جانب من اجتماع إيغاد في أديس أبابا الاثنين
جانب من اجتماع سابق لقادة منظمة إيغاد (أرشيف) | Source: Facebook.com/igadsecretariat

دعت الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا "إيغاد"، الجمعة، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع، محمد دقلو "حميدتي"، إلى الاجتماع بشكل مباشر خلال 14 يوما، لإنهاء الحرب الدائرة  في البلاد منذ منتصف أبريل الماضي.

وكان مقررًا عقد لقاء بين البرهان وحميدتي في جيبوتي أواخر ديسمبر الماضي، لكن وزارة الخارجية السودانية قالت إن نظيرتها الجيبوتية أبلغتها بتأجيل اللقاء "لأسباب فنية".

الجيش يرفض "إيغاد".. وحميدتي يعلن أولويات "الدعم السريع"
قبل مشاركته في جسة دعت إليها  الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا (إيغاد)، الجمعة، شدد محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع التي تخوض حربا مع الجيش السوداني منذ منتصف أبريل الماضي، على ضرورة تكوين جيش موحد للبلاد، يشمل تمثيلا متساويا لجميع المواطنين دون أن تمييز. 

وغاب البرهان عن قمة  دول "إيغاد" التي انعقدت، الخميس، في عنتيبي بأوغندا، "احتجاجا "على عدم تنفيذ مقررات القمة السابقة.

كما احتجت الحكومة السودانية على دعوة حميدتي للمشاركة في جلسات القمة، وقررت تبعاً لذلك تجميد التعامل مع المنظمة الإقليمية فيما يخص ملف السلام في البلاد.

وشارك دقلو في اجتماع مع قادة إيغاد بعد القمة.

 ودعا البيان الختامي للقمة، إلى التنسيق مع الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي لحشد الدعم لعملية السلام، بهدف حل النزاع في السودان.

ورحب رؤساء دول "إيغاد" بقرار رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، بتعيين أعضاء الفريق الرفيع المستوى المعني بالسودان.

ودعوا الفريق إلى العمل بشكل وثيق وتعاوني مع "إيغاد" وأصحاب المصلحة الآخرين في تسيير عملية السلام في السودان.
 
وأبدى البيان قلق قادة المنظمة الإقليمية إزاء استمرار القتال في السودان والحالة الأمنية والإنسانية المتردية الناجمة عن الحرب، وكرر دعوته لأطراف النزاع إلى الالتزام بالحوار والمفاوضات.

وشدد القادة على أن "السودان ليس ملكاً لأطراف الصراع فحسب، بل للشعب أيضا"، وجددوا دعوتهم إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار .

ودعوا كذلك إلى وقف الأعمال القتالية لإنهاء هذه الحرب، التي وصفها البيان بـ"الظالمة"، والتي تؤثر على السودانيين، تمهيداً للمضي قدماً نحو الحوار السياسي.

الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني
الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني

عندما اندلعت "الثورة" عام 2018 في السودان، لم يكن عمر عشاري، يتخيل أنه سيكون يوما ما لاجئا في القاهرة، وأنه سيضطر إلى الفرار من الحرب المستعرة في بلاده منذ عام.

في ذلك الوقت، كان المحامي ابن الـ 37 عاما خلف القضبان، مثل العديد من المعارضين الذين اعتقلوا في عهد نظام عمر البشير الذي حكم البلاد 30 عاما.

ومثل كل السجناء السياسيين، فرح عوشاري بتلك الانتفاضة الشعبية التي أسقطت البشير في أبريل 2019 وقرر تحقيق حلم ظل يراوده سنوات طويلة هو أن يفتح مقهى ثقافيا.

وبسرعة تحول المقهى الذي سماه "رتينة"، إلى ملتقى للأدباء والفنانين والناشطين يتداولون فيه بناء "سودان جديد".

لكن عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش بقيادة، عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها، محمد حمدان دقلو، "بدأ المكان يتآكل أمامي رويدا رويدا"، بحسب تعبير عوشاري.

وعلى مدى أشهر بعد نشوب الحرب، وقبل أن يخرج من السودان، كان الشاب يذهب إلى مقهاه مستغلا أي فترة هدوء في المعارك. 

ويقول لوكالة فرانس برس: "كنت  أضع كرسيا في وسط رتينة وسط ظلام دامس بسبب انقطاع الكهرباء واستغرب كيف تحول المقهى من مسرح حي للفنانين والموسيقيين والنشطاء السياسيين والمثقفين والأدباء، إلى مكان أسمع فيه من كل النواحي أصوات الرصاص وأصوات الراجمات ... شيء أشبه بالرواية".

ويتابع: "تحول المقهى إلى زجاج متناثر في كل مكان بجانب شظايا الرصاص".

"ثورة سرقت"

عام من الحرب أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وانهيار "آلاف الاحلام"، بحسب عشاري الذي ودع ما تبقى من مقهاه مدركا أن "الثورة سرقت".

كانت المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية التي أعقبت سقوط البشير قد أوجدت في السودان "آمالا وحماسة وجرأة" لدى الشباب، بحسب ما قالت لفرانس برس، سارة سلمان، التي كانت تعمل آنذاك في شركة استثمارية في الخرطوم وانتقلت بعد الحرب إلى الولايات المتحدة.

وتوضح أن الشركات الناشئة "انتشرت في جميع أنحاء البلاد" وكانت تتنافس في إبداع "حلول مبتكرة لتلبية الاحتياجات الحقيقية للسودانيين".

الشركة التي تعمل فيها سلمان تلقت وحدها عروض مشاريع من 50 شركة ناشئة تعمل في مجالات متنوعة من الخدمات الصحية عبر الانترنت إلى الخدمات المالية.

يتذكر عشاري أنه في ذلك الحين عندما قامت "الثورة .. أحيت السودان، وأصبح البلد مختلفا وكان التفكير خارج الصندوق... في هذا الوقت كانت الآمال كبيرة أن السودان يوضع على المسار الصحيح كبلد نام منطلق تجاه الديمقراطية والحكم المدني والحرية".

ومثل الكثير من السودانيات، ساهمت الخبيرة في الاتصالات، رغدان أورسود (36 عاما)، في جهود التغيير.

شاركت الشابة، التي انتقلت بعد الحرب للإقامة بلندن، في تأسيس منصة رقمية للكشف عن الأخبار الكاذبة سميت "بيم ريبورتس"، إذ أنها كانت "مقتنعة بالدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية"، وفق ما قالت لفرانس برس.

وبعد شهرين فقط من تأسيس المنصة، انهارت المرحلة الانتقالية عندما قام الجنرالان المتحاربان آنذاك، بانقلاب ضد الحكومة المدنية وسيطرا معا على السلطة.

ويذكر عشاري أنها "كانت مرحلة مؤلمة وكان المتظاهرون يقتلون كل أسبوع" عندما يخرجون للمطالبة بعودة الحكم المدني.

احتراق "رتينة"

فجأة، استيقظ سكان الخرطوم في يوم سبت بحدود نهاية رمضان على دوي المدافع وأدركوا أن حربا تدور في الشوارع.

غادر عدة ملايين من السودانيين العاصمة، واضطرت أورسود إلى ترك تجهيزات الصوت الجديدة والفرار من الخرطوم. 

وتقول: "كانت المعدات لاتزال داخل الصناديق" عندما استولت قوات الدعم السريع على البناية التي كانت تقيم وتعمل فيها.

وعندما كان عشاري يحاول إعادة ترتيب أموره في القاهرة، تلقى لقطات فيديو أظهرت نشوب حريق ضخم. وقال: "هكذا عرفت أن (مقهى) رتينة احترق".

العديد من السودانيين العاملين في الخارج استثمروا في بلادهم بعد الثورة وانفقوا مدخرات حياتهم في بناء منازل في الخرطوم، ولكنهم عجزوا عن أي فعل وهم يرون قوات الدعم السريع تسيطر على بيوتهم.

وتقول الطاهية المتخصصة في صنع الحلويات، شيماء عدلان (29 عاما)، إن والدها الذي يعمل في الرياض كان "يدعو الله أن تدمر قذيفة منزله بدلا من أن يتحول إلى قاعدة لقوات الدعم السريع".

"السودان لنا"

عدلان، التي كانت بدأت العمل متعهدة لتقديم الطعام، وجدت نفسها بعد الحرب في القاهرة، بعيدا من موطنها وبلا عمل.

ما زال الشباب السودانيون الذين كانوا يأملون في مستقبل واعد لبلادهم وينظمون التظاهرات يحلمون بالديمقراطية.

أما من بقي منهم داخل السودان فقد باتوا يشرفون على شبكة المساعدات الإنسانية ويشكلون، وفق الأمم المتحدة "الخط الأول"لتلبية الاحتياجات الانسانية الناجمة عن الحرب.

ورغم المنفى والألم، يقول عشاري: "لاتزال هناك شعلة من الثورة موجودة في كل قلب".

وتقول أورسود "السودان لنا، فماذا نفعل إن لم نواصل السعي لإعادة بنائه؟".