نحو نصف مليون أغلبهم من المساليت فروا لتشاد بسبب أعمال العنف
نحو نصف مليون أغلبهم من المساليت فروا لتشاد بسبب أعمال العنف

فتش رجال ميليشيات عربية عن أولاد في ذلك اليوم وعثروا على الطفل الصغير إبراهيم صالح الذي كان عمره عامين.

كان الصغير إبراهيم وأخته الرضيعة ووالدتهما صفاء عبد الكريم يفرون في يونيو من مذبحة دامت أسابيع في مدينة الجنينة السودانية أطلق فيها أفراد ميليشيات عربية النار وطعنوا وأحرقوا حتى الموت أبناء قبيلتهم من المساليت أصحاب البشرة الداكنة.

ولقي زوج صفاء حتفه بين من قتلوا. وسعت هي وطفلاها مع عشرات النساء والأطفال إلى الوصول إلى ملاذ آمن في تشاد المجاورة. وكاد ذلك أن يتحقق.

لكن على بعد نحو عشرة كيلومترات من الحدود أوقفتهم قوات من الميليشيات العربية ورجال مسلحون وأمروها بتسليم إبراهيم. وروت كيف فتشوا داخل ملابسه ليعرفوا جنسه ثم أجلسوه وبدأوا في ضرب رأسه وجسده بعصي خشبية.

وقالت صفاء "كان يبكي ويصرخ.. ماما.. ماما" وعندما حاولت إنقاذه أطلق أحد الرجال النار عليها أسفل الكتف وهي إصابة خلفت ندبة وأضافت "بقيت أصرخ.. اتركوا ابني.. لا تقتلوا ابني".

واستمر الرجال في ضرب إبراهيم. وهتفوا "أنتم يا زرقة لن تبقوا في الجنينة" مستخدمين لفظة عنصرية للإشارة لأصحاب البشرة الداكنة مثل المساليت. وأضافت "قالوا إذا كبر الولد سيقاتلنا".

ورغم نزيفها من جرح الرصاصة ورضيعتها بين ذراعيها قالت صفاء إنها استمرت في محاولة وقف الهجوم على إبراهيم لكن الرجال واصلوا ضربه حتى سقط صريعا.

وصفاء واحدة من بين أكثر من 40 أما روين لرويترز كيف تعرض أولادهن وأغلبهم من الذكور للقتل على يد قوات الدعم السريع وميليشيات عربية متحالفة معها خلال حملة قتل عرقية هذا العام وقعت داخل وحول الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور.

وابنها وأطفال آخرون كلهم ينتمون لقبيلة المساليت التي كانت تشكل الأغلبية في الجنينة حتى أجبرتهم قوات الدعم السريع وميليشيا عربية على الخروج منها. وفر نحو نصف مليون أغلبهم من المساليت لتشاد بسبب أعمال العنف تلك.

قتل الآلاف في الهجمات من بينهم نساء وفتيات. كما روت نساء من المساليت تعرضهن لاعتداءات جنسية على يد قوات الدعم السريع التي يهيمن عليها العرب كما ذكرت رويترز تفصيلا الشهر الماضي.

لكن شهودا يقولون إنه خلال موجة القتل تلك، استهدفت القوات العربية الذكور على وجه الخصوص بداية من الرضع وحتى البالغين.

قالت 36 من الأمهات لرويترز إن أطفالهن قتلوا رميا بالرصاص من مسافة قريبة منهم 33 صبيا وثماني فتيات. وقالت ست أمهات منهن إنهن شاهدن أطفالهن، وبعضهم لا يتجاوز عمره ستة أشهر، وهم يُضربون حتى الموت على يد مسلحين من قوات الدعم السريع وميليشيا عربية. وخمسة من أصل ستة أطفال قتلوا بتلك الطريقة كانوا من الذكور.

كما استخدم القتلة السكاكين أيضا وقال عشرة فروا لتشاد لرويترز إنهم رأوا أطفالا يذبحون كلهم كانوا من الأولاد.

قتل هؤلاء الأطفال لدى فرارهم مع أمهاتهم من الجنينة. وفي الطريق لتشاد، وصف خمسة من الناجين كيف يوقف رجال الميليشيات النساء اللاتي يحملن أطفالهن، ويتحققون من جنس الطفل، ويقتلونه إذا تبين أنه صبي.

كما طاردت قوات الدعم السريع والميليشيا المتحالفة معها الرجال أيضا من قبيلة المساليت. وفي أحدث موجة عنف في الجنينة في أوائل نوفمبر كشفت رويترز عن أن مئات الشبان من القبيلة تم جمعهم ونقلهم لمواقع مختلفة في المدينة حيث قال شهود إن بعضهم أُعدم.

وقالت أكثر من 30 امرأة أجرت رويترز مقابلات معهن من أجل هذا التقرير إن أزواجهن أو إخوانهن أو آباءهن قتلوا أو فقدوا في هجمات هذا العام. 

وقالت عدة نساء إنهن أخفين إخوانهن أو هربوهن من الجنينة خشية استهدافهم. وروى عشرات الرجال كيف اضطروا إلى قطع وديان شاسعة والتنقل عبر طرق نائية صوب تشاد لتجنب نقاط تفتيش نصبتها قوات الدعم السريع وميليشيا عربية.

ولم يتسن لرويترز التثبت بشكل مستقل من تفاصيل بعض الروايات. في بعض الحالات، أكد أصدقاء وجيران أجزاء من قصص رواها الناجون. كما تكررت أنماط مشتركة في وصف العنف فيما قاله الناجون. وبالنسبة للبعض تمكنت رويترز من الاطلاع على بطاقات التسجيل التي تصدر للاجئين من الأمم المتحدة.

وجمع موظفو الأمم المتحدة في تشاد حتى الآن بيانات ديموغرافية عن أكثر من ربع اللاجئين البالغ عددهم 484 ألفا فروا من السودان هذا العام ويقيمون حاليا في مخيمات على الحدود.

وبناء على تلك البيانات، تقدر الأمم المتحدة أن عدد النساء البالغات اللاتي عبرن الحدود يبلغ تقريبا مثلي عدد الرجال. وعلى الرغم من استهداف الذكور، فالفجوة أقل وضوحا بين الأطفال إذ تساوى تقريبا عدد الأولاد والبنات.

وقالت أمهات قُتل أطفالهن وشهود آخرون إن أفراد الميليشيات أوضحوا سبب استهدافهم لأولاد المساليت الصغار.. لقد أرادوا التأكد من أن الأطفال لن يكبروا ليصبحوا مقاتلين ويسعون ذات يوم للانتقام من الهجمات على قبيلتهم.

وقالت عزيزة آدم محمد (28 عاما) إن رضيعها الذي كان في الشهر السادس قتل رميا بالرصاص في 14 يونيو لدى فرارهم لتشاد مع مجموعة أخرى من اللاجئين. وأضافت أن رجال الميليشيات عندما واجهوا المجموعة "هتفوا.. أطلقوا النار.. أطلقوا النار على الصبيان".

وتابعت قائلة "سمعتهم يقولون إن الصبيان سيكبرون وسيقتلوننا... لذلك يجب أن نقضي عليهم الآن".

وتقول آنا سكاتون وهي مسؤولة الحماية في حالات الطوارئ في مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في بلدة أدري على الحدود التشادية إن استهداف الذكور له هدف أبعد "يبدو هدف عمليات القتل التخلص من مقاتلين مستقبليين وأيضا التخلص من نسل مجموعة عرقية بعينها".

ويقول مسعود محمد يوسف وهو منسق منظمة تمثل بعض القبائل العربية في الجنينة إن المساليت "يلفقون" القصص للتأثير على الرأي العام. وأضاف أن اتهام الميليشيات العربية وقوات الدعم السريع باستهداف الذكور من المساليت أطفالا وبالغين "لا أساس له".

وتابع قائلا إن الذين قتلوا من المساليت هم فقط من "قتلوا في معارك في الجنينة" وكانوا من المقاتلين المسلحين. وسبق أن ألقى زعماء القبائل العربية اللوم على المساليت في التحريض على العنف.

ولم ترد قوات الدعم السريع على أسئلة من رويترز. وفي بيانات سابقة، قالت إنها ليست ضالعة فيما وصفته بأنه صراع قبلي في الجنينة.

اندلعت تلك الحرب ضد المساليت وسط صراع أوسع نطاقا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بعد أن كان الطرفان شريكين في انقلاب في 2021 سحق آمال التحول للديمقراطية في السودان. وبدأت المعارك في العاصمة الخرطوم في أبريل بعد خلاف حول تقاسم السلطة في إطار مقترح كان يهدف للتحول للحكم المدني.

وفي أوائل الشهر الجاري، خلصت الولايات المتحدة إلى أن الطرفين ارتكبا جرائم حرب منذ بدء القتال وامتداده إلى دارفور. وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إن قوات الدعم السريع، التي يأتي أغلب أفرادها من جماعات عربية، والميليشيات المتحالفة معها ارتكبت أيضا جرائم ضد الإنسانية وتطهيرا عرقيا. وتبادل الجيش وقوات الدعم السريع الاتهامات بالمسؤولية عن أي انتهاكات ارتكبت خلال الحرب.

ضرب حتى الموت

يقول عبدالله عمر عبدالله وهو جندي في الجيش السوداني إنه فر مع مجموعة من 16 آخرين من المساليت في أوائل نوفمبر. وكانوا يتجهون بالسيارات عبر الجبال غربي الجنينة باتجاه تشاد. وكان عبدالله قد فر لتوه من قاعدة تابعة للجيش في أردمتا على مشارف الجنينة بعد أن اجتاحت قوات الدعم السريع القاعدة لدى ترسيخ سيطرتها على المدينة.

ولدى قطع المجموعة للطريق عبر الجبال تعرضت لكمين من قوات الدعم السريع وميليشيا عربية وفتحت تلك القوات النار عليهم. وأصيب عبدالله برصاصة في اليد وسقط من السيارة وأمسك بالجرح في محاولة لوقف النزيف واحتمى بحفرة لدى محاولته تجنب المهاجمين.

بدأ عبد الله يرتعش بشكل واضح وهو يصف ما رآه بعد ذلك من مخبئه.

على نفس الطريق، أوقف أفراد يرتدون زي قوات الدعم السريع وميليشيا عربية نساء من المساليت كن متجهات إلى تشاد يحملن صغارهن على ظهورهن. صوب رجال الميليشيات أسلحتهم نحو الأمهات وأمروهن بتسليم الأطفال وبعدها فتش المسلحون في ملابس الأطفال للتحقق من جنسهم.

وقال عبدالله "إذا اكتشفوا أنه ولد يطلقون النار عليه فورا... كانوا صغارا جدا جدا". وقال إنه رأى ثلاثة أطفال صغار يقتلون بهذه الطريقة.

وتابع قائلا والدموع تتساقط على وجنتيه "لم يكن بوسعي فعل أي شيء".

وأضاف "ما رأيته أمر مروع" ثم غطى وجهه براحتيه وابتعد.

وقال أربعة أشخاص آخرين ممن فروا إلى تشاد لرويترز أيضا إنهم رأوا قوات الدعم السريع وميليشيا عربية وهم يجردون الرضع من ملابسهم لمعرفة جنسهم.

نجت ميمونة أبوبكر (25 عاما) ورضيعتها البالغة تسعة أشهر بأعجوبة مرتين خلال رحلة فرارهما من الجنينة في 15 يونيو. وفي المرة الأولى، قالت إن مجموعة من أفراد ميليشيا عربية أحاطت بها وهي تلوح بأسلحة بيضاء وأجبروها على كشف ملابس رضيعتها التي كانت تحملها على ظهرها.

وتروي كيف صرخت "إنها بنت" وانتزعتها من أيديهم ثم سمح لها الرجال بالرحيل. وبعد بضعة كيلومترات، أوقفها مسلحون مرة أخرى للتحقق من جنس رضيعتها أيضا.

وفي محاولة لإنقاذ الأولاد ألبستهن الأمهات ملابس البنات.

أما عواطف آدم (43 عاما) وهي أم لسبعة أطفال فقد فرت إلى تشاد في منتصف يونيو وحاولت أن تحتاط للأسوأ فتركت ابنا وثلاث بنات مع أقارب وجيران في المدينة وتوجهت لتشاد مصطحبة ابنا آخر وبنتين على أمل أن ذلك سيضمن نجاه بعض أطفالها.

ولعلمها بأن الميليشيات العربية تستهدف الذكور من المساليت ألبست ابنها فايز البالغ من العمر 12 عاما وشاحا للرأس وعباءة سوداء ونجحت الحيلة في جزء من الرحلة وعبر فايز دون أن يلاحظ أحد أنه ولد من عدة نقاط تفتيش لقوات الدعم السريع والميليشيات العربية.

لكن عندما وصلوا إلى قرية شكري التي تبعد نحو عشرة كيلومترات عن حدود تشاد تخلى عنهم الحظ. وقالت عواطف إن خمسة رجال بينهم اثنان يرتديان زي قوات الدعم السريع وثلاثة بملابس تقليدية رصدوا فايز وأحاطوا به وصاحوا "عبيد.. هذه أرضنا.. اخرجوا". ورفعوا عباءة فايز التي كان يرتدي تحتها قميصا أخضر وسروالا أسود.

وبدأوا على الفور في ضربه بعصي خشبية وتسببت أول ضربات في كسر ذراعه التي تدلت على جانبه وقالت عواطف إنها تمكنت من انتزاع الصبي بعيدا عنهم لكنهم انتزعوه منها مرة أخرى.

وأمروه بالزحف على الأرض وواصلوا ضربه ورأتهم عواطف وهم يضربونه حتى الموت بتهشيم رأسه. وقالت "آخر كلمات سمعتها من فايز كانت وهو يصيح.. أمي ابعدي" في محاولة منه لحمايتها هي.

وأضافت أنها رأت بجوار جثته شابين من المساليت في العشرينات رأتهما وهما يتعرضان للضرب حتى الموت أيضا.

خسارة الأرض

ظل الجندي عبدالله -الذي روى عمليات قتل الأطفال- في الجيش السوداني لتسع سنوات قبل أن يفر. وقال إنه انضم للجيش بسبب تاريخ من الهجمات التي تعرضت لها قبيلته.

ولأنه من المساليت من ولاية غرب دارفور، قال إن بعض ذكرياته الأولى هي التعرض للهجوم بسبب انتمائه العرقي. وتذكر كيف استهدفته ميليشيات عربية منذ زمن بعيد يعود للتسعينيات عندما كان في الثامنة من عمره وتعرضت أسرته للهجوم في قريتهم قرب الجنينة. 

وقال إن أفراد ميليشيات يمتطون الخيول اجتاحوا القرية ونهبوها وأضرموا فيها النيران. وفر هو وأسرته وقتها.

وقال في مقابلة معه وهو في مستشفى في أدري كان يعالج فيها الشهر الماضي من إصابة يده بالرصاص "اعتادوا على نعتنا بالعبيد. لم يكن هناك حكومة تحمينا... انضميت للجيش لأحمي أهلي".

وغرب دارفور هو الموطن التاريخي للمساليت. ويقولون إنهم يملكون منطقة تشمل ولاية غرب دارفور السودانية وشرق تشاد وتعرف باسم (دار المساليت). وفي أواخر القرن التاسع عشر أسس المساليت، الذين امتهنوا الزراعة في العادة، سلطنة في المنطقة.

وتخللت فترات من الصراع تاريخ دار المساليت ففي أوائل القرن العشرين على سبيل المثال حاربت القبيلة زحف المستعمرين الفرنسيين. وقال سلطان المساليت الحالي سعد بحر الدين لرويترز في مقابلة إن المساليت نشروا وقتها شائعات كاذبة عن أن مقاتلي قبيلتهم من أكلة لحوم البشر. وقال إن ذلك جعل الجنود الفرنسيين "مرتعبين من المساليت".

وتقول شخصيات بارزة من المساليت إن صلاحيات السلاطين تشمل جمع رسوم من المزارعين خلال فترات الحصاد والتوسط في النزاعات القبلية كما خصصوا الأراضي لقبائل أخرى للعيش والعمل فيها مع احتفاظهم بملكيتها.

لكن في التسعينيات، قادت حكومة الرئيس عمر البشير مثل سابقاتها حملة لتعريب السودان كوسيلة لتعزيز قبضتها على السلطة. وخططت لإدخال تغييرات ديموغرافية بتقسيم الأرض على قبائل متعددة وهي خطوة أضعفت من صلاحيات السلطان.

ومن بين هؤلاء بدو عرب هاجروا من تشاد خلال فترات القحط والمجاعة واستقروا في ولاية غرب دارفور مما أجج المنافسة والتناحر على الموارد الشحيحة من الأرض والمياه وأشعل بدوره فتيل الصراع.

وخلال فترة حكم البشير التي امتدت عقودا، هاجمت ميليشيات عربية سلحتها الحكومة سكان دارفور من غير العرب وأعملت فيهم القتل وحرقت منازلهم. وبنهاية التسعينيات وبداية الألفية تم اجتثاث مجموعات مثل المزارعين المساليت من أراضيهم.

ردا على ذلك، قامت جماعات متمردة أغلبها من قبائل غير عربية تعاني التهميش مثل المساليت والفور والزغاوة بالوقوف في وجه البشير في 2003 الذي رد بدوره بإطلاق يد الميليشيات العربية المعروفة باسم الجنجويد في دارفور. أدى العنف وقتها لمقتل ما يقدر بنحو 300 ألف بحلول عام 2008 الكثير منهم بسبب المجاعة. وولدت قوات الدعم السريع بعد ذلك من رحم الجنجويد.

واتهمت المحكمة الجنائية الدولية بعد ذلك البشير بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وإبادة جماعية وأصدرت مذكرتي اعتقال بحقه. ولم يسلم السودان البشير للمحكمة.

ولأن المحكمة لا تحاكم إلا حضوريا ظلت قضيته في مرحلة ما قبل المحاكمة. وقال البشير إن حكومته كانت تخمد تمردا ونفى الاتهامات التي وجهتها إليه المحكمة ووصفها بأنها ذات دوافع سياسية.

تمت الإطاحة بالبشير في انتفاضة شعبية في 2019. وقبل بدء الحرب الأخيرة، نقل من السجن إلى مستشفى عسكري. ومكانه الحالي غير معروف ولم يتسن التوصل إليه للحصول على تعليق.

ودفع العنف الذي وقع في أوائل الألفية، وما تلاه من هجمات متفرقة على المساليت من قبل ميليشيات عربية، أعدادا كبيرة من القبيلة لمخيمات نازحين العديد منها في الجنينة وتلك المخيمات تعرضت للهجوم هذا العام من قوات الدعم السريع وحلفائها.

وقال بحر الدين سلطان المساليت في إشارة لقبيلته "الهدف هو إفقار الأمة وتجويع الناس وتشريدهم ثم قتلهم". وتحدث بحر الدين مع رويترز من العاصمة التشادية نجامينا التي فر إليها عندما بدأ هجوم على الجنينة في يونيو.

وتابع قائلا عما تفعله قوات الدعم السريع والميليشيات العربية "هذا عمل متعمد... إبادة جماعية للمساليت".

وتعتقد ميلاني أوبراين الأستاذة الزائرة في مركز دراسات المحرقة والإبادة الجماعية في جامعة مينيسوتا إن هناك "ما يكفي لوصفها بالإبادة الجماعية" وقالت إن النية واضحة وهي "القضاء على المساليت.. على الأقل جزئيا".

وأضافت أن استهداف الرجال من المساليت يمكن مساواته بمذابح صربية استهدفت الفتيان والرجال المسلمين البوسنيين ممن هم في سن الخدمة العسكرية في سربرينيتشا في 1995. 

وقالت "اعتبرت المحاكم ذلك إبادة جماعية لأنه استهداف للذكور من المسلمين البوسنيين... يمكنني القول إن الشيء ذاته ينطبق هنا".

لكن خبراء القانون الدولي يقولون إن الحصول على إدانات بالإبادة الجماعية أمر صعب إذ يتطلب ذلك إثباتا من ممثلي الادعاء بأن المتهمين ارتكبوا تلك الأفعال بنية القضاء على جماعة كليا أو جزئيا وهو ما يشكل عقبة كبرى.

أسر دون عائل

في أحد الأيام في منتصف نوفمبر وبناء على طلب من رويترز جاب أحد قادة المساليت مخيم أورانج، وهو أحد مخيمات اللاجئين على الجانب التشادي من الحدود مع السودان، بسيارة وهو يدعو عبر مكبر للصوت النساء ممن ثكلن أطفالهن في أعمال العنف في الجنينة للتجمع في اليوم التالي تحت شجرة كبيرة لرواية قصصهن.

ومكبرات الصوت هي وسيلة التواصل الجماعية الرئيسية في المخيم الذي ليس به أي تغطية لاتصالات الهواتف المحمولة تقريبا. وفي اليوم التالي وبحلول الساعة التاسعة صباحا، تجمعت عشرات النساء تحت الشجرة وخلال اليوم تدفق المزيد منهن.

قالت كثيرات إنهن فقدن أطفالهن وذكرت أخريات أن فردا من أسرهن غالبا ما يكون من رجال الأسرة كزوج أو أخ أو أب، قتل أو في عداد المفقودين.

وقالت إحداهن إن ابنها الذي كان يبلغ من العمر 16 عاما ووالدها وشقيقها قتلوا جميعا بالرصاص في أبريل على يد قوات الدعم السريع في منزل أحد الجيران حاولوا الاختباء فيه.

وقالت أخرى إن رجال ميليشيات عربية اقتحموا مدرسة في مخيم للنازحين في الجنينة أيضا في أبريل وفتحوا النار على مجموعة من الرجال هناك وقتل في الواقعة والدها وأحد إخوتها. وفي اليوم التالي قالت إنهم قتلوا أخا آخر.

ووصفت امرأة ثالثة كيف قُتل أربعة من أعمامها في منزل العائلة في أردمتا في أوائل نوفمبر. وقالت إن زوجها الجندي في الجيش السوداني مفقود أيضا منذ ذلك الحين.

قدر جمال عبد الرحمن، أحد قادة المساليت في أورانج، أن 70 بالمئة من سكان المخيم نساء وأطفال. ووفقا لأرقام الأمم المتحدة فهناك نساء أكثر بمقدار المثلين من الرجال في الفئة العمرية من 18 إلى 59 في ذلك المخيم إذ يبلغ العدد 10500 امرأة مقابل 5300 رجل.

وفي لقطات فيديو نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي خلال وبعد موجة العنف في نوفمبر في الجنينة، ظهر عشرات من الأولاد والرجال من المساليت وهم يحتجزون في مواقع داخل وحول المدينة. وتمكنت رويترز من التحقق من بعض تلك الفيديوهات.

يظهر اثنان من تلك المقاطع على الأقل مجموعات من الرجال يجبرها مسلحون يرتدون زي قوات الدعم السريع وآخرون من ميليشيات عربية على السير والركض عبر حقول صوب مطار الجنينة. وقال شهود لرويترز إن هؤلاء الأسرى تعرضوا للتعذيب وأعدموا في المطار. 

وفي تسجيل فيديو آخر نشرت عنه رويترز من قبل ظهرت مجموعة من الرجال محتجزة لدى مسلحين على جسر في الجنينة ويتعرضون للجلد.

خلال موجة العنف الأولى في المدينة في الفترة بين أبريل ويونيو ، قال العديد من الرجال من المساليت إنهم تركوا زوجاتهم وأطفالهم واختبأوا لحماية أنفسهم وأسرهم لعلمهم بأن قوات الدعم السريع والميليشيات العربية تستهدف الرجال.

اختبأ بعضهم في أحياء مختلطة عرقيا بينما لجأ آخرون لمنطقة أردمتا قرب قاعدة الجيش السوداني، لكنهم تعرضوا للاستهداف في هجمات تجددت في نوفمبر.

قال بعضهم إنهم تمكنوا من الوصول إلى تشاد من خلال رشوة عرب لمساعدتهم طول الطريق أو من خلال الدفع لسائقين من العرب لتهريبهم من نقاط تفتيش نصبتها الميليشيات.

وبعض الأسر قتل كل رجالها.

قالت هدى إبراهيم إسماعيل إنها وابنيها المراهقين كانوا مع زوجها عندما قتل في الجنينة في 15 يونيو بعد أن فتحت قوات الدعم السريع وميليشيات عربية النار على مجموعة من الناس في المدينة. وبعد ساعات كانت مع ولديها ضمن حشد تعرض للهجوم مرة أخرى.

بعد أن فروا من الهجوم قالت هدى إن سيارة تقل رجالا يرتدون زي قوات الدعم السريع اقتربت من ابنيها رشيد (19 عاما) وشريف (17 عاما) وعندما فرا طاردوهما. وأضافت أنها شاهدتهم بعد ذلك وهم يقيدون ولديها ويعدمونهما بإطلاق الرصاص على رأسيهما.

وقالت "أنا وحدي الآن.. لم يعد لي أحد".
 

الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني
الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني

عندما اندلعت "الثورة" عام 2018 في السودان، لم يكن عمر عشاري، يتخيل أنه سيكون يوما ما لاجئا في القاهرة، وأنه سيضطر إلى الفرار من الحرب المستعرة في بلاده منذ عام.

في ذلك الوقت، كان المحامي ابن الـ 37 عاما خلف القضبان، مثل العديد من المعارضين الذين اعتقلوا في عهد نظام عمر البشير الذي حكم البلاد 30 عاما.

ومثل كل السجناء السياسيين، فرح عوشاري بتلك الانتفاضة الشعبية التي أسقطت البشير في أبريل 2019 وقرر تحقيق حلم ظل يراوده سنوات طويلة هو أن يفتح مقهى ثقافيا.

وبسرعة تحول المقهى الذي سماه "رتينة"، إلى ملتقى للأدباء والفنانين والناشطين يتداولون فيه بناء "سودان جديد".

لكن عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش بقيادة، عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها، محمد حمدان دقلو، "بدأ المكان يتآكل أمامي رويدا رويدا"، بحسب تعبير عوشاري.

وعلى مدى أشهر بعد نشوب الحرب، وقبل أن يخرج من السودان، كان الشاب يذهب إلى مقهاه مستغلا أي فترة هدوء في المعارك. 

ويقول لوكالة فرانس برس: "كنت  أضع كرسيا في وسط رتينة وسط ظلام دامس بسبب انقطاع الكهرباء واستغرب كيف تحول المقهى من مسرح حي للفنانين والموسيقيين والنشطاء السياسيين والمثقفين والأدباء، إلى مكان أسمع فيه من كل النواحي أصوات الرصاص وأصوات الراجمات ... شيء أشبه بالرواية".

ويتابع: "تحول المقهى إلى زجاج متناثر في كل مكان بجانب شظايا الرصاص".

"ثورة سرقت"

عام من الحرب أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وانهيار "آلاف الاحلام"، بحسب عشاري الذي ودع ما تبقى من مقهاه مدركا أن "الثورة سرقت".

كانت المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية التي أعقبت سقوط البشير قد أوجدت في السودان "آمالا وحماسة وجرأة" لدى الشباب، بحسب ما قالت لفرانس برس، سارة سلمان، التي كانت تعمل آنذاك في شركة استثمارية في الخرطوم وانتقلت بعد الحرب إلى الولايات المتحدة.

وتوضح أن الشركات الناشئة "انتشرت في جميع أنحاء البلاد" وكانت تتنافس في إبداع "حلول مبتكرة لتلبية الاحتياجات الحقيقية للسودانيين".

الشركة التي تعمل فيها سلمان تلقت وحدها عروض مشاريع من 50 شركة ناشئة تعمل في مجالات متنوعة من الخدمات الصحية عبر الانترنت إلى الخدمات المالية.

يتذكر عشاري أنه في ذلك الحين عندما قامت "الثورة .. أحيت السودان، وأصبح البلد مختلفا وكان التفكير خارج الصندوق... في هذا الوقت كانت الآمال كبيرة أن السودان يوضع على المسار الصحيح كبلد نام منطلق تجاه الديمقراطية والحكم المدني والحرية".

ومثل الكثير من السودانيات، ساهمت الخبيرة في الاتصالات، رغدان أورسود (36 عاما)، في جهود التغيير.

شاركت الشابة، التي انتقلت بعد الحرب للإقامة بلندن، في تأسيس منصة رقمية للكشف عن الأخبار الكاذبة سميت "بيم ريبورتس"، إذ أنها كانت "مقتنعة بالدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية"، وفق ما قالت لفرانس برس.

وبعد شهرين فقط من تأسيس المنصة، انهارت المرحلة الانتقالية عندما قام الجنرالان المتحاربان آنذاك، بانقلاب ضد الحكومة المدنية وسيطرا معا على السلطة.

ويذكر عشاري أنها "كانت مرحلة مؤلمة وكان المتظاهرون يقتلون كل أسبوع" عندما يخرجون للمطالبة بعودة الحكم المدني.

احتراق "رتينة"

فجأة، استيقظ سكان الخرطوم في يوم سبت بحدود نهاية رمضان على دوي المدافع وأدركوا أن حربا تدور في الشوارع.

غادر عدة ملايين من السودانيين العاصمة، واضطرت أورسود إلى ترك تجهيزات الصوت الجديدة والفرار من الخرطوم. 

وتقول: "كانت المعدات لاتزال داخل الصناديق" عندما استولت قوات الدعم السريع على البناية التي كانت تقيم وتعمل فيها.

وعندما كان عشاري يحاول إعادة ترتيب أموره في القاهرة، تلقى لقطات فيديو أظهرت نشوب حريق ضخم. وقال: "هكذا عرفت أن (مقهى) رتينة احترق".

العديد من السودانيين العاملين في الخارج استثمروا في بلادهم بعد الثورة وانفقوا مدخرات حياتهم في بناء منازل في الخرطوم، ولكنهم عجزوا عن أي فعل وهم يرون قوات الدعم السريع تسيطر على بيوتهم.

وتقول الطاهية المتخصصة في صنع الحلويات، شيماء عدلان (29 عاما)، إن والدها الذي يعمل في الرياض كان "يدعو الله أن تدمر قذيفة منزله بدلا من أن يتحول إلى قاعدة لقوات الدعم السريع".

"السودان لنا"

عدلان، التي كانت بدأت العمل متعهدة لتقديم الطعام، وجدت نفسها بعد الحرب في القاهرة، بعيدا من موطنها وبلا عمل.

ما زال الشباب السودانيون الذين كانوا يأملون في مستقبل واعد لبلادهم وينظمون التظاهرات يحلمون بالديمقراطية.

أما من بقي منهم داخل السودان فقد باتوا يشرفون على شبكة المساعدات الإنسانية ويشكلون، وفق الأمم المتحدة "الخط الأول"لتلبية الاحتياجات الانسانية الناجمة عن الحرب.

ورغم المنفى والألم، يقول عشاري: "لاتزال هناك شعلة من الثورة موجودة في كل قلب".

وتقول أورسود "السودان لنا، فماذا نفعل إن لم نواصل السعي لإعادة بنائه؟".