس الصحوة الثوري الذي أسسه هلال عقب خلافاته مع نظام البشير.

شمال دارفور.. هل تعيد المعارك مع "الدعم السريع" شبح الحرب الأهلية؟
في تحول جديد بالمعارك الدائرة في السودان منذ أكثر من عام، شهدت ولاية شمال دارفور الواقعة في غرب البلاد، أول اشتباكات مباشرة، بين قوات الدعم السريع وبعض الحركات المسلحة، بعد أن تخلت تلك الحركات عن الحياد، وقررت المشاركة في القتال إلى جانب الجيش

وقلل أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، عز الدين المنصور، من مساندة هلال للجيش السوداني"، مشيرا إلى أن "الزعيم الأهلي لم يعد يملك ذات النفوذ القبلي القديم".

وقال المنصور لموقع الحرة، إن "قوات الدعم السريع سبق أن اعتقلت هلال وحُكم عليه بالسجن، ومع ذلك لم يبدر من قبيلته أو مناصريه أي تحركات مُناهضمة أو انتقامية، وكل ما حدث وقفات احتجاجية محدودة، من أسرته وأحفاده، مما يؤشر على تراجع نفوذه القبلي".

وأشار أستاذ العلوم السياسية، إلى أن "القرار الذي أصدره البرهان بفتح المعسكرات لتدريب المتطوعين، وفّر آلاف المقاتلين تحت لافتة المقاومة الشعبية".

وتابع: "ما ينقص الجيش حاليا، السلاح والعتاد الحربي وليس العناصر القتالية".

جغرافيا متغيرة

ويلفت المنصور إلى أن قوات الدعم السريع بسطت نفوذها في دارفور، بصورة أكبر مما كانت عليه في السابق، "ما يقلل فاعلية هلال في الإقليم المضطرب".

وأشار إلى أن "هلال لم يتمكن من إخضاع حتى بعض قادة مجلس الصحوة الذي أسسه بعد خلافه مع نظام البشير، إذ انضم كثيرون منهم إلى القتال فعليا مع قوات الدعم السريع".

وبعد اندلاع الحرب بينها والجيش، تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على ولاية جنوب دارفور، وتبع ذلك سيطرتها على ولاية غرب دارفور، ثم ولاية وسط دارفور، وولاية شرق دارفور، لتبسط سيطرتها على أربع من أصل خمس ولايات في دارفور، بينما ظلت ولاية شمال دارفور خارج سيطرة الدعم السريع.

وفي المقابل، يشير إسحق إلى أن "أهمية هلال تنبع من كونه يملك تأثيرا قبليا في ولاية شمال دارفور، التي تسعى قوات الدعم السريع للاستيلاء عليها، لتعلن كامل سيطرتها على كامل دارفور".

وأضاف: "الآن تبدو مهمة الدعم السريع للاستيلاء على شمال درافور عسيرة وشاقة، خاصة أن الولاية تعد مركز ثقل الحركات غير العربية التي أعلن أغلبها مؤخرا مساندة الجيش".

وتعيش ولاية شمال دارفور وضعا استثنائيا، وخاصة عاصمتها الفاشر، إذ توجد قوات الدعم السريع، في أحياء شرق المدينة، بينما توجد الحركات المسلحة والجيش في الأجزاء الأخرى.

وفي سبتمر الماضي، حشدت قوات الدعم السريع مسلحيها للهجوم على مدنية الفاشر، العاصمة التاريخية للإقليم الذي كان مستقلا عن السودان حتى عام 1916، لكنها تراجعت بعد تفاهمات مع قادة الحركات المسلحة التي كانت تقف على الحياد، حسبما ذكر نائب قائد قوات الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو، في وقت سابق.

ولفت المختص في شؤون دارفور إلى أن "هلال يمكن أن ينسج خطابا عاطفيا لاستمالة قادة القبائل العربية الذين أظهروا سخطا على قوات الدعم السريع، بعد اتهامها بارتكاب فظائع ضد المدنين، وخاصة النساء".

وأضاف: "كثيرون من قادة القبائل العربية في دارفور يرفضون التعدي على حرمات النساء وأموال المواطنين وسرقة ونهب سياراتهم ومتلكاتهم، على نحو ما تتهم به تقارير سودانية ودولية قوات الدعم السريع".

بعد إعلان حاكم دارفور.. تحالف بمواجهة الدعم السريع وحديث عن "هجوم واسع"
من على ظهر عربة قتالية، في طريق بري بالقرب من الخرطوم، أطلق حاكم إقليم دارفور، رئيس حركة تحرير السودان، مني أركو مناوي، تعهدا بالعمل إلى جانب الجيش السوداني "لاستعادة البلاد وبيوت المواطنين من قوات الدعم السريع".

ومع تصاعد القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، اتهمت جماعات حقوقية، طرفي القتال بالتورط في انتهاكات ضد المدنيين، بينما تشير أغلب التقارير إلى فظائع يرتكبها عناصر من الدعم السريع، بما في ذلك حالات اغتصاب ضد فتيات.

وعقب الحرب بين الجيش والدعم السريع، توزع قادة القبائل العربية المصنفة كحاضنة اجتماعية لقوات الدعم السريع، بين داعمين للجيش، أو مناصرين لقوات الدعم السريع، أو واقفين على الحياد.

وانضم عدد من قادة نظام البشير الذين تعود جذورهم إلى القبائل العربية في دارفور إلى قوات الدعم السريع.

والأسبوع الماضي، أصدرت الحركة الإسلامية، التي تعد المرجعية الدينية لنظام البشير، قرارا بفصل، نائب رئيس الجمهورية السابق، حسبو محمد عبد الرحمن، من منصب نائب أمينها العام، وأسقطت عضويته من التنظيم.

وقالت في بيان، إن "عبد الرحمن حاد عن مبادئ وأهداف الحركة وانضم إلى مليشيا الدعم السريع".

ووفق أرقام الأمم المتحدة، أدى الصراع بين الجيش والدعم السريع إلى مقتل أكثر من 13 ألف شخص، وأجبر أكثر من 7 ملايين على الفرار من منازلهم، بينهم 1.5 مليون لجأوا إلى تشاد ومصر وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا.

وقالت وكالات الأمم المتحدة إن نصف سكان السودان، أي حوالي 25 مليون شخص، يحتاجون إلى الدعم والحماية، من جراء تداعيات الحرب التي تدور في عدد من أنحاء البلاد.