جثث مغطاة متناثرة في الهواء الطلق بالقرب من منازل في الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفورـ أرشيفية
جثث مغطاة متناثرة في الهواء الطلق بالقرب من منازل في الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفورـ أرشيفية

مع أن ولاية غرب دارفور السودانية، تعد ضمن أقل ولايات الإقليم تأثرا بالحرب الطاحنة، التي اندلعت في عام 2003 وخلّفت أكثر من ثلاثمئة ألف قتيل، بحسب الأمم المتحدة، إلا إنها تبدو الآن أكثر ولايات السودان تضرراً من الحرب المستعرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، منذ منتصف أبريل الماضي.

وأحصت منظمات أممية وحقوقية انتهاكات، وصفتها بالفظيعة في مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، وكشفت عن عمليات قتل وتصفية جسدية على أساس عرقي، بما في ذلك منطقة أردمتا التي تضم الحامية الرئيسية للجيش السوداني.

وبحسب بيان للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منتصف نوفمبر الماضي، فإن تصاعد وتيرة القتال في منطقة أردمتا أدى إلى مقتل أكثر من 800 شخص بنيران قوات الدعم السريع والمليشيات العربية المتحالفة معها.

صراع الجغرافيا والتاريخ

يُجمع باحثون ومختصون في الشأن السوداني، على أن الصراع في ولاية غرب دارفور، تحوّل من مواجهات مباشرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، إلى قتال ذي طابع قبلي، تغذيه تقاطعات الجغرافيا والتاريخ، بين القبائل العربية وقبيلة المساليت، فما أصل الصراع الدامي في غرب دارفور؟

بالنسبة للباحث في شأن دارفور، معتصم الزين، فإن "عمليات القتل التي طالت مناطق المساليت، تعود بالأساس إلى صراع تاريخي حول الأرض، حيث يرى المساليت أنهم المُلّاك التاريخيين للمنطقة، وأن القبائل العربية، أو قبائل الرُحّل وفدت إليها حديثاً".

وقال الزين لموقع "الحرة"، إن ذلك أفرز واقعاً عدائياً بين القبائل العربية والقبائل غير العربية، في مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، وما حولها من مناطق، وخصوصا في الأرياف".

وتنشط أكثرية قبائل دارفور غير العربية، في عمليات الزراعة، بينما ينخرط معظم أبناء القبائل العربية في الرعي وتربية الماشية، ما يولّد صدامات بسبب المرعى، بحسب مراكز بحوث سودانية ومختصين في شأن دارفور.

ويشير الزين إلى أن ولاية غرب دارفور ارتبطت تاريخياً بقبيلة المساليت، لكنها تضم - في الوقت نفسه - مكونات أخرى مثل القمر، والأرينقا، والفور، والتاما، والزغاوة، والبرقد، بجانب بعض المكونات العربية من الرزيقات والمسيرية وغيرها.

ويمضي الزين إلى أبعد من ذلك ويشير إلى أن السلطان عبد الرحمن بحر الدين زعيم قبيلة المساليت متزوج من ابنة محمود موسى مادبو، ناظر قبيلة الرزيقات، وهي القبيلة التي تُصنّف أكبر الحواضن الاجتماعية لقوات الدعم السريع، فكيف انهار التساكن والسلام المجتمعي؟

يقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية، المختص في شأن دارفور، البروفسور صلاح الدين الدومة، إن "نظام الإخوان المسلمين الذي حكم السودان لثلاثين عاماً، بقيادة الرئيس المخلوع عمر البشير، انتهج سياسة ضرب النسيج المجتمعي بين مكونات دارفور، بخاصة حينما تمردت بعض المكونات ذات الطابع القبلي على الحكومة المركزية، في العام 2003، اعتراضاً على عدم التقسيم العادل للثروة والسلطة".

الدومة أضاف لموقع "الحرة"، أن "نظام البشير قام بتسليح بعض القبائل العربية في دارفور، لمواجهة الحركات التي حملت السلاح، لأن العناصر الغالب في تلك الحركات من القبائل غير العربية، ما أدى إلى تصاعد حالة الاحتقان، ونشوء صراع ذي طابع عرقي، برعاية وتغذية حكومية".

ولفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن ذلك أوجد القوة المعروفة سابقاً باسم "الجنجويد"، والتي انبثقت منها قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو".

وتتهم منظمات أممية وحقوقية القبائل العربية بالقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، وتشير إلى تورطها في عمليات القتل على أساس عرقي، ضد قبيلة المساليت.

وقالت هيئة محامي دارفور "مستقلة" الثلاثاء الماضي، إنها أحصت أكثر من ألف قتيل في "أردمتا"، عقب سيطرة قوات الدعم السريع على قيادة الجيش في المنطقة، في الرابع من نوفمبر الماضي.

وأعلنت الأمم المتحدة، في منتصف نوفمبر الماضي، أنها تتحقق من التقارير الموثوقة التي تلقتها عن أعمال عنف واسعة النطاق، ضد أفراد من مجتمع المساليت، وبخاصة في منطقة الجنينة، وفق ما نقله موقع "أخبار الأمم المتحدة".

وحذرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من تقارير تفيد بأن قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها قتلت مئات المدنيين من مجتمعات المساليت في بلدة أردمتا في نوفمبر الماضي.

دائرة الاتهامات

الاتهامات الموجهة إلى القبائل والمليشيات العربية بالتورط في عمليات القتل على أسس قبلية، لم تتوقف عند المنظمات والهيئات الحقوقية السودانية وحدها، إذْ أشارت منظمة العفو الدولية إلى ضلوع تلك التشكيلات في القتال الذي تزامن مع سقوط حامية الجيش في أردمتا، فكيف بدأت المواجهات العرقية الحالية، في غرب دارفور؟.

يطرح الباحث في شأن دارفور، معتصم الزين، سبباً آخر لتصاعد العنف القبلي، ويشير إلى أن "السلطات قامت بتسليح شباب قبيلة المساليت، بعدما اشتد حصار قوات الدعم السريع والمليشيات العربية المتحالفة معها على مدينة الجنينة".

ويرى الزين أن "ذلك صبّ الزيت على النار المشتعلة أصلاً، محمّلاً السلطات في حكومة ولاية غرب دارفور مسؤولية تصاعد العنف القبلي بالولاية".

لكن القيادي الأهلي في قبيلة المساليت، أرباب عبد الله، نفى هذه الفرضية، وقال لموقع "الحرة"، إن "قبيلتهم تعرضت لمحاولات استئصال ممن أسماهم المستوطنين الجدد، بهدف الاستفراد بالمنطقة"، في إشارة إلى القبائل العربية.

وشدد عبد الله، على أن "القبائل العربية مارست عمليات تطهير عرقي وإبادة جماعية لمكونات المساليت، ما أدى إلى مقتل أكثر من ألفي شخص، مع استيلاء الدعم السريع على حامية الجيش في أردمتا".

وكانت دار مساليت، سلطنة منفصلة بذاتها، وتم ضمها إلى الدولة السودانية بعد اتفاق جرى بين زعيم المساليت السلطان بحر الدين والحكومة الفرنسية والإدارة البريطانية بالسودان، في سبتمبر من عام 1919.

وأعطت الاتفاقية سكان دار مساليت حق الاختيار بين البقاء ضمن إطار السودان أو مغادرته دون اعتراض من أي جهة.

وفي أبريل 2022 لوّح مجلس قبيلة المساليت بالانفصال عن السودان، بناء على هذه الاتفاقية، وذلك عقب توالي هجمات القبائل العربية على مناطق قبيلة المساليت.

ويُطلق على مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب، في الأدبيات السودانية، لقب "دار اندوكا"، في إشارة إلى السلطان بحر الدين زعيم قبيلة المساليت.

من جانبه رفض القيادي الشاب في جبهة العرب الرُحّل، الصادق إبراهيم الاتهامات الموجهة إلى القبائل العربية بممارسة التطهير العرقي، أو القتل على أساس قبلي، لكنه أقرّ – في الوقت ذاته – بحدوث صدامات بين القبائل العربية والمساليت.

إبراهيم قال لموقع "الحرة"، إن الصدام القبلي كان في شهري أبريل ومايو، لكنه توقف، وتحول إلى مواجهات مباشرة بين الجيش والدعم السريع، انتهت بسيطرة الأخيرة على حامية الجيش".

وتمسك الصادق، الذي أبلغ موقع "الحرة" أنه كان ضمن صفوف قوات الدعم السريع قبل أن يغادرها في العام 2020، بأن "أي قتال بين طرفين مسلحين يقع فيه ضحايا من المدنيين، خصوصاً إذا كان القتال بالأسلحة المتوسطة والثقيلة".

وقال إن "قبيلة المساليت لديها مليشيا مسلحة تُعرف محلياً باسم كولومبيا، قتلت عدداً من المدنيين من القبائل العربية، ما أدى إلى تأجيج الصراع الأهلي في بدايات الحرب الحالية".

وبدوره، نفى القيادي الأهلي في قبيلة المساليت، أرباب عبد الله، وجود أي مليشيات تابعة لقبيلة المساليت، مشيراً إلى أن "القتل الممنهج الذي طال مكونات القبيلة، والأعداد الكبيرة للضحايا، تدلل على أنهم عزّل ولا يملكون سلاحاً".

وتابع قائلاً: "أرادوا قتلنا جميعا. لم يسلم منهم الأطفال ولا النساء ولا كبار السن. هدفهم هو إزاحتنا من خارطة دارفور".

وتُقدّر إحصاءات غير رسمية منسوبي قبيلة المساليت، الذين يتحدثون لغة خاصة بهم تعرف محلياً باسم "كامسرا"، بأكثر مليوني نسمة، بينما تقول منصات إعلامية تابعة للقبيلة إن تعدادها يفوق خمسة ملايين نسمة.

وكان مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، تحدث في نوفمبر الماضي، عن تقارير نقلاً عن شهود أفادوا بمقتل ما يزيد على 1000 فرد من المساليت في أردمتا، في هجمات شنتها قوات الدعم السريع وميليشيات تابعة لها.

مخطط استخباراتي

وفي حين ألقى الباحث في شأن دارفور، معتصم الزين، اللائمة على السلطات المحلية في ولاية غرب دارفور، واتهمها بتسليح المواطنين، مضى أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية، المختص في شأن دارفور، بروفسور صلاح الدين الدومة، إلى وجهة أخرى، محمّلاً المسؤولية إلى الاستخبارات العسكرية للجيش السوداني، ولم يستبعد تورط والي ولاية غرب دارفور القتيل خميس أبكر في عمليات تسليح المدنيين.

الدومة أشار إلى أن "الاستخبارات العسكرية تنشط للوقيعة بين المكونات المجتمعية في دارفور، لإحداث مواجهات قبلية، تقلل من فرص التحاق أبناء القبائل العربية للقتال مع قوات الدعم السريع في الخرطوم".

ولفت إلى أن "ذلك زاد من وتيرة الاقتتال القبلي في دارفور، وبخاصة ولاية غرب دافور، وما جاروها من مناطق".

وأدى القتال في مدينة الجنية إلى مقتل والي ولاية غرب دارفور خميس أبكر في الرابع عشر من يونيو الماضي، وذلك بعد ساعات من انتقادات وجهها إلى قوات الدعم السريع.

وكان أبكر يرأس قوات التحالف السوداني، وهي حركة مسلحة وقّعت اتفاق سلام مع الحكومة السودانية، في أكتوبر 2020، تولى بموجبه منصب والي ولاية غرب دارفور.

وينتسب أبكر إلى قبيلة المساليت، بينما تمثل القبائل غير العربية العنصر الرئيسي في الحركة المسلحة التي كان يقودها. وتتهمه القبائل العربية بتسليح أفراد قبيلته خلال الحرب الحالية، وهو اتهام ينفيه القيادي الأهلي في قبيلة المساليت أرباب عبد الله.

ولم يتسن لموقع "الحرة" الحصول على تعليق من الناطق الرسمي للجيش السوداني، لكن القيادي الأهلي في قبيلة المساليت، أرباب عبد الله، نفى هذه الاتهامات، وقال إن "القبائل العربية استقوت بنفوذ قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان حميدتي، بخاصة عقب سقوط نظام البشير".

وفي أبريل 2019 تمت الإطاحة بالرئيس المخلوع عمر البشير على وقع احتجاجات شعبية استمرت لشهور، ليتم بعدها تسمية حميدتي نائباً لرئيس المجلس العسكري الانتقالي، ثم نائباً لرئيس مجلس السيادة.

وتوسعت امبراطورية حميدتي العسكرية والمالية، حيث رفع استثماراته في تعدين وتصدير الذهب، عقب الإطاحة بالبشير، بينما تضاعفت أعداد قواته وأضحت ترتكز في مواقع متعدد بالعاصمة السودانية الخرطوم، وفقاً لمنظمات حقوقية.

وفي تقرير حديث صدر، في السادس والعشرين من نوفمبر الماضي، قالت "هيومن رايتس ووتش" إن "قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها، قتلت مئات المدنيين في غرب دارفور".

التقرير لفت إلى تلك القوات "ارتكبت النهب والاعتداءات والاحتجاز غير القانوني بحق العشرات من المساليت في أردمتا".

ودعا البيان الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ومنظمة "إيغاد" لفرض عقوبات على المتورطين في عمليات القتل الأخيرة في غرب دارفور، كما الولايات المتحدة لفرض عقوبات على حميدتي.

وفي سبتمبر الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع للوزارة، فرض عقوبات على نائب قائد قوات الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو، وقائد القوات بغرب دارفور، عبد الرحمن جمعة، لدورهما القيادي في القوات التي شاركت في "أعمال عنف وانتهاكات لحقوق الإنسان".

تصريحات البرهان تزامنت مع إعلان التلفزيون السوداني أن تشكيل الحكومة الجديدة بات وشيكا
تصريحات البرهان تزامنت مع إعلان التلفزيون السوداني أن تشكيل الحكومة الجديدة بات وشيكا

مع دخول الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شهرها الحادي عشر، واقترابها من إكمال العام، تراجعت فرص الحل السلمي، وزاد رهان الطرفين على الحسم العسكري، خاصة عقب دخول الجيش إلى مناطق كانت خاضعة كليا لسيطرة الدعم السريع في مدينة أم درمان، بالعاصمة السودانية، الخرطوم.

وتأتي هذه التطورات في ظل انقطاع خدمة الاتصالات عن معظم الولايات السودانية، بينما تراجعت الخدمات الصحية وزادت نسبة النزوح، خاصة في ولاية الجزيرة التي شهدت تمددا لقوات الدعم السريع، مما أثار تساؤلات عن أداء البرهان وفريقه العسكري والتنفيذي منذ 15 أبريل الماضي، توقيت الطلقة الأولى في حرب السودان الحالية، وحتى اليوم.

المسار العسكري

على صعيد إدارة المعارك، والأداء العسكري، تباينت آراء الخبراء والمختصين، بين من أثنى على أداء البرهان وطاقم القيادة العسكرية، وبين منتقد، خاصة مع تصاعد معاناة السودانيين من جراء تطاول أمد الحرب.

ويرى الخبير الاستراتيجي، أمين مجذوب، أن "البرهان وطاقمه العسكري تمكن من إدارة المعارك العسكرية بنجاح خلال الفترة الماضية، ونجح في امتصاص الصدمة الأولى للحرب".

وقال مجذوب، وهو ضابط سابق بالجيش السوداني، لموقع الحرة، إن "البرهان وفريقه العسكري أفلح في تقليل الخسائر الناتجة عن الحرب المفاجئة، واستطاع التعامل بتخطيط فعال على الرغم من أن الجيش السوداني لم يشارك قبل ذلك في حرب المدن".

وأشار الخبير الاستراتيحي إلى أن "خطة البرهان وطاقم القيادة انتقلت بعد ذلك إلى المرحلة الثانية المتعلقة بالهجوم والتطهير ومطاردة قوات الدعم السريع، ونجحت في ذلك بدرجة كبيرة".

وأضاف "واحدة من أبرز القرارات التي اتخذها البرهان وفريقه العسكري هي الزيارات الميدانية لعدد من الوحدات العسكرية، مما أدى لرفع الروح المعنوية لدى منتسبي الجيش، بعد أن تأثرت جراء فقدان بعض المواقع العسكرية المهمة".

لكن الخبير الاستراتيجي عاد وألقى باللائمة على البرهان وطاقمه العسكري، بشأن ما وصفه بفشلهم في ما سماه "عدم توقُّع الحرب والتنبؤ بحدوثها ضمن سياق العمل الأمني الوقائي".

وهذه النقطة تحديدا، عدّها المحلل السياسي عثمان المرضي، أكبر ما يُحسب على البرهان، "حال ثبت أنه لم يكن - فعلا - على علم بالحرب قبل وقوعها".

وقال المرضي لموقع الحرة، إن "البرهان وطاقمه العسكري فشلا في إدارة المعركة بالشكل الذي يقلل الخسائر، كما أنه راهن على الخيار العسكري، بدلا من إعلاء الخيار السلمي التفاوضي لحل الأزمة، مع أن الجيش فقد عددا من المواقع العسكرية والاستراتيجية المهمة"

واعتبر أن "أسوأ قرار أن يراهن القائد على الحسم العسكري وليس على الحل التفاوضي، مع أن واجبه الأخلاقي يحتم عليه أن يعمل على حفظ أرواح وممتلكات المواطنين، خاصة في ظل حرب دارت في قلب العاصمة وتأثرت بها كل البلاد".

وأشار المحلل السياسي إلى أن الحرب الحالية برهنت على 3 أضلاع للفشل والتقصير، تمثلت في عدم قدرة الجيش على توفير الإمداد بالصورة المطلوبة، إذ استولت قوات الدعم السريع على عدد من المقار العسكرية بسبب انقطاع ذخيرة وعتاد مقاتلي الجيش".

ولفت إلى أن "الضلع الثاني يتعلق بأداء هيئة الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات العامة، لكونها لم تتمكن من توفير المعلومات المتعلقة بالعمل العسكري والأمني، إذ لايزال المكان الذي كان يتخذه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي" مقرا له غير معلوم، كما أن الطريقة التي خرج بها من قلب الخرطوم ليست معلومة حتى اليوم، وهذا كله من أساسيات العمل الاستخباري".

ومضى المحلل السياسي إلى أبعد من ذلك، وقال إن "الضلع الثالث يتعلق بهيئة التدريب التابعة للجيش، لكونها لم تنجح في تجهيز مقاتلين مدربين بدرجات عالية على حرب المدن، على الرغم من مرور 10 شهور على بداية الحرب، وهي مدة كافية لتجهيز جيش كامل وليس فقط قوة متخصصة".

وخلال الأشهر الماضية، استولت قوات الدعم السريع على القصر الجمهوري ومطار الخرطوم وحاميات الجيش في جبل الأولياء وولاية جنوب دارفور، وغرب دارفور ووسط دارفور وكذلك شرق دارفور وولاية الجزيرة، بجانب عدد من المواقع العسكرية في الخرطوم، مثل مقرات الاحتياطي المركزي والكتيبة الاستراتيجية والتصنيع الحربي.

وفي المقابل، يرى المحلل السياسي مجدي عبد العزيز، أن "البرهان وطاقمه العسكري نجح بصورة واضحة في وضع استراتيجية سريعة قائمة على استنزاف "ميليشيا  الدعم السريع"، مع التركيز على حامية المقار العسكرية الرئيسية كمرحلة أولى".

وقال عبد العزيز لموقع الحرة، إن "قيادة الجيش وظّفت سلاح الطيران بطريقة فعالة، وتمكنت من تدمير غرف القيادة والسيطرة ومعسكرات الدعم السريع، مما جعل عناصرها يتخذون منازل المواطنين والأعيان المدينة كمقرات لهم، للاحتماء بها من عمليات القصف الجوي".

وأشار إلى أن "الجيش رفع كفاءة قوات العمل الخاص التي أصبحت تطارد قوات الدعم السريع في المنازل والأعيان المدنية، ونجحت في ذلك بدرجة كبيرة، مع أنها ليس مجهزة تجهيزا متقدما وحديثا لحرب المدن والشوراع".

ولفت المحلل السياسي إلى أن "البرهان نجح في إنزال قوات المشاة بكثافة، وحولها إلى مرحلة الهجوم، بعد أن كانت حريصة بشكل كبير على حماية والدفاع عن المقرات العسكرية".

وأوضح عبد العزيز أن "الفترة السابقة شهدت ما سماه "انتكاسات عسكرية" مثل استيلاء قوات الدعم السريع على مدينة ود مدني الاستراتيجية بوسط السودان، بعد انسحاب الجيش، مما جعل قيادته تشكل لجنة للتحقيق".

وأضاف "كل الأدلة تشير إلى أن هناك عملا مقصودا جرى بين عدد من قادة الجيش بهدف تغيير المسار العسكري لتحقيق أهداف سياسية والذهاب إلى المفاوضات في منبر الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا "إيغاد".

وعقب استيلاء قوات الدعم السريع على مدينة ود مدني، في ديسمبر الماضي أعلن الجيش السوداني عن لجنة للتحقيق في انسحاب قواته من المدينة مما سهل دخول قوات الدعم السريع إليها، لكنه لم يكشف حتى الآن عن نتائج التحقيق.

المسار السياسي

بوصفه رئيسا لمجلس السيادة، ظل البرهان يشرف على أداء الجهاز التنفيذي، ويقوم ببعض المهام ذات الطبيعة الدبلوماسية والسياسية، وخلال ذلك اتخذ عددا من القرارات، صادفت الرضا والقبول من البعض، بينما انتقدها آخرون.

وبرأي مجذوب، فإن "البرهان تمكن من حشد قوى سياسية فاعلة ونسج وبنى جبهة شعبية، كأمر ضروري خلال الحرب، بجانب قيامه بزيارات لعدد من الدول، وخاطب الجلسة العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، مما جعل العالم والإقليم يدرك حقيقة ما يحدث في السودان ويتبنى وجهة نظر القوات المسلحة في كثير من الأحيان".

وأضاف: "ما يُحسب على البرهانه أنه كان يثق بصورة مطلقة في "حميدتي"، كما أنه لم يتصدى لعمليات التجنيد الواسعة التي كان يقودها الأخير قبل الحرب، مما أضعف الجيش، وزاد الدعم السريع قوة واستعدادا".

وأشار الخبير الاستراتجي إلى أن "البرهان تمكن من تكوين المقاومة الشعبية التي انتظمت بمعظم القرى والمدن السودانية، وقام بتسليح كثير من مكوناتها تحت ضوابط وإشراف وسيطرة الجيش".

وأضاف "أفلح البرهان في توفير العتاد للجيش حتى في ظل الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها السودان، كما نجح في إعادة العلاقات مع إيران كحليف مهم".

لكن التقارب مع إيران الذي اعتبره مجذوب نجاحا دبلوماسيا، عدّه المحلل السياسي عثمان المرضي "خطأ كبيرا، سيجلب الضرر على السودان، ويعيده إلى سنوات العزلة التي كانت مضروبة من المجتمع الدولي على البلاد، خلال سنوات حكم الرئيس السابق عمر البشير".

المرضي أشار إلى أن "أداء البرهان السياسي والدبلوماسي والتنفيذي لم يكن أقل سوءً من الأداء العسكري، إذ وقع تحت تأثير عناصر نظام البشير، وأصبحت قراراته تلبي تطلعاتهم، عوضا عن تطلعات السودانيين".

وحذر المحلل السياسي من أن "عمليات تسليح المواطنين من خلال ما يُعرف بالمقاومة الشعبية، ربما تقود السودان إلى حرب أهلية، لأنها ستجعل السيطرة على السلاح صعبة، خاصة في ظل تصاعد خطاب الكراهية الذي ينتقد الدعم السريع من منطلقات قبلية ومناطقية".

وتابع قائلا "اتخذ البرهان قرارات بفصل اثنين من أعضاء مجلس السيادة بتقديرات لم تكن مبررة مطلقا، هما الهادي إدريس والطاهر حجر، كما أنه لم يعترض على قرارات صادرة من بعض الولاة بحظر أنشطة مكونات سياسية لها موقف رافض للحرب، بما في ذلك نشاطها لتقديم الإعانات والإغاثة للنازحين".

ولفت إلى أن "البرهان لم يستجب لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية "تقدم" بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، التي سلمته طلبا لمقابلته، ضمن جهودها لإيقاف الحرب، في حين أنه ظل يقابل قوى سياسية أخرى، مما يُفهم منه أن البرهان لا يقف على مسافة متساوية من كل القوى السياسية".

وكان البرهان أعفى رئيس المجلس الانتقالي لحركة تحرير السودان الهادي إدريس ورئيس تجمع قوي تحرير السودان الطاهر حجر، من عضوية مجلس السيادة بعد أن أعلنا موقفا محايدا، وطالبا بوقف الحرب.

وأصدر بعض ولاة الولايات السودانية قرارات بحظر نشاط قوى الحرية والتغيير، وهو تحالف مدني كان يدير الفترة الانتقالية قبل سيطرة الجيش على السلطة في 25 أكتوبر 2021، بينما هدد والي نهر النيل بطردها من الولاية، حال قيام منسوبيها بأي نشاط. 

وبدوره، يرى عبد العزيز، أن "البرهان وقع بحسن نية في فخ التفاوض، عندما وافق على التعاطي مع مبادرة هيئة "إيغاد" الرامية لحل الأزمة في السودان، مع أن هذه المبادرة مصممة وفقا لرؤية دول داعمة لقوات الدعم السريع، وتوفر لها العتاد عبر مطار أم جرس في تشاد"، وفق قوله.

وأضاف "ذهب البرهان إلى بعض الدول الأعضاء في إيغاد مع أن مبادرة الهيئة مصصمة لضمان عودة الدعم السريع وقائدها إلى المشهد السياسي والتنفيذي، ولضمان عودة القوى السياسية الداعمة له، وكذلك لضمان تحقق أطماع الدول التي تدعمه في موارد السودان".

وقاطع البرهان قمة إيغاد التي انعقدت في 18 يناير الماضي في أوغندا، احتجاجا على تقديم الدعوة إلى "حميدتي" للمشاركة في القمة، على الرغم من أن البرهان طلب من هيئة "إيغاد" التحرك لتسوية الأزمة في السودان، بحسب إعلام الهيئة.

 

المسار الاقتصادي

وعلى وقع الحرب التي دخلت شهرها الحادي عشر، تراجعت العملة السودانية أمام النقد الأجنبي، على نحو غير مسبوق، وانخفضت إلى أكثر من ألف جنيه أمام الدولار، بالسوق الموزاية، في وقت أعلنت فيه وزارة المالية عن ميزانية حرب لعام 2024، بعد أن شكت من تراجع كبير في الإيرادات.

ويرى المحلل الاقتصادي محمد الناير أن "الحرب أثرت بشكل كبير على أداء القطاع المصرفي، إذ خرجت البنوك عن الخدمة تماما في الأيام الأولى للحرب، مما فرض تبعات قاسية على المواطنين، خاصة في مسألة توفر السيولة".

ولفت الناير إلى "أن المواطنين لجأوا إلى خيار التطبيقات البنكية في المعاملات المصرفية، وفي معاملات البيع والشراء اليومية، خاصة في ظل توقف عمليات الإيداع والسحب النقدي في البنوك".

وأشار إلى أن "القطاع الاقتصادي في الحكومة تمكن من استعادة العمل في القطاع المصرفي بصورة كبيرة، بعدما أفلح في استرجاع المعلومات والبيانات التي تعرضت للتلف في مقرات البنوك الرئيسية بالخرطوم، لينساب العمل بصورة طبيعية في بعض المدن".
  
وأضاف "تمكنت الحكومة من امتصاص الصدمة في الجانب الاقتصادي، ووفرت جزءا من رواتب العاملين بالقطاع العام، رغم التحديات الماثلة مثل تدهور قيمة العملة الوطنية".

ولفت المحلل الاقتصادي إلى أن "الموزانة لم تنفذ بالصورة المطلوبة وهذا أمر طبيعي في ظل الحرب، وفي ظل تأثر إيرادات الدولة"، مشيرا إلى أنه "كان من الممكن وضع ضوابط أكبر لتسيير العمل وزيادة الإيردات دون المساس بمعاش الناس، وذلك من خلال ترشيد عمليات الاستيراد، وحصرها على الضروريات".

وتابع قائلا "تضرر القطاع الصناعي كثيرا من الحرب، وخرجت معظم مصانع الخرطوم عن دائرة الإنتاج ما يتطلب خطة وخارطة جديدة لجذب الاستثمار الداخلي والأجنبي، مع التركيز على توزيع المصانع على كل المدن السودانية، بدلا من حصرها على الخرطوم، حتى لا يتكرر سيناريو خروجها كليا عن دائرة الإنتاج".

وأوضح الناير أن "القطاع الزراعي يمضي بصورة شبه طبيعية، وأن عمليات الإنتاج جيدة، مما يقلل المخاطر التي تتحدث عنها منظمات دولية، عن المجاعة ونقص الغذاء في السودان، حال زادت الحكومة الاهتمام بهذا القطاع".

من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي، عمر عبد الجبار، أن "أداء البرهان في الجانب الاقتصادي، تخللته "أخطاء واضحة وكبيرة"، أبرزها "عدم اهتمامه وفريقه الحكومي بالضائقة الاقتصادية للمواطنين، وانشغاله كليا بالحرب".

وقال عبد الجبار لموقع الحرة، إن "البرهان انزلق إلى الحرب دون وضع الترتيبات الاقتصادية العاجلة، مثل قراراه بإيقاف صرف مرتبات الدعم السريع، مما ترتب عليه تداعيات سالبة".

وتابع قائلا "مع أن القرار صحيح ومطلوب لأن الدعم السريع أصبحت قوة متمردة، لكن هذا القرار استغله البعض لتحريض عناصر الدعم السريع لاقتحام البنوك ونهب النقود من باب التعويض، مع أن هذا القرار كان يمكن أن يتم بعد ترتيبات لسحب النقد من البنوك، الأمر الذي أوجد أزمة حقيقة في مسألة السيولة، حتى اليوم".

وأشار المحل الاقتصادي إلى أن "الفريق الحكومي أفلح في إنجاح الموسم الزراعي ووفر التمويل بدرجة معقولة، حتى في ظل الحرب، lما شجع كثيرين للانخراط في النشاط الزراعي، خاصة الذين فقدوا أعمالهم في الخرطوم".

وأضاف "تخلى معظم السودانيين عن كل الضروريات، وحصروا اهتمامهم في الحصول على الكماليات، مما خفف الضغط على الحكومة، وجعل أداءها يبدو معقولا، لكن إذا استقرت الأمور وعادت التعاملات الاقتصادية إلى طبيعتها، سترتفع الحاجة إلى النقد الأجنبي بهدف الاستيراد، مما يضع العملة السودانية أمام تراجع جديد، ستترتب عليه ضوائق اقتصادية خانقة على المواطنين".