الحرب في السودان مستمرة منذ منتصف أبريل الماضي. أرشيفية
الحرب في السودان مستمرة منذ منتصف أبريل الماضي. أرشيفية

في اتهام علني، يُعد الأول من مسؤول سوداني إلى السلطات الإماراتية، قال عضو مجلس السيادة السوداني ياسر العطا، إن "الإمارات ترسل إمدادات إلى قوات الدعم السريع، عبر مطار أم جرس التشادي".

العطا الذي كان يتحدث أمام مجموعة من أعضاء جهاز المخابرات العامة في أم درمان، أضاف أن "المعلومات الواردة إلينا من جهاز المخابرات والاستخبارات العسكرية ومن الدبلوماسية السودانية تشير إلى أن الإمارات ترسل الإمدادات إلى الدعم السريع". 

وجاءت تصريحات العطا قبل أيام من مشاركة متوقعة لرئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، في الاجتماع الرئاسي بشأن المناخ والسلام والأمن في منطقة القرن الإفريقي، في دبي بالإمارات، في الثالث من ديسمبر المقبل، وذلك على هامش قمة المناخ.

موقف رسمي

الخبير في إدارة الأزمات والتفاوض، اللواء السابق بالجيش السوداني، أمين إسماعيل، أشار إلى أن "اتهام عضو مجلس السيادة السوداني إلى الإمارات، لم يصدر من فراغ، وإنما استند إلى أدلة مصدرها ثلاث جهات رسمية، ممثلة في جهاز المخابرات والاستخبارات العسكرية والخارجية السودانية".

وقال إسماعيل لموقع "الحرة" إن تصريحات العطا تمثّل الموقف الرسمي للحكومة والجيش السوداني، ولا تمثّل قائلها، وهذا يشير إلى أن هناك دلائل أو ملفات، استند عليها الجيش ومجلس السيادة في اتهام أبوظبي بإرسال الإمداد إلى الدعم السريع، كما أن هناك تقارير في منصات إعلامية تحدثت بهذا الخصوص".

وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلت عن مسؤولين أوغنديين، قولهم إنهم عثروا في 2 يونيو الماضي على "شحنات أسلحة في طائرة، كان يفترض أن تحمل مساعدات إنسانية من الإمارات إلى اللاجئين السودانيين" في تشاد.

وفي أغسطس الماضي، نفت دولة الإمارات "دعم أي من طرفي الصراع في السودان بالسلاح والذخيرة"، وفق بيان لوزارة الخارجية والتعاون الدولي على موقعها الإلكتروني.

وجاء في البيان "أن الإمارات لا تنحاز إلى أي طرف في الصراع الحالي، وتسعى إلى إنهائه".

عضو المكتب الاستشاري لقائد قوات الدعم السريع إبراهيم مخيّر قال إن قواتهم لم تستلم أي دعم من الإمارات، أو من تشاد، أو أي دولة أخرى.

كما أكد لموقع "الحرة" أن "قوات الدعم السريع لا تتلقى أي دعم خارجي، وأنها تعتمد على الأسلحة والعتاد الحربي الذي حصلت عليه من مخازن استولت عليها من الجيش السوداني".

وأدى الاقتتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، الذي بدأ في أبريل الماضي، إلى مقتل أكثر من تسعة آلاف شخص، بجانب تشريد أكثر من 7 ملايين نازح داخلياً، بينما يحتاج أكثر من نصف سكان البلاد، إلى مساعدات إنسانية، للبقاء على قيد الحياة، حسب منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف).

المحلل السياسي الإماراتي، ضرار الفلاسي، قلل من اتهام عضو مجلس السيادة السوداني إلى الإمارات، بالضلوع في تقديم الإمداد إلى قوات الدعم السريع.

الفلاسي قال لموقع "الحرة"، إن "الإمارات لا تدعم الحرب في السودان، وتعمل على تقديم الدعم إلى المتضررين من الأزمة الحالية، ولذلك لا تلتف إلى مثل هذه الاتهامات والمزاعم".

رسائل خارجية

اتهام عضو مجلس السيادة السوداني، ياسر العطا إلى الإمارات، جاء بعد يومين من زيارة البرهان إلى كينيا وجيبوتي، حيث بحث مع الرئيس الكيني، وليام روتو ومع السكرتير التنفيذي لمنظمة ايقاد، ورقني قبيهو، في اجتماعين منفصلين، "سبل إيقاف الحرب وعودة الحياة طبيعتها في السودان"، بحسب إعلام مجلس السيادة السوداني.

من جانبه اعتبر عضو المكتب الاستشاري لقائد قوات الدعم السريع إبراهيم مخيّر، أن "اتهام العطا إلى الإمارات، ابتزاز للمجتمع الدولي وأنه محاولة للتشويش على الإرادة الدولية والجهود الساعية إلى تحقيق السلام في السودان".

وتابع قائلا: "هذه التصريحات تكشف عن ارتباك وفوضى في مركز قيادة القوات المسلحة السودانية، والجميع يعلم أن الإمارات دعمت السودانيين وتوسطت لردم الهوة بين السودانيين قبل وبعد اندلاع الحرب".

وتقود السعودية والولايات المتحدة جهودا لإنهاء الحرب في السودان، من خلال جولات تفاوضية بين وفدي الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في مدينة جدة، حيث اتفق الطرفان المتحاربان على "تسهيل وصول المساعدات الإنسانية"، بحسب بيان مشترك للسعودية والولايات المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) في السابع من نوفمبر الماضي.

ووفق البيان، فقد اتفق الطرفان على "إنشاء آلية تواصل بين قادة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع"، ضمن مساعي تعزيز إجراءات الثقة، في خطوة وصفها مراقبون بأنها اختراق منظور في مسار إنهاء الحرب عبر التفاوض.

المعارك بالسودان أدت إلى مقتل الآلاف
السودان.. طرفا الصراع يلتزمان بتسهيل مرور المساعدات الإنسانية
ذكر بيان مشترك للسعودية والولايات المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، الثلاثاء، أن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أعلنا التزامهما بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وتنفيذ إجراءات لبناء الثقة، من دون التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

وتزامن هجوم العطا على الإمارات مع وقفة احتجاجية في مدينة بورتسودان، التي تتخذها السلطات السودانية مقراً بديلاً لإدارة شؤون البلاد، حيث رفع المحتجون لافتات تطالب بطرد السفير الإماراتي من السودان.

الخبير في إدارة الأزمات والتفاوض، اللواء السابق بالجيش السوداني، أمين إسماعيل، استعبد أن تصل علاقات السودان والإمارات إلى مرحلة القطيعة الدبلوماسية، أو سحب، أو طرد السفراء.

لكنه أشار إلى أن تصريحات العطا ستنعكس على مشاركة البرهان في قمة المناخ بالإمارات، وربما تقطع الطريق – والحديث لإسماعيل – على أي فرصة لتقارب أو محادثات جانبية بين البرهان والقيادة الإماراتية خلال فعاليات القمة".

وبدوره، شدد المحلل السياسي الإماراتي ضرار الفلاسي، على أن الإمارات مستمرة في تقديم الدعم للسودانيين المتضررين من الحرب، وأنها عازمة على إنجاح قمة المناخ المنعقدة في دبي". 

وكان تحالف يضم شركة موانئ أبو ظبي وشركة إنفيكتوس للاستثمار، وقع في ديسمبر الماضي، اتفاقا مبدئيا مع السلطات السودانية، لإدارة وتشغيل ميناء أبو عمامة، والمنطقة الاقتصادية على البحر الأحمر، باستثمارات قيمتها 6 مليارات دولار.

ومن المخطط أن يضم المشروع، الذي يقع على بعد حوالي 200 كيلومتر شمالي مدينة بورتسودان الساحلية، منطقة اقتصادية ومطارا ومنطقة زراعية على مساحة 400 ألف فدان.

تصريحات البرهان تزامنت مع إعلان التلفزيون السوداني أن تشكيل الحكومة الجديدة بات وشيكا
تصريحات البرهان تزامنت مع إعلان التلفزيون السوداني أن تشكيل الحكومة الجديدة بات وشيكا

مع دخول الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شهرها الحادي عشر، واقترابها من إكمال العام، تراجعت فرص الحل السلمي، وزاد رهان الطرفين على الحسم العسكري، خاصة عقب دخول الجيش إلى مناطق كانت خاضعة كليا لسيطرة الدعم السريع في مدينة أم درمان، بالعاصمة السودانية، الخرطوم.

وتأتي هذه التطورات في ظل انقطاع خدمة الاتصالات عن معظم الولايات السودانية، بينما تراجعت الخدمات الصحية وزادت نسبة النزوح، خاصة في ولاية الجزيرة التي شهدت تمددا لقوات الدعم السريع، مما أثار تساؤلات عن أداء البرهان وفريقه العسكري والتنفيذي منذ 15 أبريل الماضي، توقيت الطلقة الأولى في حرب السودان الحالية، وحتى اليوم.

المسار العسكري

على صعيد إدارة المعارك، والأداء العسكري، تباينت آراء الخبراء والمختصين، بين من أثنى على أداء البرهان وطاقم القيادة العسكرية، وبين منتقد، خاصة مع تصاعد معاناة السودانيين من جراء تطاول أمد الحرب.

ويرى الخبير الاستراتيجي، أمين مجذوب، أن "البرهان وطاقمه العسكري تمكن من إدارة المعارك العسكرية بنجاح خلال الفترة الماضية، ونجح في امتصاص الصدمة الأولى للحرب".

وقال مجذوب، وهو ضابط سابق بالجيش السوداني، لموقع الحرة، إن "البرهان وفريقه العسكري أفلح في تقليل الخسائر الناتجة عن الحرب المفاجئة، واستطاع التعامل بتخطيط فعال على الرغم من أن الجيش السوداني لم يشارك قبل ذلك في حرب المدن".

وأشار الخبير الاستراتيحي إلى أن "خطة البرهان وطاقم القيادة انتقلت بعد ذلك إلى المرحلة الثانية المتعلقة بالهجوم والتطهير ومطاردة قوات الدعم السريع، ونجحت في ذلك بدرجة كبيرة".

وأضاف "واحدة من أبرز القرارات التي اتخذها البرهان وفريقه العسكري هي الزيارات الميدانية لعدد من الوحدات العسكرية، مما أدى لرفع الروح المعنوية لدى منتسبي الجيش، بعد أن تأثرت جراء فقدان بعض المواقع العسكرية المهمة".

لكن الخبير الاستراتيجي عاد وألقى باللائمة على البرهان وطاقمه العسكري، بشأن ما وصفه بفشلهم في ما سماه "عدم توقُّع الحرب والتنبؤ بحدوثها ضمن سياق العمل الأمني الوقائي".

وهذه النقطة تحديدا، عدّها المحلل السياسي عثمان المرضي، أكبر ما يُحسب على البرهان، "حال ثبت أنه لم يكن - فعلا - على علم بالحرب قبل وقوعها".

وقال المرضي لموقع الحرة، إن "البرهان وطاقمه العسكري فشلا في إدارة المعركة بالشكل الذي يقلل الخسائر، كما أنه راهن على الخيار العسكري، بدلا من إعلاء الخيار السلمي التفاوضي لحل الأزمة، مع أن الجيش فقد عددا من المواقع العسكرية والاستراتيجية المهمة"

واعتبر أن "أسوأ قرار أن يراهن القائد على الحسم العسكري وليس على الحل التفاوضي، مع أن واجبه الأخلاقي يحتم عليه أن يعمل على حفظ أرواح وممتلكات المواطنين، خاصة في ظل حرب دارت في قلب العاصمة وتأثرت بها كل البلاد".

وأشار المحلل السياسي إلى أن الحرب الحالية برهنت على 3 أضلاع للفشل والتقصير، تمثلت في عدم قدرة الجيش على توفير الإمداد بالصورة المطلوبة، إذ استولت قوات الدعم السريع على عدد من المقار العسكرية بسبب انقطاع ذخيرة وعتاد مقاتلي الجيش".

ولفت إلى أن "الضلع الثاني يتعلق بأداء هيئة الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات العامة، لكونها لم تتمكن من توفير المعلومات المتعلقة بالعمل العسكري والأمني، إذ لايزال المكان الذي كان يتخذه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي" مقرا له غير معلوم، كما أن الطريقة التي خرج بها من قلب الخرطوم ليست معلومة حتى اليوم، وهذا كله من أساسيات العمل الاستخباري".

ومضى المحلل السياسي إلى أبعد من ذلك، وقال إن "الضلع الثالث يتعلق بهيئة التدريب التابعة للجيش، لكونها لم تنجح في تجهيز مقاتلين مدربين بدرجات عالية على حرب المدن، على الرغم من مرور 10 شهور على بداية الحرب، وهي مدة كافية لتجهيز جيش كامل وليس فقط قوة متخصصة".

وخلال الأشهر الماضية، استولت قوات الدعم السريع على القصر الجمهوري ومطار الخرطوم وحاميات الجيش في جبل الأولياء وولاية جنوب دارفور، وغرب دارفور ووسط دارفور وكذلك شرق دارفور وولاية الجزيرة، بجانب عدد من المواقع العسكرية في الخرطوم، مثل مقرات الاحتياطي المركزي والكتيبة الاستراتيجية والتصنيع الحربي.

وفي المقابل، يرى المحلل السياسي مجدي عبد العزيز، أن "البرهان وطاقمه العسكري نجح بصورة واضحة في وضع استراتيجية سريعة قائمة على استنزاف "ميليشيا  الدعم السريع"، مع التركيز على حامية المقار العسكرية الرئيسية كمرحلة أولى".

وقال عبد العزيز لموقع الحرة، إن "قيادة الجيش وظّفت سلاح الطيران بطريقة فعالة، وتمكنت من تدمير غرف القيادة والسيطرة ومعسكرات الدعم السريع، مما جعل عناصرها يتخذون منازل المواطنين والأعيان المدينة كمقرات لهم، للاحتماء بها من عمليات القصف الجوي".

وأشار إلى أن "الجيش رفع كفاءة قوات العمل الخاص التي أصبحت تطارد قوات الدعم السريع في المنازل والأعيان المدنية، ونجحت في ذلك بدرجة كبيرة، مع أنها ليس مجهزة تجهيزا متقدما وحديثا لحرب المدن والشوراع".

ولفت المحلل السياسي إلى أن "البرهان نجح في إنزال قوات المشاة بكثافة، وحولها إلى مرحلة الهجوم، بعد أن كانت حريصة بشكل كبير على حماية والدفاع عن المقرات العسكرية".

وأوضح عبد العزيز أن "الفترة السابقة شهدت ما سماه "انتكاسات عسكرية" مثل استيلاء قوات الدعم السريع على مدينة ود مدني الاستراتيجية بوسط السودان، بعد انسحاب الجيش، مما جعل قيادته تشكل لجنة للتحقيق".

وأضاف "كل الأدلة تشير إلى أن هناك عملا مقصودا جرى بين عدد من قادة الجيش بهدف تغيير المسار العسكري لتحقيق أهداف سياسية والذهاب إلى المفاوضات في منبر الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا "إيغاد".

وعقب استيلاء قوات الدعم السريع على مدينة ود مدني، في ديسمبر الماضي أعلن الجيش السوداني عن لجنة للتحقيق في انسحاب قواته من المدينة مما سهل دخول قوات الدعم السريع إليها، لكنه لم يكشف حتى الآن عن نتائج التحقيق.

المسار السياسي

بوصفه رئيسا لمجلس السيادة، ظل البرهان يشرف على أداء الجهاز التنفيذي، ويقوم ببعض المهام ذات الطبيعة الدبلوماسية والسياسية، وخلال ذلك اتخذ عددا من القرارات، صادفت الرضا والقبول من البعض، بينما انتقدها آخرون.

وبرأي مجذوب، فإن "البرهان تمكن من حشد قوى سياسية فاعلة ونسج وبنى جبهة شعبية، كأمر ضروري خلال الحرب، بجانب قيامه بزيارات لعدد من الدول، وخاطب الجلسة العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، مما جعل العالم والإقليم يدرك حقيقة ما يحدث في السودان ويتبنى وجهة نظر القوات المسلحة في كثير من الأحيان".

وأضاف: "ما يُحسب على البرهانه أنه كان يثق بصورة مطلقة في "حميدتي"، كما أنه لم يتصدى لعمليات التجنيد الواسعة التي كان يقودها الأخير قبل الحرب، مما أضعف الجيش، وزاد الدعم السريع قوة واستعدادا".

وأشار الخبير الاستراتجي إلى أن "البرهان تمكن من تكوين المقاومة الشعبية التي انتظمت بمعظم القرى والمدن السودانية، وقام بتسليح كثير من مكوناتها تحت ضوابط وإشراف وسيطرة الجيش".

وأضاف "أفلح البرهان في توفير العتاد للجيش حتى في ظل الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها السودان، كما نجح في إعادة العلاقات مع إيران كحليف مهم".

لكن التقارب مع إيران الذي اعتبره مجذوب نجاحا دبلوماسيا، عدّه المحلل السياسي عثمان المرضي "خطأ كبيرا، سيجلب الضرر على السودان، ويعيده إلى سنوات العزلة التي كانت مضروبة من المجتمع الدولي على البلاد، خلال سنوات حكم الرئيس السابق عمر البشير".

المرضي أشار إلى أن "أداء البرهان السياسي والدبلوماسي والتنفيذي لم يكن أقل سوءً من الأداء العسكري، إذ وقع تحت تأثير عناصر نظام البشير، وأصبحت قراراته تلبي تطلعاتهم، عوضا عن تطلعات السودانيين".

وحذر المحلل السياسي من أن "عمليات تسليح المواطنين من خلال ما يُعرف بالمقاومة الشعبية، ربما تقود السودان إلى حرب أهلية، لأنها ستجعل السيطرة على السلاح صعبة، خاصة في ظل تصاعد خطاب الكراهية الذي ينتقد الدعم السريع من منطلقات قبلية ومناطقية".

وتابع قائلا "اتخذ البرهان قرارات بفصل اثنين من أعضاء مجلس السيادة بتقديرات لم تكن مبررة مطلقا، هما الهادي إدريس والطاهر حجر، كما أنه لم يعترض على قرارات صادرة من بعض الولاة بحظر أنشطة مكونات سياسية لها موقف رافض للحرب، بما في ذلك نشاطها لتقديم الإعانات والإغاثة للنازحين".

ولفت إلى أن "البرهان لم يستجب لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية "تقدم" بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، التي سلمته طلبا لمقابلته، ضمن جهودها لإيقاف الحرب، في حين أنه ظل يقابل قوى سياسية أخرى، مما يُفهم منه أن البرهان لا يقف على مسافة متساوية من كل القوى السياسية".

وكان البرهان أعفى رئيس المجلس الانتقالي لحركة تحرير السودان الهادي إدريس ورئيس تجمع قوي تحرير السودان الطاهر حجر، من عضوية مجلس السيادة بعد أن أعلنا موقفا محايدا، وطالبا بوقف الحرب.

وأصدر بعض ولاة الولايات السودانية قرارات بحظر نشاط قوى الحرية والتغيير، وهو تحالف مدني كان يدير الفترة الانتقالية قبل سيطرة الجيش على السلطة في 25 أكتوبر 2021، بينما هدد والي نهر النيل بطردها من الولاية، حال قيام منسوبيها بأي نشاط. 

وبدوره، يرى عبد العزيز، أن "البرهان وقع بحسن نية في فخ التفاوض، عندما وافق على التعاطي مع مبادرة هيئة "إيغاد" الرامية لحل الأزمة في السودان، مع أن هذه المبادرة مصممة وفقا لرؤية دول داعمة لقوات الدعم السريع، وتوفر لها العتاد عبر مطار أم جرس في تشاد"، وفق قوله.

وأضاف "ذهب البرهان إلى بعض الدول الأعضاء في إيغاد مع أن مبادرة الهيئة مصصمة لضمان عودة الدعم السريع وقائدها إلى المشهد السياسي والتنفيذي، ولضمان عودة القوى السياسية الداعمة له، وكذلك لضمان تحقق أطماع الدول التي تدعمه في موارد السودان".

وقاطع البرهان قمة إيغاد التي انعقدت في 18 يناير الماضي في أوغندا، احتجاجا على تقديم الدعوة إلى "حميدتي" للمشاركة في القمة، على الرغم من أن البرهان طلب من هيئة "إيغاد" التحرك لتسوية الأزمة في السودان، بحسب إعلام الهيئة.

 

المسار الاقتصادي

وعلى وقع الحرب التي دخلت شهرها الحادي عشر، تراجعت العملة السودانية أمام النقد الأجنبي، على نحو غير مسبوق، وانخفضت إلى أكثر من ألف جنيه أمام الدولار، بالسوق الموزاية، في وقت أعلنت فيه وزارة المالية عن ميزانية حرب لعام 2024، بعد أن شكت من تراجع كبير في الإيرادات.

ويرى المحلل الاقتصادي محمد الناير أن "الحرب أثرت بشكل كبير على أداء القطاع المصرفي، إذ خرجت البنوك عن الخدمة تماما في الأيام الأولى للحرب، مما فرض تبعات قاسية على المواطنين، خاصة في مسألة توفر السيولة".

ولفت الناير إلى "أن المواطنين لجأوا إلى خيار التطبيقات البنكية في المعاملات المصرفية، وفي معاملات البيع والشراء اليومية، خاصة في ظل توقف عمليات الإيداع والسحب النقدي في البنوك".

وأشار إلى أن "القطاع الاقتصادي في الحكومة تمكن من استعادة العمل في القطاع المصرفي بصورة كبيرة، بعدما أفلح في استرجاع المعلومات والبيانات التي تعرضت للتلف في مقرات البنوك الرئيسية بالخرطوم، لينساب العمل بصورة طبيعية في بعض المدن".
  
وأضاف "تمكنت الحكومة من امتصاص الصدمة في الجانب الاقتصادي، ووفرت جزءا من رواتب العاملين بالقطاع العام، رغم التحديات الماثلة مثل تدهور قيمة العملة الوطنية".

ولفت المحلل الاقتصادي إلى أن "الموزانة لم تنفذ بالصورة المطلوبة وهذا أمر طبيعي في ظل الحرب، وفي ظل تأثر إيرادات الدولة"، مشيرا إلى أنه "كان من الممكن وضع ضوابط أكبر لتسيير العمل وزيادة الإيردات دون المساس بمعاش الناس، وذلك من خلال ترشيد عمليات الاستيراد، وحصرها على الضروريات".

وتابع قائلا "تضرر القطاع الصناعي كثيرا من الحرب، وخرجت معظم مصانع الخرطوم عن دائرة الإنتاج ما يتطلب خطة وخارطة جديدة لجذب الاستثمار الداخلي والأجنبي، مع التركيز على توزيع المصانع على كل المدن السودانية، بدلا من حصرها على الخرطوم، حتى لا يتكرر سيناريو خروجها كليا عن دائرة الإنتاج".

وأوضح الناير أن "القطاع الزراعي يمضي بصورة شبه طبيعية، وأن عمليات الإنتاج جيدة، مما يقلل المخاطر التي تتحدث عنها منظمات دولية، عن المجاعة ونقص الغذاء في السودان، حال زادت الحكومة الاهتمام بهذا القطاع".

من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي، عمر عبد الجبار، أن "أداء البرهان في الجانب الاقتصادي، تخللته "أخطاء واضحة وكبيرة"، أبرزها "عدم اهتمامه وفريقه الحكومي بالضائقة الاقتصادية للمواطنين، وانشغاله كليا بالحرب".

وقال عبد الجبار لموقع الحرة، إن "البرهان انزلق إلى الحرب دون وضع الترتيبات الاقتصادية العاجلة، مثل قراراه بإيقاف صرف مرتبات الدعم السريع، مما ترتب عليه تداعيات سالبة".

وتابع قائلا "مع أن القرار صحيح ومطلوب لأن الدعم السريع أصبحت قوة متمردة، لكن هذا القرار استغله البعض لتحريض عناصر الدعم السريع لاقتحام البنوك ونهب النقود من باب التعويض، مع أن هذا القرار كان يمكن أن يتم بعد ترتيبات لسحب النقد من البنوك، الأمر الذي أوجد أزمة حقيقة في مسألة السيولة، حتى اليوم".

وأشار المحل الاقتصادي إلى أن "الفريق الحكومي أفلح في إنجاح الموسم الزراعي ووفر التمويل بدرجة معقولة، حتى في ظل الحرب، lما شجع كثيرين للانخراط في النشاط الزراعي، خاصة الذين فقدوا أعمالهم في الخرطوم".

وأضاف "تخلى معظم السودانيين عن كل الضروريات، وحصروا اهتمامهم في الحصول على الكماليات، مما خفف الضغط على الحكومة، وجعل أداءها يبدو معقولا، لكن إذا استقرت الأمور وعادت التعاملات الاقتصادية إلى طبيعتها، سترتفع الحاجة إلى النقد الأجنبي بهدف الاستيراد، مما يضع العملة السودانية أمام تراجع جديد، ستترتب عليه ضوائق اقتصادية خانقة على المواطنين".