النازحون يواجهون ظروفا معيشية صعبة
النازحون يواجهون ظروفا معيشية صعبة

أعلن المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، في بيان، الأربعاء، أن المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع في السودان أدت إلى نزوح "حوالى ثمانية ملايين" شخص، وذلك خلال زيارة له إلى إثيوبيا.

ومنذ 15 أبريل 2023، أدت الحرب في السودان بين الجيش بقيادة، عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى مقتل أكثر من 13 ألف شخص بحسب "مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها" (أكليد)، وهي منظمة غير حكومية يستند إلى حصيلتها مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية "أوتشا".

وفي 23 يناير الحالي، حذرت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة في تقرير اطلعت عليه وكالة فرانس برس من أن ما بين 10 آلاف و15 ألف شخص قتلوا منذ أبريل في مدينة واحدة بإقليم دارفور في غرب السودان، متهمة قوات الدعم السريع وميليشيات عربية حليفة لها بارتكاب فظائع يمكن أن ترقى إلى "جرائم ضد الإنسانية".

وقالت لجنة خبراء مكلفة من مجلس الأمن الدولي بمهمة مراقبة تطبيق العقوبات المفروضة على السودان في تقرير إنه "بحسب مصادر استخباراتية، فقد قتل ما بين 10 آلاف و15 ألف شخص في الجنينة وحدها".

والجنينة هي عاصمة ولاية غرب دارفور وقد سقطت في يونيو بأيدي قوات الدعم السريع.

والتقرير الذي أرسلته لجنة الخبراء إلى أعضاء مجلس الأمن، لا يشتمل على حصيلة شاملة لضحايا الحرب الدائرة في السودان بين الجنرالين المتنازعين على السلطة.

لكن التقرير يتحدث بالتفصيل عن صنوف العنف "العرقي" الذي دارت رحاه في الجنينة.

ويقول التقرير إن "الهجمات تم تخطيطها وتنسيقها وتنفيذها من قبل قوات الدعم السريع وميليشيات عربية متحالفة معها".

ويضيف أن هذه القوات "استهدفت عمدا أحياء مدنية (...) ومخيمات للنازحين ومدارس ومساجد ومستشفيات، ونهبت أيضا منازل ومواقع لمنظمات غير حكومية دولية ومنظمات تابعة للأمم المتحدة".

وتوضح الوثيقة أن "قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها استهدفت عمدا مجموعة المساليت العرقية الأفريقية التي تشكل الأغلبية في مدينة الجنينة".

ولفت التقرير إلى أن "قوات الدعم السريع وضعت قناصين على الطرق الرئيسية" لاستهداف "المدنيين بدون تمييز، بمن في ذلك النساء، والنساء الحوامل والشابات".

وأشار إلى أنه بصورة عامة فإنه "في غرب دارفور" ارتكبت قوات الدعم السريع وحلفاؤها "انتهاكات للقانون الإنساني الدولي بشكل منهجي".

ومن بين هذه الانتهاكات شن هجمات ضد مدنيين وارتكاب جرائم تعذيب واغتصاب واعتقالات جماعية وتهجير قسري وأعمال نهب.

وقالت اللجنة في تقريرها إن "بعض هذه الانتهاكات يمكن أن تشكل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية".

الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني
الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني

عندما اندلعت "الثورة" عام 2018 في السودان، لم يكن عمر عشاري، يتخيل أنه سيكون يوما ما لاجئا في القاهرة، وأنه سيضطر إلى الفرار من الحرب المستعرة في بلاده منذ عام.

في ذلك الوقت، كان المحامي ابن الـ 37 عاما خلف القضبان، مثل العديد من المعارضين الذين اعتقلوا في عهد نظام عمر البشير الذي حكم البلاد 30 عاما.

ومثل كل السجناء السياسيين، فرح عوشاري بتلك الانتفاضة الشعبية التي أسقطت البشير في أبريل 2019 وقرر تحقيق حلم ظل يراوده سنوات طويلة هو أن يفتح مقهى ثقافيا.

وبسرعة تحول المقهى الذي سماه "رتينة"، إلى ملتقى للأدباء والفنانين والناشطين يتداولون فيه بناء "سودان جديد".

لكن عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش بقيادة، عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها، محمد حمدان دقلو، "بدأ المكان يتآكل أمامي رويدا رويدا"، بحسب تعبير عوشاري.

وعلى مدى أشهر بعد نشوب الحرب، وقبل أن يخرج من السودان، كان الشاب يذهب إلى مقهاه مستغلا أي فترة هدوء في المعارك. 

ويقول لوكالة فرانس برس: "كنت  أضع كرسيا في وسط رتينة وسط ظلام دامس بسبب انقطاع الكهرباء واستغرب كيف تحول المقهى من مسرح حي للفنانين والموسيقيين والنشطاء السياسيين والمثقفين والأدباء، إلى مكان أسمع فيه من كل النواحي أصوات الرصاص وأصوات الراجمات ... شيء أشبه بالرواية".

ويتابع: "تحول المقهى إلى زجاج متناثر في كل مكان بجانب شظايا الرصاص".

"ثورة سرقت"

عام من الحرب أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وانهيار "آلاف الاحلام"، بحسب عشاري الذي ودع ما تبقى من مقهاه مدركا أن "الثورة سرقت".

كانت المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية التي أعقبت سقوط البشير قد أوجدت في السودان "آمالا وحماسة وجرأة" لدى الشباب، بحسب ما قالت لفرانس برس، سارة سلمان، التي كانت تعمل آنذاك في شركة استثمارية في الخرطوم وانتقلت بعد الحرب إلى الولايات المتحدة.

وتوضح أن الشركات الناشئة "انتشرت في جميع أنحاء البلاد" وكانت تتنافس في إبداع "حلول مبتكرة لتلبية الاحتياجات الحقيقية للسودانيين".

الشركة التي تعمل فيها سلمان تلقت وحدها عروض مشاريع من 50 شركة ناشئة تعمل في مجالات متنوعة من الخدمات الصحية عبر الانترنت إلى الخدمات المالية.

يتذكر عشاري أنه في ذلك الحين عندما قامت "الثورة .. أحيت السودان، وأصبح البلد مختلفا وكان التفكير خارج الصندوق... في هذا الوقت كانت الآمال كبيرة أن السودان يوضع على المسار الصحيح كبلد نام منطلق تجاه الديمقراطية والحكم المدني والحرية".

ومثل الكثير من السودانيات، ساهمت الخبيرة في الاتصالات، رغدان أورسود (36 عاما)، في جهود التغيير.

شاركت الشابة، التي انتقلت بعد الحرب للإقامة بلندن، في تأسيس منصة رقمية للكشف عن الأخبار الكاذبة سميت "بيم ريبورتس"، إذ أنها كانت "مقتنعة بالدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية"، وفق ما قالت لفرانس برس.

وبعد شهرين فقط من تأسيس المنصة، انهارت المرحلة الانتقالية عندما قام الجنرالان المتحاربان آنذاك، بانقلاب ضد الحكومة المدنية وسيطرا معا على السلطة.

ويذكر عشاري أنها "كانت مرحلة مؤلمة وكان المتظاهرون يقتلون كل أسبوع" عندما يخرجون للمطالبة بعودة الحكم المدني.

احتراق "رتينة"

فجأة، استيقظ سكان الخرطوم في يوم سبت بحدود نهاية رمضان على دوي المدافع وأدركوا أن حربا تدور في الشوارع.

غادر عدة ملايين من السودانيين العاصمة، واضطرت أورسود إلى ترك تجهيزات الصوت الجديدة والفرار من الخرطوم. 

وتقول: "كانت المعدات لاتزال داخل الصناديق" عندما استولت قوات الدعم السريع على البناية التي كانت تقيم وتعمل فيها.

وعندما كان عشاري يحاول إعادة ترتيب أموره في القاهرة، تلقى لقطات فيديو أظهرت نشوب حريق ضخم. وقال: "هكذا عرفت أن (مقهى) رتينة احترق".

العديد من السودانيين العاملين في الخارج استثمروا في بلادهم بعد الثورة وانفقوا مدخرات حياتهم في بناء منازل في الخرطوم، ولكنهم عجزوا عن أي فعل وهم يرون قوات الدعم السريع تسيطر على بيوتهم.

وتقول الطاهية المتخصصة في صنع الحلويات، شيماء عدلان (29 عاما)، إن والدها الذي يعمل في الرياض كان "يدعو الله أن تدمر قذيفة منزله بدلا من أن يتحول إلى قاعدة لقوات الدعم السريع".

"السودان لنا"

عدلان، التي كانت بدأت العمل متعهدة لتقديم الطعام، وجدت نفسها بعد الحرب في القاهرة، بعيدا من موطنها وبلا عمل.

ما زال الشباب السودانيون الذين كانوا يأملون في مستقبل واعد لبلادهم وينظمون التظاهرات يحلمون بالديمقراطية.

أما من بقي منهم داخل السودان فقد باتوا يشرفون على شبكة المساعدات الإنسانية ويشكلون، وفق الأمم المتحدة "الخط الأول"لتلبية الاحتياجات الانسانية الناجمة عن الحرب.

ورغم المنفى والألم، يقول عشاري: "لاتزال هناك شعلة من الثورة موجودة في كل قلب".

وتقول أورسود "السودان لنا، فماذا نفعل إن لم نواصل السعي لإعادة بنائه؟".