فتاة تبلغ من العمر 15 عامًا تصف محنتها في الجنينة، حيث اغتصبها خمسة رجال يرتدون زي قوات الدعم السريع هي وصديقها (رويترز)
فتاة تبلغ من العمر 15 عامًا تصف محنتها في الجنينة، حيث اغتصبها خمسة رجال يرتدون زي قوات الدعم السريع هي وصديقها (رويترز)

اغتصب مسلحون شابة عمرها 24 عاما في منزلها على بعد خطوات من والدتها.

فتاة أخرى تبلغ من العمر 19 عاما اختطفها أربعة رجال وتناوبوا الاعتداء عليها على مدى ثلاثة أيام. وخطف آخرون ناشطة في مجال حقوق المرأة عمرها 28 عاما، من أمام منزلها ثم اغتصبوها خلال احتجازها لساعات في منزل مهجور.

والثلاث من بين 11 شابة من المساليت أجرت "رويترز" مقابلات معهن، وقلن إنهن تعرضن لاعتداءات جنسية في أثناء الحرب في السودان، على أيدي أفراد من قوات الدعم السريع. وأضفن أن الاعتداءات وقعت خلال هجمات استمرت لأسابيع في وقت سابق من هذا العام في الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور.

وقالت تسع منهن إنهن تعرضن للاغتصاب الجماعي، وأكدت النساء الإحدى عشرة جميعا، أنهن تعرضن للاعتداء تحت تهديد السلاح. فيما أشارت ثلاث أخريات إلى أنهن رأين نساء يتعرضن للاغتصاب.

وكانت "رويترز" أوردت في وقت سابق تفاصيل عن المذبحة التي وقعت في الجنينة في الفترة من أواخر أبريل إلى منتصف يونيو الماضي، عندما استهدفت قوات الدعم السريع وحلفاؤها المساليت، وهي قبيلة من أصل أفريقي داكنة البشرة كانت تشكل غالبية سكان المدينة قبل طرد معظمهم منها.

في مرمى القناصة

ووصف الناجون كيف ذُبح مدنيون في منازلهم وفي الشوارع وفي وادي النهر حيث اصطادهم القناصة، وقضوا عليهم بأسلحة آلية وقطعوهم بالسيوف وأحرقوا أناسا أحياء في منازلهم.

وفي أوائل نوفمبر، شنت قوات الدعم السريع ومقاتلو الميليشيات العربية موجة أخرى من الهجمات العرقية في المدينة، حسبما أفادت "رويترز" في الآونة الأخيرة.

ومن بين الناجيات من الهجمات السابقة فتاة عمرها 15 عاما، روت كيف قُتل والداها أمام عينيها ومعاناتها من محنة استمرت لساعات، اغتصبها خلالها خمسة من مقاتلي قوات الدعم السريع، هي وصديقة لها، قبل أن يطلقوا النار على صديقتها ليردوها قتيلة.

ويقدم هذا التقرير تفاصيل من روايات نساء أخريات من المساليت قلن إنهن تعرضن للاغتصاب. وبالنظر إلى التقارير عن الاغتصاب التي استشهدت بها المنظمات الدولية، تشير الاتهامات إلى استهداف قوات الدعم السريع والقوات العربية المتحالفة معها في الجنينة نساء المساليت على وجه الخصوص بالاعتداء الجنسي.

وقالت جميع النساء الإحدى عشرة اللائي أجريت المقابلات معهن من أجل هذا التقرير، إن الرجال الذين اعتدوا عليهن كانوا يرتدون الزي العسكري لقوات الدعم السريع أو العباءات والعمائم التي يرتديها عادة رجال الميليشيات العربية.

وأجريت مقابلات مع النساء - وجميعهن في سن المراهقة أو العشرينات - في مدينة أدري التشادية بالقرب من الحدود السودانية في يوليو وأغسطس. وتحدثن جميعهن شريطة عدم الكشف عن هوياتهن خوفا من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاغتصاب أو الخوف من الانتقام.

ولم تتمكن "رويترز" من التأكد بشكل مستقل من كل تفاصيل رواياتهن. لكن في كثير من الحالات، أكد الأقارب والأصدقاء بعض جوانب قصصهن.

وهناك جوانب مشتركة تتكرر في رواياتهن إذ قلن جميعهن تقريبا إنهن تعرضن للاغتصاب من قبل عدة رجال.

وذكرت ثماني نساء أن المعتدين تحدثوا عن هويتهن العرقية على وجه التحديد وانتماءهن لقبيلة المساليت أو وجهوا السباب للمساليت وغيرهم من غير العرب ذوي البشرة الأكثر سمرة.

ويعتقد بعضهن أن السبب في استهدافهن هو عملهن في الدفاع عن حقوق سكان دارفور. وقالت ثلاث نساء لـ"رويترز" إنهن ناشطات في مجال حقوق الإنسان، بينما ذكرت رابعة أنها متزوجة من أحد المدافعين عن النازحين.

وذكرن ناجيات من أحدث الهجمات على المساليت في الجنينة في أوائل نوفمبر وقوع حوادث عنف جنسي. وقالت ثلاث نساء إنهن شهدن ارتكاب قوات الدعم السريع أو الميليشيات العربية اعتداءات جنسية.

وقالت امرأة أخرى اسمها حنان إدريس (22 عاما) إنها وأختها نجتا بأعجوبة من الاغتصاب في الثاني من نوفمبر. واختلقتا قصصا للإفلات إذ قالت حنان إنها كانت في دورتها الشهرية بينما قالت أختها لرجال الميليشيا إنها مصابة بفيروس الإيدز.

وأضافت حنان "لقد أرادوا اغتصابنا"، ونجحت قصتاهما في إبعاد الرجال لكن المهاجمين انهالوا عليهن بالضرب ونهبوا منزلهن قبل أن يغادروا، حسبما قالت حنان.

دفاع عن الاتهامات

ونفى الأمير مسار أصيل، الزعيم القبلي العربي في الجنينة اتهامات الاغتصاب ووصفها بأنها "أكاذيب فارغة". وأصيل هو زعيم قبيلة الرزيقات، إحدى أكبر القبائل العربية في غرب دارفور والتي ينحدر منها العديد من قادة قوات الدعم السريع.

وقال أصيل في مقابلة عبر الهاتف إن التقاليد القبلية العربية تحرم الاعتداء الجنسي وتمنع العرب من الزواج من المساليت، وبالتالي لا يمكن أن يرتكب أبناء قبيلته جرائم الاغتصاب الجماعي.

وأضاف أصيل "إذا كنت لا أقبل الزواج من امرأة من المساليت، فلماذا أذهب وآخذها بالقوة؟"

واتهم أصيل المساليت بأنهم هم من بدأوا الصراع مما أجبر العرب على الرد.

ولم ترد قوات الدعم السريع على الأسئلة التفصيلية لهذا التقرير. وقالت إن العنف ضد المدنيين في دارفور سببه نزاعات قبلية وحمّلت الجيش السوداني مسؤولية تأجيج القتال.

وفيما يتعلق بالصراع الأوسع في السودان الذي اندلع في أبريل نيسان، قالت القوات شبه العسكرية إنها ترفض أي انتهاكات ضد المدنيين.

وتأتي تقارير الاعتداء الجنسي وسط الحرب التي اندلعت في أبريل الماضي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم.

وأدت الاشتباكات إلى مقتل أكثر من عشرة آلاف وتشريد ما يزيد عن ستة ملايين، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

كما تسبب ذلك في تصاعد أعمال العنف في دارفور، المنطقة الواقعة غرب السودان حيث تتمتع قوات الدعم السريع بقاعدة قوية.

وابتليت المنطقة بصراع دام لعقود كان مدفوعا في كثير من الأحيان بالتنافس على الأراضي والمياه والموارد الشحيحة الأخرى.

وأفادت "هيومن رايتس ووتش" بأن عشرات النساء تعرضن للاغتصاب خلال أحداث العنف في الجنينة في وقت سابق من هذا العام، ويبدو أنه تم استهدافهن بسبب انتمائهن لقبيلة المساليت.

وقالت الأمم المتحدة في نوفمبر تشرين الثاني إنها تلقت تقارير موثوقة من أنحاء السودان عن أعمال عنف جنسي مرتبطة بالصراع، شملت ما لا يقل عن 105 ضحايا.
وقالت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في يوليو إنها تحقق في الأعمال العدائية في دارفور، بما في ذلك التقارير عن عمليات القتل والاغتصاب والجرائم ضد الأطفال.

وقالت نويل كوينيفت أستاذة القانون الدولي بجامعة غرب إنجلترا في بريطانيا إن روايات الاغتصاب التي قدمتها النساء اللاتي تحدثت إليهن "رويترز" يمكن أن تشكل جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي الذي تأسست بموجبه المحكمة الجنائية الدولية ويحظر العنف الجنسي في الصراعات.

وأضافت كوينيفت، أنه يبدو أن العنف الجنسي، كما ورد في تقارير "رويترز" ومنظمات الإغاثة "منتشر على نطاق واسع".

وأردفت أنه بموجب نظام روما الأساسي، فإن العنف الجنسي واسع النطاق أو المنهجي بمثابة جريمة ضد الإنسانية.

"لم أكن أريد هذا الطفل"

كانت أم شابة تربي طفلتها بمفردها تعيش في منزل والديها في التضامن، وهي منطقة تسكنها أغلبية من المساليت في الجنينة. في الثامن من يونيو، أي بعد حوالي ستة أسابيع من بدء القوات العربية مهاجمة مناطق المساليت، اقتحم مقاتلو قوات الدعم السريع وعناصر الميليشيات العربية الحي.

واقتحمت قوة منزلهم وأشعلت فيه النيران. وتمكنت هي وطفلتها ووالدتها من الفرار. لكن لم ينج والدها البالغ من العمر 60 عاما إذ علمت لاحقا من أعمامها أن المسلحين أطلقوا النار عليه وأردوه قتيلا بينما كان يركض بحثا عن ملجأ.

وبعد ثلاثة أسابيع في 27 يونيو، قررت الشابة البالغة من العمر 24 عاما ووالدتها المغامرة بالعودة إلى منزلهما المحترق لجلب ما تبقى من أغراضهما، لكنهما واجهتا في الطريق مجموعة من الرجال الملثمين من الميليشيات العربية وتبعهما اثنان إلى المنزل.

وأخذ المسلحان - وكلاهما كانا يرتديان الملابس التقليدية للقبائل العربية - يستجوبان الشابة وأمها بأسئلة مثل: هل كانتا تخبئان مقاتلين من المساليت وأسلحة؟

وأمسك الرجلان بذراع الشابة ودفعاها إلى غرفة وهدداها بالقتل عندما قاومت.

وقالت إن جدران الغرفة كانت سوداء اللون وتفوح منها رائحة الخشب المحروق. ونزع المسلحان ملابسها ووقفت والدتها عند الباب المفتوح تصرخ وتطلب منها أن تقاوم. ووجه المسلحان أسلحتهما نحو الأم وهدداها بإطلاق النار عليها.

ثم تناوب الرجلان اغتصاب الشابة واستمر الاعتداء حتى دخل رجل ثالث إلى المنزل وأوقفهما وأمر الجميع بالخروج من المنزل. وطارد اثنان من رجال الميليشيات الشابة ووالدتها وقاما بضربهما وجلدهما.

وكانت الشابة واحدة من ثلاث من المساليت وصفن ما تعرضن له لدى عودتهن إلى منازلهن المتضررة بعد هجمات شنتها القوات العربية. وتحدثت عن ذلك في مقابلة أجرتها خارج خيمتها في المخيم بأدري، وكانت ابنتها تلعب حافية القدمين في مكان قريب.

وقالت إنها أخبرت قريبتها بما حدث لها بعد مدة قصيرة من وقوع الاعتداء. وأجرت رويترز أيضا مقابلة مع قريبتها في أدري. وقدمت رواية مطابقة للقصة وقالت إنها نفسها تعرضت للاغتصاب.

وبعد أيام من الاعتداء، فرت الشابة إلى تشاد مع ابنتها. وقالت إنها بدأت تعاني في يوليو تموز من الصداع والدوار والغثيان. وأسرت إلى قريبتها بمخاوفها من أن تكون حبلى.

وبعد أن أكد الاختبار الحمل، ذهبت إلى المركز الطبي في المخيم وحصلت على دواء استخدمته للإجهاض. وأكدت امرأة تعمل مع الناجيات من حوادث الاغتصاب في المخيم أنها رأت الشابة تتلقى الدواء.

وقالت الشابة "بكيت لثلاثة أيام" بعد أن علمت بالحمل. وأضافت "لم أستطع الأكل أو النوم. لم أكن أريد هذا الطفل".

تركوني في اليوم الرابع

قالت فتاة عمرها 19 عاما لرويترز إن أول محنة لها مع قوات الدعم السريع والميليشيات العربية وقعت خلال هجوم عرقي قبل سنوات.

في عام 2016، أطلق مقاتلو قوات الدعم السريع والميليشيات النار على والدها، وهو تاجر من الجنينة، وأصابوه في مخيم للنازحين شرق المدينة. وأضافت أنها شاهدت بعد ذلك المقاتلين يقذفونه في فرن خبز ليحترق حتى الموت.

في 15 يونيو هذا العام، كانت الشابة وإخوتها الخمس الصغار ووالدتهم من بين الآلاف من سكان المساليت في الجنينة الذين حاولوا الفرار بشكل جماعي إلى قاعدة للجيش السوداني في شمال المدينة وسط هجمات قوات الدعم السريع والميليشيات العربية. لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى هناك بعد تعرضهم لإطلاق نار كثيف.

وقالت الفتاة إنها شاهدت والدتها تسقط قتيلة في الشارع بعد إصابتها بنيران القناصة. وفي ظل الفوضى، انفصلت الفتاة عن إخوتها.

وفي صباح اليوم التالي يوم 16 يونيو الماضي، قالت إنها كانت تفر من المدينة على طول الطريق الرئيسي المؤدي إلى تشاد عندما أمسك بها مسلحون هي وثلاث شابات أخريات.

وأوضحت أن الرجال غطوا وجهها بوشاح وحملوها هي والأخريات إلى سيارة دفع رباعي واقتادوهن إلى كوخ بدائي مصنوع من أغصان الأشجار به حشايا على الأرض.

وأُخذت إلى غرفة بمفردها، وهناك تناوب أربعة مسلحين يرتدون زي قوات الدعم السريع اغتصابها. وفي اليوم التالي، اغتصبها اثنان مرة أخرى. وفي اليوم الثالث، تعرضت للاغتصاب مجددا على يد أحد الرجال.

وقالت في مقابلة أجريت معها في أدري في خيمة مصنوعة من العصي والقماش والأغطية البلاستيكية "اغتصبوني لثلاثة أيام".

وأضافت أنه عندما حاولت المقاومة، ضربها الرجال وجلدوها. ورفعت كم عباءتها السوداء لتظهر ندبة داكنة عميقة جراء الضرب على ذراعها.

قالت وهي تنفجر بالبكاء "تركوني في اليوم الرابع".

وتابعت أن الرجال ألقوها في الشارع وأقنعت امرأة مسنة سائقا عابرا بتوصيل الفتاة إلى أدري.

والفتاة من بين ثلاث نساء أجرت "رويترز" مقابلات معهن وقلن إنهن تعرضن للاعتداء في أثناء محاولتهن الهروب من الجنينة. وأكدت شقيقتها البالغة من العمر 17 عاما، والتي كانت تجلس بجوارها في الخيمة بمخيم للاجئين، تفاصيل من روايتها قبل الاغتصاب وبعده بما في ذلك تفاصيل وفاة والديهما.

تمكن جميع الأشقاء الستة من الوصول إلى أدري. ومع وفاة والديها، قالت الفتاة البالغة من العمر 19 عاما إنها باعتبارها الأكبر سنا تتولي هي تربية أشقائها الخمسة والأصغر عمره سبع سنوات.

وفروا للنجاة بأرواحهم بلا شيء تقريبا. وقالت الفتاة إن الملابس الوحيدة التي تملكها الآن هي الرداء الأسود الذي كانت ترتديه عندما تعرضت للاغتصاب.

"شعرت وكأنني أختنق"

في ظهيرة أحد أوائل يونيو اقتاد سبعة مسلحون، بعضهم يرتدي زي قوات الدعم السريع، وآخرون يرتدون عباءات وعمامات، ناشطة حقوقية تبلغ من العمر 28 عاماً في شاحنة صغيرة، بعدما اعترضوا طريقها وهي تغادر منزلها.

وحكت إن رجلين يرتديان الزي العسكري لقوات الدعم السريع قاما بتقييدها، بينما عصب ثالث عينيها بوشاحها. وقيدوا يديها قبل ضربها والتحرش بها ودفع رأسها إلى أرضية السيارة. وأضافت "شعرت وكأنني أختنق".

وكان وجهها معروفا في الجنينة إذ كانت تظهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي تنتقد قوات الدعم السريع والميليشيات العربية لمهاجمتها المدنيين في المدينة، حسبما أوضحت. وقالت إن الرجال يعرفون اسمها ولاحظت أن أحدهم كان لديه صورة لها على هاتفه.

وقاموا بضربها وجلدها بالسوط خلال توجههم بالسيارة إلى مكان بعيد. ثم توقفوا واقتادوها إلى منزل مهجور. وقالت إنها تعرضت هناك للاغتصاب على يد عدة رجال بينما كانت محتجزة معصوبة العينين لساعات.

وأضافت أن المنزل كان يعج بصوت ضحكات الرجال وتنتشر فيه رائحة الكحول ودخان السجائر. وسمعت أحد الرجال يتفاخر بأنه قتل تسعة أشخاص، وقال آخر إنه اغتصب فتاة عذراء، فيما تفاخر ثالث باغتصاب عدد من النساء أكثر مما يستطيع حصره.

وتابعت الناشطة أن المعتدين رددوا مرارا كلمات تنم عن عنصرية خلال تلك التجربة المروعة، وتذكرت كيف أنه بعدما احتجزوها، وجه الرجال إهانات عنصرية لقبيلة المساليت وهددوا بقتل الرجال والاعتداء على النساء.

وتذكرت وهي تحكي أن أحد الرجال قال في وقت لاحق إن "النوبة" سينجبون أطفالا منهم، وهي كلمة تستخدم بين القبائل العربية في غرب دارفور للإشارة إلى "العبيد".

أعادها الرجال إلى منزلها وألقوا بها خارجه على جانب الطريق في وقت متأخر من الليل. وبسبب الصدمة، بقيت هناك حتى الفجر. وقالت لرويترز إن والدها عثر عليها وهو في طريقه لأداء صلاة الفجر.

قالت المرأة طويلة القامة والدموع تتلألأ في عينيها العسليتين وهي تمسح وجهها بثوبها الأحمر السوداني التقليدي "عشت أياما صعبة جدا".

وتمكنت من الخروج من الجنينة يوم 12 يونيو بمساعدة سائق عربي. وحدث الاعتداء الجنسي بعد عدة مداهمات على منزلها من قبل قوات الدعم السريع ومقاتلي الميليشيات في حي الشاطئ الذي تسكنه عرقيات مختلفة بشرق الجنينة عقب اندلاع القتال في المدينة في أواخر أبريل. وأضافت أن العشرات من أفراد عائلتها ماتوا أو فقدوا ومن بينهم عمها الذي قُتل.

ومنعتها الوصمة المرتبطة بالاغتصاب من طلب العلاج الطبي أو البوح بما حدث لها لأفراد الأسرة حتى لوالدتها. وهي واحدة من ثماني نساء على الأقل قلن لـ"رويترز" إنهن لم يطلبن المساعدة الطبية بعد تعرضهن للاعتداء الجنسي، ويرجع ذلك في الغالب إلى الخوف من الوصمة الاجتماعية أو صعوبة الحصول على الرعاية.

وقالت "كنت أخاف التحدث إلى أي شخص وأن ينتشر الكلام عما حدث"، مضيفة أنه في السودان "هناك تقاليد اجتماعية تعتبر أي فعل من هذا القبيل مصدرا للعار".

"أتذكر الصراخ بشدة"

إنهن شابات طموحات من قبيلة المساليت جميعهن في العشرين من العمر. ووصفت كل واحدة منهن تعرضها للوقوع في براثن المسلحين.

قالت إحدى الطالبات إنها انفصلت عن عائلتها في 15 يونيو أثناء محاولة جماعية فاشلة للوصول إلى ملاذ آمن في قاعدة الجيش السوداني. فقد أمضت ساعات تتجول في أحياء الجنينة المحترقة. وقالت إن مقاتلي قوات الدعم السريع وأفرادا من ميليشيات عربية انتشروا في الشوارع بحثا عن أفراد من قبيلة المساليت، وهم يهتفون "أمباي"، وهي لفظة تحقيرية تعني العبيد.

وقالت "كانت هناك حرائق هائلة ودخان ودمار في كل مكان".

ولاذت الطالبة بمبنى شاغر في الضواحي الغربية للمدينة مع نساء أخريات. وقالت إن مقاتلا مسلحا فاتح البشرة يرتدي ملابس عربية تقليدية ويعتمر عمامة بيضاء اعتقلها هناك. وأدخلها غرفة خاوية تحت تهديد السلاح وأطلق النار في الهواء مرات.

وتوسلت إليه ألا يؤذيها. وتتذكر إنها قالت "أنا مثل أختك". بدأ يتحرش بها ويهددها بالقتل. وقالت الشابة إن المسلح من الميليشيات العربية تجرد من سرواله واغتصبها.

وتتذكر رائحته. وبعد مغادرته بدأت تتقيأ وتملكها بكاء محموم. وقالت لـ"رويترز" في أدري وهي تحملق في الفراغ "شعرت أنها نهاية العالم وخسرت كل شيء".

وأضافت "أواجه صعوبة في النوم... أتذكر أنني كنت أصرخ بشدة. أتذكر الجثث في الشوارع".

وما أشبه قصتها بما روته طالبة من قبيلة المساليت تدرس الاقتصاد، في العشرين أيضا من عمرها. ففي 28 أبريل، بعد وقت قصير من بدء القتال في المدينة، اقتحم خمسة رجال يرتدون زي قوات الدعم السريع وآخرون يرتدون ملابس عربية منزل أحد ذويها.

وقالت إن "حريقا كان قد أتى على المنزل قبل أيام، وكانت هناك لإنقاذ ما استطاعت. وسألها الرجال عن القبيلة التي تنتمي إليها".

وكذبت ولم يصدقوها حين أنكرت أنها من المساليت وقالوا لها إنها "نوبا"، وهي مؤنث لفظة أمباي التحقيرية. وقالت إنهم طرحوها أرضا واغتصبها رجلان يرتديان الزي العربي التقليدي.

وسردت المرأة الثالثة من المساليت رواية مماثلة. وكانت طالبة متفوقة في المدرسة الثانوية وكانت تعتزم دراسة الطب. وقالت إنها وقعت في يد ثلاثة رجال أثناء محاولتها انقاذ بعض المتاع من منزلها صباح يوم الثالث من يونيو.

وقالت إنهم كانوا يرتدون زي قوات الدعم السريع وإنها تتذكر رؤية الشارة المكتوبة بالعربية المميزة لقوات الدعم السريع. وسألوها عن القبيلة التي تنتمي إليها. وكذبت قائلة إنها من قبيلة أخرى غير المساليت.
وأضافت أنها حين لم تتمكن من التحدث بلغة القبيلة التي أدعت الانتماء إليها خلصوا إلى أنها من المساليت. وبدأوا في مناقشة الاختيار بين قتلها أو اغتصابها.

وقيدها الرجال من يديها ورجليها بما كانت ترتديه من أوشحة، ثم اغتصبها الثلاثة حتى فقدت وعيها.

وحين استعادت وعيها كانت وحيدة، تنزف ولا تستطيع الحركة. وعاد الرجال. واقترح أحدهم قتلها، لكن آخر طلب إعادتها إلى عائلتها "النواب"، في كلمة تحقيرية أخرى تشير إلى العبيد.

ثم شعرت بألم في كل جسدها. وفي طريقها إلى تشاد في 15 يونيو، قالت إنها واجهت مجموعة من قوات الدعم السريع والمقاتلين العرب الذين ضربوها وأخذوا ما كان معها من هاتف ونقود وملابس وأحذية. وسارت حافية القدمين إلى مخيم اللاجئين. وتعيش الآن في خيمة في أدري، وتقول إنها مفلسة وتواجه صعوبات في النوم.

وقالت المرأة النحيلة غائرة الوجنتين "أتمنى الموت وكفى... انتهت حياتي".

"الموت رحمة لي"

واختبأت مدافعة عن حقوق المرأة، تبلغ من العمر 25 عاما، بعد اندلاع القتال في الجنينة في أواخر أبريل.

وقالت كغيرها من المحامين والأطباء وأفراد آخرين من المساليت الذين أجرت "رويترز" مقابلات معهم، إنها تخشى أن تستهدفها قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها.

وشنت الناشطة حملة ضد العنف الذي تعرضت له قبيلة المساليت في الجولات السابقة من الصراع وشعرت أن ذلك يعرضها لخطر متزايد. وصدقت مخاوفها.

وعلمت الناشطة من عائلتها أن مقاتلي قوات الدعم السريع هاجموا منزلها في منطقة الثورة التي تسكنها غالبية من المساليت بقذائف صاروخية. وقُتل شقيقها الأصغر وأصيبت شقيقتها بجروح خطيرة وأصيب والدهم.

ووقعت شقيقة أخرى في أيدي المقاتلين الذين قالوا للأسرة إنهم لن يطلقوا سراح الفتاة البالغة من العمر 15 عاما ما لم تسلم ناشطة حقوق الإنسان نفسها.

وحكت أنها، خوفا على سلامة شقيقتها، سلمت نفسها خلال تفتيش قوات الدعم السريع لسوق المدينة. وأخذها المسلحون إلى حاوية شحن قذرة. وهناك، تناوب رجلان مسلحان يرتديان زي قوات الدعم السريع اغتصابها لثلاث ساعات.

وأضافت أن أكثر من عشرة مقاتلين آخرين من قوات الدعم السريع كانوا في مكان قريب إلى جانب ثلاث شاحنات صغيرة محملة بمدافع مضادة للطائرات.

وقالت الناشطة التي كانت ترتدي ثوبا داكنا "صرخت وقلت اقتلني... الموت رحمة لي". وأضافت أنها ما زالت تعاني من نوبات بكاء لا تستطيع السيطرة عليها.

وقالت جماعات حقوق الإنسان إن الاغتصاب اُستخدم كسلاح حرب على مر السنين في السودان.

وتعمل الناشطة مع منظمة (جذور) غير الحكومية لحقوق الإنسان ولرصد الانتهاكات التي تقدم الدعم للناجيات من العنف الجنسي وتوثق انتهاكات الحقوق من قبل الأطراف المتحاربة في الصراعات المستمرة منذ فترة طويلة في السودان.

وقالت إنها قبل اندلاع الحرب هذا العام، كانت تعمل مع النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب في السنوات القليلة الماضية في الهجمات على مخيمات النازحين في الجنينة وما حولها.

وقالت "ما يحدث الآن يشبه السنوات الماضية، لكن على نطاق أوسع بكثير".

وقالت مساعدة طبية من المساليت، (27 عاما)، إنها تعرضت لاعتداء جنسي من  قوات الدعم السريع والمقاتلين العرب قبل عامين في هجوم على مخيم للنازحين شرق الجنينة. وأشارت إلى ندبة لجرح في إصبعها قالت إن مهاجما كان يحمل سكينا تسبب فيه.

وفي 15 يونيو من هذا العام، قالت إنها كانت تحتمي في مخيم آخر للنازحين في المدينة مع أهل زوجها حين وصل رجال يرتدون زي قوات الدعم السريع وأطلقوا النار على عدد من رجال المساليت.

وتعرف عليها المقاتلون على أنها زوجة أحد الناشطين المساليت، ووضعوا سكينا على رقبتها وطالبوها بأن تفصح عن مكان زوجها.

وقالت إنها حين نفت علمها بمكانه، أحاط بها أربعة رجال يرتدون زي قوات الدعم السريع وبدأوا في ضربها. ونزع أحدهم غطاء رأسها ودسه في فمها لكتم صراخها. وركلها آخرون في الصدر والحوض.

وقالت إن ثلاثة رجال تناوبوا على اغتصابها لبضع ساعات. ونزفت بشدة وعانت من ألم شديد في جسدها.

وقالت المساعدة الطبية وهي ترتدي ملابس وأحذية بالية حصلت عليها في أدري "كان لدي إحساس بالخدر التام... عجزت تقريبا عن الحركة. كنت مثل جثة هامدة لا حياة فيها".

الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني
الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني

عندما اندلعت "الثورة" عام 2018 في السودان، لم يكن عمر عشاري، يتخيل أنه سيكون يوما ما لاجئا في القاهرة، وأنه سيضطر إلى الفرار من الحرب المستعرة في بلاده منذ عام.

في ذلك الوقت، كان المحامي ابن الـ 37 عاما خلف القضبان، مثل العديد من المعارضين الذين اعتقلوا في عهد نظام عمر البشير الذي حكم البلاد 30 عاما.

ومثل كل السجناء السياسيين، فرح عوشاري بتلك الانتفاضة الشعبية التي أسقطت البشير في أبريل 2019 وقرر تحقيق حلم ظل يراوده سنوات طويلة هو أن يفتح مقهى ثقافيا.

وبسرعة تحول المقهى الذي سماه "رتينة"، إلى ملتقى للأدباء والفنانين والناشطين يتداولون فيه بناء "سودان جديد".

لكن عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش بقيادة، عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها، محمد حمدان دقلو، "بدأ المكان يتآكل أمامي رويدا رويدا"، بحسب تعبير عوشاري.

وعلى مدى أشهر بعد نشوب الحرب، وقبل أن يخرج من السودان، كان الشاب يذهب إلى مقهاه مستغلا أي فترة هدوء في المعارك. 

ويقول لوكالة فرانس برس: "كنت  أضع كرسيا في وسط رتينة وسط ظلام دامس بسبب انقطاع الكهرباء واستغرب كيف تحول المقهى من مسرح حي للفنانين والموسيقيين والنشطاء السياسيين والمثقفين والأدباء، إلى مكان أسمع فيه من كل النواحي أصوات الرصاص وأصوات الراجمات ... شيء أشبه بالرواية".

ويتابع: "تحول المقهى إلى زجاج متناثر في كل مكان بجانب شظايا الرصاص".

"ثورة سرقت"

عام من الحرب أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وانهيار "آلاف الاحلام"، بحسب عشاري الذي ودع ما تبقى من مقهاه مدركا أن "الثورة سرقت".

كانت المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية التي أعقبت سقوط البشير قد أوجدت في السودان "آمالا وحماسة وجرأة" لدى الشباب، بحسب ما قالت لفرانس برس، سارة سلمان، التي كانت تعمل آنذاك في شركة استثمارية في الخرطوم وانتقلت بعد الحرب إلى الولايات المتحدة.

وتوضح أن الشركات الناشئة "انتشرت في جميع أنحاء البلاد" وكانت تتنافس في إبداع "حلول مبتكرة لتلبية الاحتياجات الحقيقية للسودانيين".

الشركة التي تعمل فيها سلمان تلقت وحدها عروض مشاريع من 50 شركة ناشئة تعمل في مجالات متنوعة من الخدمات الصحية عبر الانترنت إلى الخدمات المالية.

يتذكر عشاري أنه في ذلك الحين عندما قامت "الثورة .. أحيت السودان، وأصبح البلد مختلفا وكان التفكير خارج الصندوق... في هذا الوقت كانت الآمال كبيرة أن السودان يوضع على المسار الصحيح كبلد نام منطلق تجاه الديمقراطية والحكم المدني والحرية".

ومثل الكثير من السودانيات، ساهمت الخبيرة في الاتصالات، رغدان أورسود (36 عاما)، في جهود التغيير.

شاركت الشابة، التي انتقلت بعد الحرب للإقامة بلندن، في تأسيس منصة رقمية للكشف عن الأخبار الكاذبة سميت "بيم ريبورتس"، إذ أنها كانت "مقتنعة بالدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية"، وفق ما قالت لفرانس برس.

وبعد شهرين فقط من تأسيس المنصة، انهارت المرحلة الانتقالية عندما قام الجنرالان المتحاربان آنذاك، بانقلاب ضد الحكومة المدنية وسيطرا معا على السلطة.

ويذكر عشاري أنها "كانت مرحلة مؤلمة وكان المتظاهرون يقتلون كل أسبوع" عندما يخرجون للمطالبة بعودة الحكم المدني.

احتراق "رتينة"

فجأة، استيقظ سكان الخرطوم في يوم سبت بحدود نهاية رمضان على دوي المدافع وأدركوا أن حربا تدور في الشوارع.

غادر عدة ملايين من السودانيين العاصمة، واضطرت أورسود إلى ترك تجهيزات الصوت الجديدة والفرار من الخرطوم. 

وتقول: "كانت المعدات لاتزال داخل الصناديق" عندما استولت قوات الدعم السريع على البناية التي كانت تقيم وتعمل فيها.

وعندما كان عشاري يحاول إعادة ترتيب أموره في القاهرة، تلقى لقطات فيديو أظهرت نشوب حريق ضخم. وقال: "هكذا عرفت أن (مقهى) رتينة احترق".

العديد من السودانيين العاملين في الخارج استثمروا في بلادهم بعد الثورة وانفقوا مدخرات حياتهم في بناء منازل في الخرطوم، ولكنهم عجزوا عن أي فعل وهم يرون قوات الدعم السريع تسيطر على بيوتهم.

وتقول الطاهية المتخصصة في صنع الحلويات، شيماء عدلان (29 عاما)، إن والدها الذي يعمل في الرياض كان "يدعو الله أن تدمر قذيفة منزله بدلا من أن يتحول إلى قاعدة لقوات الدعم السريع".

"السودان لنا"

عدلان، التي كانت بدأت العمل متعهدة لتقديم الطعام، وجدت نفسها بعد الحرب في القاهرة، بعيدا من موطنها وبلا عمل.

ما زال الشباب السودانيون الذين كانوا يأملون في مستقبل واعد لبلادهم وينظمون التظاهرات يحلمون بالديمقراطية.

أما من بقي منهم داخل السودان فقد باتوا يشرفون على شبكة المساعدات الإنسانية ويشكلون، وفق الأمم المتحدة "الخط الأول"لتلبية الاحتياجات الانسانية الناجمة عن الحرب.

ورغم المنفى والألم، يقول عشاري: "لاتزال هناك شعلة من الثورة موجودة في كل قلب".

وتقول أورسود "السودان لنا، فماذا نفعل إن لم نواصل السعي لإعادة بنائه؟".