قوات الدعم السريع كانت محط انتقادات حقوقية منذ سنوات
قوات الدعم السريع كانت محط انتقادات حقوقية منذ سنوات

بعد سيطرتها على أجزاء كبيرة من ولاية الجزيرة، وعاصمتها ود مدني بوسط السودان، تواصل قوات الدعم السريع التقدم نحو الجنوب، فاتحة جبهات جديدة في الحرب الدموية المندلعة منذ منذ أبريل الماضي.

ونجحت القوات التي يقودها الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي" في كسب معارك ضد قوات الجيش النظامية، محرزة تقدما ميدانيا كبيرا؛ فبعد سيطرتها على مناطق واسعة بالعاصمة الخرطوم، وتعزيز حضورها بولاية دارفور والمناطق المجاورة لها، حققت الاختراق الأكبر بسيطرتها على ولاية الجزيرة.

وتتباين قراءات محللين بشأن خلفيات وأسباب النجاحات الميدانية والسريعة لقوات الدعم السريع، بين من يتحدث عن أن تفوقها العسكري واضح ومسنود بدعم مالي ولوجيستي خارجي قوي، ومن يرى أن حالة الضعف والانقسامات التي تسود معسكر الجيش وراء مكاسبها الأخيرة، فيما تذهب تقديرات أخرى نحو التقليل من "أهمية المكاسب المحققة" مع الإشارة إلى "الانتهاكات" التي رافقت توسعها في عدد من مناطق البلاد.

أوجه القوة والقصور

يربط المحلل السياسي السوداني، عاطف علي صالح، "الخسارات المتتالية" التي مني بها الجيش السوداني، بما يعتبره "ضعف خبراته القتالية"، مشيرا إلى أنه "لم يخض أي حروب خارجية، وحتى المعارك الداخلية التي شارك فيها، جند فيها قوى أخرى بديلة تخوضها عنه، وهذا ما حدث حتى في دارفور مع قوات الجنجويد التي تطورت لاحقا إلى الدعم السريع".

ويتفق الكاتب الصحفي والمحلل السوداني، أشرف عبد العزيز، مع هذا الطرح، لافتا إلى أن "عناصر الدعم السريع كانوا على مدى سنوات القوة المقاتلة بالجيش السوداني"، مشيرا أيضا إلى قتالها بدارفور "الذي أكسبها خبرة ميدانية كبيرة".

ويتحدث عبد العزيز، أيضا عن عنصري "الرغبة والطموح" لمواصلة القتال وكسب الحرب اللذين يحضران بـ"شكل أقوى" لدى هذه القوات وقادتها، والذي "يغيب" في صفوف الجيش الذي يشهد "تباينا في المواقف بين قياداته التي أظهرت منذ البداية عدم اقتناعها بخوض الحرب".

ويشير علي صالح في حديثه لموقع "الحرة"، إلى أن "التفوق" الذي تحققه قوات الدعم السريع يعود إلى انضمام عدد من قيادات الصف الأول وعناصر بالاستخبارات والوحدات الأمنية بالجيش إلى القوات"، بالتالي يقول إن الجيش كان منذ البداية "مخترقا".

السودان يشهد منذ أبريل الماضي نزاعا على السلطة أسفرت عن سقوط 12 الف قتيل

وفي سياق متصل، يشير المحلل السوداني المقيم بباريس، إلى الدعم المالي والعسكري الذي تتفوق فيه قوات الدعم السريع، موضحا "راتب الجندي فيها يعادل ثلاث أضعاف نظيره لدى الجيش".

ويؤكد أن دعم قوى إقليمية ودولية، يساعدها في تحقيق "اختراقات ميدانية مهمة"، وساهم في تحول قوات الدعم السريع، من ميليشيا تضم نحو 10 آلاف مقاتل إلى جيش قائم بذاته يضم مئات الآلاف من العناصر التي تنتشر "من أقصى منطقة في غرب دارفور على الحدود مع تشاد إلى وسط السودان بأقاليم الجزيرة.

وعلى الجهة المقابلة، يقول عبد العزيز،  إن الجيش يواجه "إشكالات كبيرة" على مستوى الإمدادات العسكرية، من خلال نقص الأسلحة والذخيرة، لافتا إلى التقارير التي تحدثت عن عجز كتيبة تقاتل مع الجيش في التصدي لهجوم الدعم السريع على واد مدني، "بسبب نقص الذخيرة".

ويوضح أن، هذا الوضع تكرر في "السقوط الدراماتيكي" لعدد من الحاميات العسكرية التابعة للجيش في أيدي قوات الدعم، خلال الأسابيع الأخيرة، كما هو الحال مناطق بالولاية ذاتها، وبديالى أو مناطق بقرب قرطفان وغيرها من المناطقة الأخرى.

وعلاقة بموضوع الدعم الأجنبي لقوات الدعم السريع، كشف تقرير لوكالة فرانس برس، عن استعمال "قوات حميدتي" لتكنولوجيا متقدمة خلال قتالها بالسودان، لافتا إلى حصولها على صور من الأقمار الصناعية التي تحصل عليها من خلال علاقتها بمجموعة فاغنر، التي اشترت قمرين صناعيين للمراقبة عالية الدقة من شركة تشانغ غوانغ الصينية المتخصصة في تكنلوجيا الأقمار الصناعية ( Chang Guang Satellite Technology .

وفي نوفمبر من العام الماضي، نقلت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، أن الدعم السريع حصلت على تقنيات تجسس إسرائيلية الصنع، كما انتشرت صور حديثة تظهر فيها صواريخ المدفعية "LAR-160" الذكية إسرائيلية الصنع، مستخدمة من طرف قوات الدعم السريع.

وتناول تقرير سابق، نشرته صحيفة "التايمز" البريطانية، تفاصيل عن كيفية حصول حميدتي على صواريخ أرض-جو من قواعد عسكرية في جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة في أبريل ومايو الماضيين، وقال مسؤول في الأمم المتحدة إن فاغنر وفرت تلك الصواريخ، وقال مسؤولان سودانيان، إن هذه الصواريخ استخدمت لإسقاط عدة طائرات مقاتلة تابعة للجيش.

وتحصل القوات أيضا، على دعم لوجستي عبر الحدود مع تشاد المجاورة، إذ كشف تقرير لنيويورك تايمز، أن الجيش التشادي يسهل تدفق المقاتلين والسلاح النوعي نحو السودان.

واتهم التقرير الإمارات بالتورط في حرب السودان من خلال  إمداد الدعم السريع بأسلحة وطائرات بدون طيار تدخل إلى مناطق سيطرتها عبر حدود السودان مع تشاد، فضلا عن تكفلها بمعالجة جرحى قوات الدعم السريع، ونقلها الحالات الأكثر خطورة جوا إلى إحدى مستشفياتها العسكرية.

وذكر تحقيق نشرته "نيويورك تايمز"، في سبتمبر، أن الإمارات زودت قوات الدعم السريع بأسلحة "قوية" ومسيرات لدعم قتالها ضد الجيش السوداني، وهي المزاعم التي نفتها أبوظبي في أغسطس الماضي.

وقالت أبو ظبي إنها "لم تدعم أي من طرفي الصراع في السودان بالسلاح والذخيرة"، وفق بيان لوزارة الخارجية والتعاون أكدت فيه أنها "لا تنحاز إلى أي طرف في الصراع الحالي، وتسعى إلى إنهائه".

 

"أساليب الترويع والتهديد"

وتقاسم الجيش وقوات الدعم السريع السلطة بعد الإطاحة بالرئيس السابق، عمر البشير خلال انتفاضة شعبية في عام 2019. وقبل قتالهما نفذا معا انقلابا في عام 2021 أنهى جهودا من أجل دفع السودان نحو الديمقراطية.

وحققت قوات الدعم السريع تقدما في الأسابيع القليلة الماضية، إذ عززت قبضتها على إقليم دارفور الشاسع وسيطرت على أراض جديدة تمتد شرقا نحو العاصمة الخرطوم، قبل أن تسيطر على ولاية الجزيرة وعاصمتها ود مدني.

جثث مغطاة متناثرة في الهواء الطلق بالقرب من منازل في الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفورـ أرشيفية
المساليت والقبائل العربية.. صراع التاريخ والجغرافيا في غرب دارفور
مع أن ولاية غرب دارفور السودانية، تعد ضمن أقل ولايات الإقليم تأثرا بالحرب الطاحنة، التي اندلعت في عام 2003 وخلّفت أكثر من ثلاثمئة ألف قتيل، بحسب الأمم المتحدة، إلا إنها تبدو الآن أكثر ولايات السودان تضرراً من الحرب المستعرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، منذ منتصف أبريل الماضي.

في المقابل، يتحصن أعضاء الحكومة وقادة الجيش في مدينة بورتسودان المطلة على البحر الأحمر بشرق البلاد، والتي بقيت في منأى عن المعارك.

وتبعد ود مدني نحو 170 كيلومترا جنوب شرقي الخرطوم وهي مركز مساعدات وملجأ للنازحين داخليا. كما أنها عاصمة ولاية الجزيرة، وهي منطقة زراعية مهمة في بلد يواجه تفاقم الجوع، وفقا لرويترز.

 الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية بالسودان، خالد عبيد الله، يرفض القول بتفوق قوات الدعم السريع، معتبرا أنها "هزمت نفسها بتمردها على قيادة القوات المسلحة السودانية منذ 15 أبريل وفشلها في المعارك العسكرية داخل الخرطوم"، مؤكدا أن حميدتي لم يحقق "أيا من أهدافه التي أعلنها في بداية الحرب".

وبشأن السيطرة على ولاية الجزيرة، يؤكد العقيد العسكري المتقاعد، أنها "تعكس انحراف بوصلة قوات الدعم السريع عن الأهداف العسكرية"، حيث قلل من أهمية المنطقة عسكريا، قائلا إنها "كسبت معركة بسيطة وليس الحرب".

وفي رده على سؤال بشأن حقيقة تراجع المكاسب العسكرية التي يحققها الجيش مقابل توجه الدعم السريع لبسط سيطرتها على البلاد، يرى عبيد الله، أن  "العقيدة القتالية للجيش السوداني دفاعية وغير معتدية"، مشيرا إلى ما اعتبره "الالتزام الأخلاقي" للجيش نحو شعبه والقوانين الإنسانية، عكس "قوات الدعم السريع التي ترتكب جرائم وانتهاكات".

الحرب أدت إلى نزوح وتشريد مئات آلاف السودانيين

في المقابل، يرى  الكاتب والباحث السياسي، محيي الدين محمد، أن نجاح قوات الدعم السريع في الدخول إلى ولاية الجزيرة، يمثل "تطورا مهما"، سواء على الناحية الاقتصادية والعسكرية، "إذ سيكون للمنطقة تأثير كبير على مسار النزاع".

غير أن محيي الدين، يلفت في تصريح لموقع الحرة، إلى أن التطورات الأخيرة دفعت إلى "تصاعد دعوات تسليح المدنيين في عدد من الولايات المجاورة لمواجهة تقدم هذه الميليشيات لحماية قراهم".

ويكرر المحلل السياسي من جهته، اتهامات ارتكاب جرائم وانتهاكات من طرف الدعم السريع، قائلا إن"تكتيك الجيش يختلف عن الميليشيات، حيث ينفذ عملياته العسكرية بطريقة احترافية، عكس الانتهاكات والأعمال البربرية التي ترتكبها الدعم السريع تجاه المواطنين"، معتبرا أن نجاحها الميداني يرتبط بـ "أساليب الترويع والتخويف" التي تمارسها ضد السكان.

ورافق سيطرة قوات الدعم السريع على ود مدني، حالات نزوح جماعية من المدينة التي كانت تعد ملاذا آمنا لآلاف النازحين، وسط اتهامات بارتكاب قوات الدعم بـ"أعمال سرقة ونهب واغتصاب وقتل بدوافع عرقية".

وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن المعارك الأخيرة وسط البلاد أرغمت 300 ألف شخص على الفرار و"هذه العمليات الجديدة ترفع عدد النازحين إلى 7.1 مليونا"، بينهم 1.5 مليون لجأوا إلى البلدان المجاورة.

وكانت المنظمة الدولية للهجرة حذرت، من أن ما يشهده السودان "مأساة إنسانية ذات أبعاد هائلة، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية الرهيبة في الأساس".

وأسفرت الحرب في السودان عن سقوط أكثر من 12 الف قتيل حتى مطلع ديسمبر، وفقا لحصيلة بالغة التحفظ لمنظمة أكلد المتخصصة في احصاء ضحايا النزاعات.

وقالت الأمم المتحدة، إن النظام الصحي في السودان على حافة الانهيار مع خروج 70 بالمئة، من المستشفيات عن الخدمة في مناطق القتال و"اكتظاظ المراكز الصحية في المناطق التي لم يمتد اليها القتال بالنازحين".

وفي بيان أعقب هذه الاتهامات، قالت الدعم السريع، إنها "تشدد على عدم التهاون مع أي انتهاكات أو تفلتات ضد المدنيين الأبرياء وتوفير الحماية لهم بالتنسيق مع اللجان المجتمعية في مناطق سيطرتها"، مؤكدة أنها "رصدت قوة مسلحة تعمل على نهب وإرهاب المواطنين وسرقة ممتلكاتهم جار تتبعها والتعامل معها".

وقالت القوات في بيان، نقلته مراسلة قناة الحرة، "إن قواتها تنشط في مواجهة حقيقية مع العدو والمتفلتين في آن واحد وستقوم بواجبها كاملاً في حماية المدنيين داخل مناطق سيطرتها وتوفير الخدمات الضرورية لهم وإعادة تشغيل المؤسسات الخدمية، لا سيما محطات المياه والكهرباء والمستشفيات وشبكات الاتصال".

وبينما يتبادل الجيش وقوات الدعم السريع الاتهامات بالمسؤولية عن الانتهاكات ارتكبت خلال الحرب. قالت الولايات المتحدة، في وقت سابق، إنها توصلت رسميا إلى أن طرفي الصراع ارتكبا معا جرائم حرب.

دعوات لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان ضد النساء والفتيات في السودان

"الحرب لن تحسم بالسلاح"

وتعثرت مرارا محادثات غير مباشرة بين الجيش وقوات الدعم السريع بوساطة من السعودية والولايات المتحدة، في ظل مواصلة الجانبين حملاتهما العسكرية.

ورعت الولايات المتحدة والسعودية جولة محادثات في مدينة جدة في أواخر أكتوبر كانت الثانية بين طرفي النزاع بهدف وقف إطلاق النار، لكن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، فيما لم تسفر محاولات الوساطة السابقة إلا عن هدن قصيرة، سرعان ما انتُهكت. 

من جهتها، تضاعف الهيئة الحكومة للتنمية في شرق إفريقيا (إيغاد)، جهودها أيضا لحمل دقلو وقائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان على التفاوض المباشر.

في هذا الجانب، يقول المحلل السياسي، عثمان مرغني، إنه لا توجد فرصة للطرفين للتفوق في الحرب وتحقيق انتصار كاسح، سوى عن طريق بالتفاوض للتوصل لاتفاق سلام، يحقن دماء السودانيين ويسمح للبلاد بعودة السلم والأمن إلى البلاد.

وأوضحت أن الصراع الدائر على السلطة في السودان سيظل يلقي بظلاله على تعميق عدم الاستقرار الاجتماعي والضغوط الاقتصادية، في عام 2024، وذلك في مرحلة ما بعد انتشار الأوبئة والمجاعات التي ستؤدي حتما إلى زيادة موجات الهجرة من السودان إلى مختلف أنحاء العالم.

ويوضح مرغيني في تصريح لموقع "الحرة"، أن اختلاف استراتيجيات الطرفين يعقّد من إمكانية حلحلة النزاع بالسلاح والحرب، موضحا أن "الجيش السوداني قوات نظامية تمارس الحرب عبر خطط واستراتيجيات الحرب التقليدية".

وفي المقابل، يقول إن، قوات الدعم السريع  التي صممت أساسا كقوة مساندة للجيش عبارة عن "قوات مهام سريعة تكلف بإنجاز مهام وإدارة معارك في مناطق محددة"، بالتالي هناك اختلاف جوهري في طبيعة عملهما العسكري والحربي، وبالتالي في استراتيجياتهما الحربية.

وعمليا، يقول المحلل السوداني، إن الدعم السريع ينتشر بشكل واسع داخل عدة ولايات، من بينها ولاية الخرطوم والجزيرة ودارفور، ويحتل جغرافيا مساحات أكبر من التي يحتلها الجيش، ويحاول مهاجمة مناطق جديدة، ما يمثل بالنسبة له مكاسب حرب.

غير أنه، يؤكد أن الجيش في الجهة المقابلة، مقتنع بأن "مكاسبه" تتمثل في "استنزاف قوات الدعم السريع الحربية واللوجيستية، ما يترك الجانبين في حلقة مفرغة.

وحذرت صحيفة "واشنطن بوست" في تقرير لها، من أن أزمة السودان من المتوقع أن تستمر في عام 2024. وتوقعت أن الحرب المدمرة، التي اتسمت بعدد لا يحصى من الفظائع وتقارير عن جرائم حرب، قد تؤدي إلى انهيار الدولة الهشة بالفعل كما ستفاقم الأزمات الإنسانية المتصاعدة.

الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني
الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني

مع دخول الحرب في السودان عامها الثاني، شهدت المناطق المحيطة بمصفاة الخرطوم للنفط، مواجهات عسكرية بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني والحركات المسلحة المتحالفة معه، في محاولة لإبعاد الدعم السريع من المنشأة الاقتصادية الحيوية.

في الأيام الأولى للحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، سيطرت قوات الدعم السريع على مصفاة النفط التي تقع في منطقة الجيلي، على بعد 70 كيلومترا، شمالي العاصمة السودانية، الخرطوم.

لكن قوة مشتركة من الجيش وبعض حركات دارفور المسلحة، نفذت هجوما على المناطق المحيطة بالمصفاة، ما أدى إلى "تفكيك جميع خطوط الدفاع الأمامية لقوات الدعم السريع"، وفق بيان صادر عن القوة المشتركة الجمعة.

وأضاف البيان أن "القوة المشتركة دمرت عربة مدرعة وأكثر من 37 سيارة عسكرية، واستلمت 18 سيارة عسكرية ومدرعة وثلاث شاحنات محمّلة بالمؤن والذخائر من قوات الدعم السريع".

في المقابل، ذكرت قوات الدعم السريع في بيان أنها "تصدت لهجوم شنه الجيش وكتيبة البراء بن مالك وحركات دارفور المسلحة، في المناطق المحيطة بالمصفاة".

وتأسست مصفاة الخرطوم للنفط في العام 1997، وبدأت التشغيل الفعلي في العام 2000، إذ يربطها خط أنابيب بعدد من حقول النفط التي تقع في جنوب وغرب البلاد.

تصاعد المواجهات

ويشير الخبير الاستراتيجي، اللواء متقاعد أمين إسماعيل، إلى أن "الجيش يضرب حصارا على مصفاة الخرطوم من جوانب عدة، مدعوما بقوات من حركات دارفور المسلحة".

وقال إسماعيل، لموقع الحرة، إن "الجيش يهدف في المرحلة الأولى إلى قطع الامداد عن قوات الدعم السريع، ولضرب خطوطها الدفاعية المتقدمة".

ولفت إلى أن "الاشتباكات تدور في المناطق المحيطة بالمصفاة، وليس داخل المصفاة التي تبلغ مساحتها 15 كيلو متر مربع، وتضم مهبطا جويا، وعددا من المساكن".

وسيطرت قوات الدعم على عدد من حقول النفط في السودان، أبرزها حقل بليلة في ولاية غرب كردفان، في محاولة لتأمين وصول النفط الخام إلى المصفاة.

بدوره، أشار مستشار قائد قوات الدعم السريع، عمران عبد الله، إلى أن "الاشتباكات تدور في مناطق بعيدة عن المصفاة، وليس داخل المصفاة، أو محيطها".

وقال عبد الله لموقع الحرة، إن "إعلام الجيش وحركات دارفور يحاول أن يوهم المراقبين بأن القتال يدور بالقرب من المصفاة، وهذا ليس صحيحا، لأن قوات الدعم السريع تفرض سيطرتها الكاملة على المصفاة والمناطق المحيطة بها".

ولفت إلى أن "الهدف من ترويج تلك المعلومات الكاذبة، رفع الروح المعنوية لمقاتلي الجيش وحلفائه من حركات دارفور المسلحة".

من جانبه يشير، الخبير الاقتصادي، عثمان خيري، إلى أن "مصفاة الخرطوم تنتج 50 في المئة من حاجة السودان من الديزل و40 في المئة من احتياجاته من البنزين".

وقال خيري لموقع الحرة، إن "مصافاة الخرطوم كان تضم كميات من المخزون النفطي القابلة للاستخدام، لكن هذا المخزون نضب بعامل الوقت، وبعامل احتراق كثير من الخزانات، ما أفقد المصفاة قيمتها النفطية، وحولها إلى مقر عسكري".

واستعبد الخبير الاقتصادي أن "تقوم قوات الدعم السريع باستجلاب خام من النفط من الخارج وتكريره للاستفادة منه، بعد نفاذ المخزون الذي كان موجودا بالمصفاة".

وأضاف قائلا: "المصفاة تعد أكثر المنشآت من حيث الخطورة الكيميائية، وعمليات التكرير بها معقدة جدا، كما أن صناعة البترول يدخل فيها أكثر من 32 مادة كيميائية، بجانب أن المصفاة ليست مصممة لاستقبال نفط من الخارج، وأنها مصممة لاستقبال النفط الذي يردها من حقل أبو جابرة النفطي على بعد 600 ميل".

وتشارك حركة تحرير السودان بقيادة أركو مناوي، وهو حاكم إقليم دارفور، وحركة العدل والمساواة، بقيادة جبريل إبراهيم، الذي يتولى منصب وزير المالية السوداني، إلى جانب الجيش في الاشتباكات التي تدور في المناطق المحيطة بمصفاة الخرطوم، وفق بيان القوة المشتركة.

أهمية اقتصادية

وخلال العام الأول من الحرب، تداول ناشطون مقاطع فيديو تشير إلى تعرض المصفاة إلى حريق، بينما تبادل الطرفان المتحاربان المسؤولية عن الدمار الذي طال أجزاء من المنشأة الحيوية.

ويشير عبد الله إلى أن "الجيش قام بقصف المصفاة بالطيران الحربي أكثر من مرة، مما أشعل النيران فيها وعرّضها إلى التلف".

ولفت إلى أن "الجيش لا يهتم بأهمية المصفاة، وقام بقصفها بالطيران على نحو ما فعله في عدد من المنشآت الحيوية الأخرى، وذلك ضمن مخطط عناصر نظام الرئيس السابق، عمر البشير، للعودة للسلطة بأي ثمن".

بدوره، ينفي إسماعيل تورط الجيش في عمليات قصف المصفاة، مشيرا إلى أن "قوات الدعم السريع، قامت بحرق أجزاء منها، لاتهام الجيش زورا".

وأضاف "الجيش يحاصر الآن المصفاة لإجبار قوات الدعم السريع للانسحاب منها، ولم يقم بتصويب نيرانه ناحية المصفاة، لإيمانها بأهميتها الاقتصادية".

ولفت إلى أن "قوات الدعم السريع تحتجز عددا من المدنيين والفنيين والمهندسين في المصفاة، بعد أن حولتها إلى مخازن للعتاد العسكري ومعتقلات للمحتجزين والأسرى، وهو ما يضعه الجيش في اعتباراته وحسبانه".

عام من الصراع.. كيف توسعت دائرة المعارك في السودان؟
اتسعت دائرة الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ودخلت في المعارك ولايات كانت بمنأى عن القتال الذي اقترب من دخوله عامه الثاني، ما يهدد بزيادة معاناة النازحين الذين اتخذوا من تلك الولايات ملاذا من جحيم الحرب، وفق مختصين وناشطين

بدوره، يشير خيري إلى ضرورة أن يعي الطرفان المتقاتلان أهمية المصفاة كمنشأة اقتصادية، مشيرا إلى أن "الأجهزة والمعدات بالمصفاة وحدها، تبلغ قميتها 640 مليون دولار، بخلاف الأرض".

ولفت إلى أن "إنشاء مصفاة جديدة يحتاج إلى أكثر من 750 مليون دولار، ولذلك ينبغي المحافظة عليها كمنشأة اقتصادية مهمة للسودانيين".

وأضاف: "حتى إذا قررت السلطات إنشاء منشأة جديدة، فإن الأجهزة والمعدات الحالية بالمصفاة، يمكن أن تحقق نصف مليار دولار، إذ جرى بيعها داخليا أو خارجيا".

وتابع: "التلف الذي لحق بالمصفاة، وصعوبة عودتها إلى العمل في فترة شهرين أو ثلاثة، ربما تغري الطرفين للتعامل معها كموقع عسكري، وبالتالي يمكن أن تحدث مواجهات مسلحة تحيل المنشأة الحيوية إلى خراب".

ويحتاج السودان إلى نحو 45 ألف برميل يوميا من الديزل (حوالي 6000 طن يوميا) لتلبية الطلب المحلي، ويستورد ما بين 60 ألف إلى 70 ألف طن من الديزل شهريا، معظمها من السعودية والإمارات، بحسب رويترز.

ووفق أرقام الأمم المتحدة، أدى الصراع بين الجيش والدعم السريع إلى مقتل أكثر من 13 ألف شخص، وأجبر أكثر من 7 ملايين على الفرار من منازلهم، بينهم 1.5 مليون لجأوا إلى تشاد ومصر وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا.

وقالت وكالات الأمم المتحدة إن نصف سكان السودان، أي حوالي 25 مليون شخص، يحتاجون إلى الدعم والحماية، من جراء تداعيات الحرب.

وحذر منسق المساعدات الإنسانية بالأمم المتحدة، مارتن غريفيث، في مذكرة لمجلس الأمن، من أن "ما يقرب من 5 ملايين شخص قد يعانون من جوع كارثي في بعض مناطق السودان خلال الأشهر المقبلة"، بحسب رويترز.