عشرات الالاف فروا من دارفور إلى تشاد بسبب الحرب
عشرات الالاف فروا من دارفور إلى تشاد بسبب الحرب

أشعلت الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل الماضي، بين أكبر قوتين في السودان، من جديد، نزاعات قائمة في دار فور منذ فترة طويلة، إذ امتد أثرها لتأخذ شكل صراع قبلي سقط بسببه مؤخرا مئات المدنيين في الإقليم الذي يشهد بعضا من أسوأ أعمال العنف وانتهاكات إنسانية خطيرة، بحسب الأمم المتحدة ومصادر تحدثت مع موقع "الحرة". 

واندلعت المعارك في 15 أبريل الماضي بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية بعد أسابيع من تزايد التوتر بين الطرفين بسبب خطة لدمج القوات في إطار عملية للانتقال من الحكم العسكري إلى الحكم المدني الديمقراطي.

وأعربت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن قلقها العميق إزاء التطورات الأخيرة التي يشهدها السودان مع تصاعد وتيرة القتال في دارفور، مشيرة إلى مقتل أكثر من 800 شخصٍ على يد الجماعات المسلحة في أردمتا بغرب دارفور خلال الأيام القليلة الماضية، فضلا عن تقارير بشأن انتهاكات تشمل العنف الجنسي والتعذيب والقتل العشوائي وابتزاز المدنيين واستهداف الجماعات العرقية. 

ولاية غرب دارفور شهدت صراعا قبليا دمويا أدى إلى مقتل المئات خلال الأيام الماضية

وقالت المنظمة الدولية للهجرة في بيان إن ثمة تقارير عن مقتل نحو 700 شخص في غرب دارفور بعد اشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية في مدينة الجنينة بين يومي الرابع والخامس من نوفمبر.

ويوضح الناطق باسم تحالف أصحاب المصلحة في دارفور، الصادق مختار، في حديثه مع موقع "الحرة" أن "إقليم دارفور منذ الحرب في 2003 بات يعاني من انفلات أمني واسع وانتشار السلاح في المنطقة، وكان نظام (الرئيس السابق عمر) البشير يستخدم القبائل في دحر التمرد وبالتالي أصبحت هناك إشكاليات اجتماعية بين هذه القبائل". 

وأدى الصراع في دارفور بين عامي 2003 و2008 إلى مقتل نحو 300 ألف شخص وتشريد ما يربو على مليونين.

وقال مختار: "بعد اندلاع الحرب الحالية، حدث استقطاب حاد بين المكونات المتحاربة، بحيث دخلت بعض القبائل بكاملها وناصرت الدعم السريع، فيما بقيت أخرى بجانب القوات المسلحة". 

وأضاف أن "الاستقطاب الحاد أدى إلى حدوث مناوشات بين هذه المكونات الاجتماعية والقبائل خاصة في منطقة الجنينة التي كانت تعاني هشاشة أمنية قبل انقلاب الطرفين المتحاربين على المكون المدني في أكتوبر 2021، وبالتالي ظل هذا الإشكال والتشاحن حاضرين". 

ويشير الصحفي، الموجود على بعد بضعة كيلو مترات منذ أردمتا، وبالتحديد في منقطة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، علاء بابكر، في حديثه مع موقع "الحرة"، إلى أه القبائل غير العربية كانت تؤيد الجيش، بينما كانت القبائل العربية تناصر قوات الدعم السريع. 

وفي شهر يوليو الماضي، دعا زعماء أكبر سبع قبائل عربية في المنطقة، عبر فيديو، جميع أفراد قبائلهم الى الانضمام لقوات الدعم السريع، مطالبين خصوصا المنخرطين في صفوف الجيش بتركه  للانتقال الى المعسكر الآخر.

وينتمي الكثير من ضباط الجيش إلى قبيلة الرزيقات وهي قبيلة قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو الملقب بـ"حميدتي".

وقال بابكر: "كانت هناك عناصر من القبائل غير العربية في القاعدة العسكرية التابعة للجيش، عندما سقطت في يد قوات الدعم السريع في الرابع من نوفمبر الجاري". 

وتابع: "عندما سقطت القاعدة، انسحبت العناصر القبلية المسلحة إلى أحياء مدنية، وأثاروا بعض الفوضى ضد القبائل العربية فطاردتهم العناصر المسلحة من هذه القبائل داخل هذا الحي في الخامس من نوفمبر، مما أدى إلى وقوع اشتباكات عنيفة قتل على إثرها المئات، فيما بقي طرفا الحرب الرئيسيين يشاهدان ما يحدث من اقتتال". 

وكانت رويترز أوردت أنه في الفترة بين شهري أبريل ويونيو من هذا العام شنت قوات الدعم السريع وميليشيات عربية متحالفة معها هجمات منهجية على مدى أسابيع استهدفت المساليت، وهي قبيلة تشكل غالبية سكان الجنينة، وذلك مع اندلاع الحرب مع الجيش السوداني.

وأشار بابكر إلى أن "الأوضاع حاليا هدأت والأسواق فتحت لكننا نسمع أصوات إطلاق ذخيرة يوميا في الليل لكننا لا نعلم مصدرها بالضبط". 

وندد الاتحاد الأوروبي، الأحد، بتصاعد العنف في منطقة دارفور بالسودان محذرا من خطر وقوع "إبادة جماعية أخرى".

وتحدث مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في بيان له عن تقارير نقلا عن شهود أفادوا بمقتل ما يزيد على 1000 فرد من قبيلة المساليت في أردمتا بولاية غرب دارفور خلال ما يزيد قليلا على يومين فقط في هجمات شنتها قوات الدعم السريع وميليشيات تابعة لها.

وقال بوريل "تبدو هذه الأعمال الوحشية الأحدث جزءا من حملة تطهير عرقي أوسع نطاقا تنفذها قوات الدعم السريع بهدف القضاء على مجتمع المساليت غير العربي في غرب دارفور، وتأتي على رأس الموجة الأولى من أعمال عنف واسعة في يونيو".

وأضاف "لا يمكن للمجتمع الدولي أن يغض الطرف عما يحدث في دارفور ويسمح بحدوث إبادة جماعية أخرى في هذه المنطقة".

ونفى زعماء القبائل العربية في تصريحات تورطهم في عملية تطهير عرقي في الجنينة، في حين قالت قوات الدعم السريع في وقت سابق إنه لا علاقة لها بما سمته الصراع القبلي.

وأشار مختار في حديثه مع موقع "الحرة"، إلى أن "العدد الكبير من الضحايا المدنيين في ولايات دارفور، الذي هو بالآلاف منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، ونهب الممتلكات والانتهاكات الإنسانية الجسيمة تقتضي تشكيل لجان تحقيق دولية محايدة للبحث عن الأسباب الحقيقية لاندلاع أعمال العنف بشكل مستمر وتقديم المجرمين للمساءلة والمحاكمة". 

وقال فيليبو غراندي، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في بيان: "قبل عشرين عاماً، شهد العالم ما تعرض له إقليم دارفور من فظائع وانتهاكات مريعة لحقوق الإنسان. ونخشى ما نخشاه أن يكون الوضع الحالي يجري على مسارٍ مماثل. يستدعي تجنب وقوع كارثة من جميع الأطراف إنهاء القتال فوراً، واحترام السكان المدنيين بشكلٍ غير مشروط".

ودعت المفوضية إلى وقف القتال، وإلى احترام كافة الأطراف لمسؤولياتهم بموجب القانون الإنساني الدولي – بما في ذلك السماح للمدنيين بالعبور الآمن أثناء تنقلهم بحثاً عن الأمان.

وقُتل أكثر من 10 آلاف شخص في النزاع السوداني حتى الآن، وفق حصيلة صادرة عن مشروع بيانات مواقع الصراعات المسلحة وأحداثها (أكليد).

وأدت الحرب إلى نزوح أكثر من 4,8 ملايين شخص داخل السودان، وأجبرت 1.2 مليون آخرين على الفرار إلى البلدان المجاورة، وفق أرقام الأمم المتحدة.

اتهامات لناشطين بتسريب معلومات استخباراتية
اتهامات لناشطين بتسريب معلومات استخباراتية

أثارت أحكام بالإعدام صدرت من محاكم سودانية في مواجهة عدد من الأشخاص بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، موجة من الجدل في الأوساط القانونية والسياسية السودانية، إذ يرى البعض أن تلك الأحكام ذات صبغة سياسية، بينما دافع عنها آخرون.

وقضت محكمة القضارف، الخميس، بإلاعدام على أحد الأشخاص بتهمة تقديم معلومات استخباراتية لقوات الدعم السريع، تضمت معلومات عسكرية عن المدنية الواقعة شرقي السودان، وفق ما أوردت وكالة الأنباء السودانية الرسمية.

"انتماء قبلي"

وتشير عضو محامي الطوارئ بالسودان، رحاب مبارك، إلى أن "هذا الحكم يضاف إلى أحكام أخرى صدرت من ذات المحكمة ضد عدد من الناشطين، بينهم محامي قضت عليه المحكمة بالاعدام، بسبب الانتماء القبلي".

وقالت مبارك لموقع الحرة إن "معظم الأحكام الصادرة حاليا ضد الناشطين والمتطوعين تهدف إلى الانتقام من الكوادر التي شاركت في الثورة على نظام الرئيس السابق عمر البشير".

كانت محكمة القضارف قضت في 12 مايو، على أحد المحامين بالإعدام بتهمة التخابر مع قوات الدعم السريع، وقضت ذات المحكمة في 18 مارس الماضي بالإعدام على شخص بتهمة التعاون مع ذات القوات.

وأشارت عضو محامي الطوارئ إلى أن "أغلب الأحكام الحالية تصدر من قضاة أبعدتهم حكومة الثورة من مناصبهم، بحجة انتمائهم إلى حزب البشير، قبل أن تتم إعادتهم إلى الخدمة مجددا، بعد انقلاب الجيش على الحكومة المدنية بقيادة عبد الله حمدوك في 25 أكتوبر 2021".

ولفتت إلى أن "تلك الأحكام يقف خلفها منسوبون لنظام البشير، وأنها تستهدف كثيرا من الناشطين الذين يعملون في تقديم الإغاثة إلى النازحين، وكذلك الذين يعملون على إيقاف الحرب".

ووفق منظمات حقوقية، فقد اعتقلت السلطات السودانية في 12 أبريل الماضي، الناشط الطوعي أسامة حسن، من مدينة خشم القربة، وقدمته للمحاكمة بتهمة تقويض النظام الدستوري، وذلك "على خلفية منشورات ناقدة لأداء أعضاء مجلس السيادة".

"الكل يتجسس على الكل".. ماذا وراء تعديل قانون المخابرات السودانية؟
فجّرت تعديلات أجرتها السلطات السودانية على قانون جهاز المخابرات العامة، موجة من الجدل وسط السياسيين والناشطين والخبراء العسكريين، خاصة أن "التعديلات أعادت إلى الجهاز صلاحات سُحبت عنه عقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير"، بحسب قانونيين سودانيين.

وبدوره، يشير الخبير القانوني، معز حضرة، إلى أن "النظام العدلي بعد انقلاب 25 أكتوبر أصبح أسوأ مما كان عليه خلال سنوات حكم الرئيس السابق عمر البشير، إذ أجرى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تعديلات على بعض القوانين لقمع معارضيه وضمان بقائه في السلطة".

وقال حضرة، لموقع الحرة، إن "أغلب المحاكمات التي تجري في ظل القضاء الحالي غير عادلة، ولا تتوفر فيها أبسط الحقوق العدلية، كما أن بعض المتهمين تجري محاكمتهم عل أساس الهوية".

ولفت إلى أن "أخطر ما في هذه الجرائم أنها تهدد النسيج والتماسك المجتمعي السوداني، لأنها تحاكم كثيرين وفق الانتماء القبلي والمناطقي".

كانت السلطات السودانية، أجرت الأسبوع الماضي، تعديلات على قانون جهاز المخابرات، منحت بموجبها الجهاز صلاحيات للقبض والتفتيش والاعتقال، ما اعتبره معارضون مهددا لحرية التعبير، بينما دافع وزير العدل السوداني عن التعديلات.

"أدلة إثبات"

في المقابل يشير الخبير القانوني، محمد الحسن الأمين، إلى أن "المحاكمات طالت أشخاصا ثبت تورطهم في التعاون مع ميليشيا الدعم السريع"، مشيرا إلى أن "المحكومين هم قلة قليلة جدا مقارنة مع الأعداد الكلية للمتعاونين مع الميليشيا".

وقال الأمين لموقع الحرة إن "المحاكمات لا تستهدف أحدا على أساس عرقي، وإنما على أساس ما يتوافر ضده من بينات وأدلة عن تعاونه مع الميليشيا أو مشاركته في جرائمها ضد السودان والسودانيين".

ولفت إلى أن "بعض المدانين تورطوا في إرشاد عناصر ميليشيا الدعم السريع على منازل بعض ضباط الجيش والشرطة، أو على بعض الممتلكات الخاصة بالمواطنين، بينما قدم بعضهم معلومات استخباراتية تضر بأمن البلاد".

وأضاف الأمين، وهو عضو هيئة الدفاع عن الرئيس السابق عمر البشير، أن "المحاكمات تجري في أجواء عدلية، تتوفر فيها كل سبل الدفاع عن المتهمين، ولا وجود لأي صبغة سياسية في الأحكام الصادرة ضد المدانين".

وأشار إلى أن "قادة قوى الحرية والتغيير الذين ينتقدون هذه الأحكام هم جزء من ميليشيا الدعم السريع، وقدموا لها السند والغطاء السياسي في حربها ضد الجيش".

وكانت النيابة العامة في السودان، أصدرت في أبريل الماضي، أوامر بالقبض على رئيس الوزراء السابق، رئيس تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية، عبد الله حمدوك، و15 من قادة التنسيقية، بتهم إثارة الحرب ضد الدولة وتقويض النظام الدستوري.

وأوصى بلاغ النيابة حينها بالقبض على 15 من أعضاء التنسيقية، إلى جانب حمدوك، أبرزهم، رئيس الحركة الشعبية، ياسر عرمان، وعضو مجلس السيادة السابق، محمد الفكي، ووزير مجلس الوزراء السابق، خالد عمر، بجانب وزيرة الخارجية السابقة، مريم الصادق المهدي.

اعتقالات واغتيالات واعتداءات جنسية.. صحفيو السودان بين "الجيش" و"الدعم السريع"
تواجه الصحفيات والصحفيون في السودان ظروفا تُوصف بالقاسية، خلال الحرب الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، في وقت دعت فيه منظمات محلية ودولية طرفي القتال لتمكين العاملين في مجال الصحافة من القيام بواجبهم المهني، وعدم تعريضهم للمخاطر.

من جانبها، تشير رحاب إلى أن "الأحكام التي صدرت ضد بعض المتهمين استندت إلى منشورات في مواقع التواصل الاجتماعي، أو لمقاطع فيديو، وُجدت في هواتف المتهمين، بعضها عن المعارك الدائرة في السودان".

وقالت إن "العلاقة لاتزال ملتبسة بين الجيش وقوات الدعم السريع، إذ لايزال هناك ضباط من الجيش يعملون في صفوف قوات الدعم السريع، كما أن هناك قوة مشتركة من الطرفين موجودة في السعودية ضمن عاصفة الحزم". 

وأضافت: "ليس من المنطقي أن تتم ملاحقة المدنيين بتهم التعاون مع الدعم السريع، بينما هناك ضباط بالجيش لهم علاقة مع تلك القوات".

وأشارت عضو محامي الطوارئ، إلى أن "الأحكام التي تلاحق الناشطين تأتي ضمن سياق التضييق على الذين يرفضون الحرب ويعملون على إيقافها"، لافتة إلى أن "الاستخبارات العسكرية متورطة في اعتقال عدد من الناشطين، بينما تعرض بعضهم لمعاملة قاسية".

وكان حزب المؤتمر السوداني اتهم، الأسبوع قبل الماضي، الاستخبارات العسكرية باعتقال رئيس فرعيته في منطقة القرشي بولاية الجزيرة، صلاح الطيب، وقتله تحت التعذيب. في حين لم يصدر تعليق رسمي من الجيش عن الحادثة.

وتتهم منظمات حقوقية سودانية، ودولية، جهاز الأمن والمخابرات في عهد البشير بالتورط في انتهاكات ضد الناشطين، بما في ذلك الاحتجاز والإخفاء القسري والتعذيب والقتل.

وبعد سقوط نظام البشير جرت محاكمة عدد من منسوبي جهاز الأمن والمخابرات بتهم تعذيب وقتل متظاهرين، أبرزهم طالب الطب محجوب التاج في الخرطوم، والمعلم أحمد الخير في خشم القربة بشرق السودان .

ووفق أرقام الأمم المتحدة، أدى الصراع بين الجيش والدعم السريع، إلى مقتل أكثر من 13 ألف شخص، وأجبر أكثر من 7 ملايين على الفرار من منازلهم إلى مناطق داخل وخارج السودان.

وقالت وكالات الأمم المتحدة إن نصف سكان السودان، أي حوالي 25 مليون شخص، يحتاجون إلى الدعم والحماية، من جراء تداعيات الحرب التي تدور في أنحاء البلاد.