التواصل والحصول على المعلومات وإرسالها من حقوق الإنسان
التواصل والحصول على المعلومات وإرسالها من حقوق الإنسان

في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني بقيادة، عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو (حميدتي) منذ أبريل الماضي، شهدت عدة مناطق سودانية انقطاعا لخدمات الاتصالات والإنترنت منذ يومين.

ويتقاذف الجانبان الاتهامات بشأن المسؤولية عن ذلك.

وأفادت مراسلة "الحرة" في بورتسودان، الاثنين، بإصدار "جهاز تنظيم الاتصالات والبريد" بيانا اتهم فيه قوات الدعم السريع بقطع خدمات الاتصالات والإنترنت عن أجزاء واسعة من البلاد.

وذكرت وكالة السودان للأنباء أن "قوات الدعم السريع قامت بإيقاف العمل في مركزي بيانات شركتي (سوداني) و(MTN)، وإجبار الفنيين بشركة (زين) للاتصالات على إيقاف الخدمة عن ولايتي نهر النيل والبحر الأحمر، مهددة بإيقافها بشكل كلي".

وذكر البيان أن "المقسمات الرئيسية لتلك الشركات موجودة بوسط الخرطوم"، وأن "قوات الدعم السريع قامت باحتلالها منذ اليوم الأول للحرب منتصف أبريل الماضي".

نفي قوات الدعم السريع

ونفى مستشار دقلو السياسي، محمد المختار النور، مسؤولية قوات الدعم السريع عن قطع الخدمات، واتهم الجيش بقصف مواقع تقنية لشبكة الاتصالات والإنترنت.

وقال النور في حديثه لموقع "الحرة" إن "قطع الاتصالات ليس أمرا جديدا، وهي مقطوعة منذ نحو 10 أشهر عن مناطق في دارفور وكردفان بتوجيهات من الجيش لشركات الاتصالات".

وأضاف أن "هذا القطع الجديد في بعض مناطق السودان تم بواسطة الجيش عبر قصفه لمواقع تعود لشبكة الاتصالات بمنطقة نيالا والخرطوم، مما أدى لتعطل الشبكات الرئيسية".

وأشار إلى أن "قوات الدعم السريع موجودة منذ أكثر من 9 أشهر في المناطق التي توجد بها مقرات الشركات، ولو أرادت قطع الاتصالات والإنترنت لفعلت ذلك منذ اليوم الأول للحرب"، لافتا إلى أن "شركات الاتصالات لم تذكر أن قوات الدعم السريع قطعت الاتصالات، وأرجعت ذلك إلى أعطال فنية"، على حد تعبيره.

بيانات الشركات

وأصدرت شركة "أم تي أن" تنويها لعملائها، السبت، جاء فيه "نأسف لانقطاع جميع الخدمات لظروف خارجة عن إرادتنا.. ونحن إذ نعتذر مما يسببه هذا الانقطاع من إزعاج، نؤكد لكم سعينا لاستعادة الخدمة في أسرع وقت، وسيتم إعلامكم بعودة الخدمة".

من جانبها أصدرت شركة "سوداني" تنويها أيضا لمشتركيها، السبت، جاء فيه "نعتذر عن انقطاع الشبكة حاليا، يعمل فريقنا بأقصى جهده لإرجاع الخدمة في أقرب وقت لضمان اتصالكم وتواصلكم. شكرا لتفهمكم وصبركم".

ولم يصدر عن شركة زين أي تعليق بخصوص انقطاع الخدمات، فيما لم يرد ببياني أم تي أن وسوداني أي ذكر لأعطال فنية مثلما قال النور.

وتواصل موقع "الحرة" مع المتحدث باسم الجيش السوداني، العميد نبيل عبد الله، للتعليق على هذه الاتهامات لكنه لم يرد على الأسئلة حتى تاريخ نشر هذه المادة.

نظرة مختلفة

وفي موقف مغاير لمستشار دقلو السياسي، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني، اللواء ركن أمين إسماعيل مجذوب، أن قوات الدعم السريع هي من قامت بالقطع الجديد للاتصالات والإنترنت في بعض المناطق، للضغط من أجل إعادة الخدمات للمناطق التي تسيطر عليها (في كردفان ودارفور).

وقال مجذوب في حديثه لموقع "الحرة" إنه "من الواضح أن الخلافات الأخيرة بين جهاز تنظيم الاتصالات والبريد، وبين شركات الاتصالات وقوات الدعم السريع، التي تسيطر على المشغل الخاص بتنظيم الاتصالات، يرجع إلى مطالبة عناصر الدعم السريع بإمداد الاتصالات إلى مناطق دارفور".

وأضاف "بتقديري أن الاتصالات تعطلت (في دارفور) بسبب عدم توفير الأمن وانقطاع خطوط (كابلات) الفايبر أوبتكس في تلك المناطق، وبالتالي قوات الدعم السريع ترى أنها مستهدفة بقطع الاتصالات، وطالبت الشركات بإمداد الاتصالات إلى دارفور وإدامتها، وهددت بتعطيل عمل الشركات في حال لم يحدث ذلك".

وأشار الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني إلى وجود فرضية مفادها أن "القوات المسلحة تقطع أحيانا شبكات الاتصالات والإنترنت لأسباب عسكرية وأمنية أثناء تنفيذ بعض العمليات، ولكن القطع الجديد الآن تم بمناطق آمنة ولا يوجد بها عمليات، مما ينفي هذه الفرضية، ويؤكد الفرضية الأولى بأن الدعم السريع مسؤول عن تهديد الشركات"، وهو الأمر الذي أكد النور عدم  صحته.

ولفت مجذوب إلى أن قطع الإنترنت والاتصالات عن السكان يعتبر جريمة، لأن التواصل والحصول على المعلومات وإرسالها من حقوق الإنسان المشروعة في العصر الرقمي.

الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني
الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني

مع دخول الحرب في السودان عامها الثاني، شهدت المناطق المحيطة بمصفاة الخرطوم للنفط، مواجهات عسكرية بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني والحركات المسلحة المتحالفة معه، في محاولة لإبعاد الدعم السريع من المنشأة الاقتصادية الحيوية.

في الأيام الأولى للحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، سيطرت قوات الدعم السريع على مصفاة النفط التي تقع في منطقة الجيلي، على بعد 70 كيلومترا، شمالي العاصمة السودانية، الخرطوم.

لكن قوة مشتركة من الجيش وبعض حركات دارفور المسلحة، نفذت هجوما على المناطق المحيطة بالمصفاة، ما أدى إلى "تفكيك جميع خطوط الدفاع الأمامية لقوات الدعم السريع"، وفق بيان صادر عن القوة المشتركة الجمعة.

وأضاف البيان أن "القوة المشتركة دمرت عربة مدرعة وأكثر من 37 سيارة عسكرية، واستلمت 18 سيارة عسكرية ومدرعة وثلاث شاحنات محمّلة بالمؤن والذخائر من قوات الدعم السريع".

في المقابل، ذكرت قوات الدعم السريع في بيان أنها "تصدت لهجوم شنه الجيش وكتيبة البراء بن مالك وحركات دارفور المسلحة، في المناطق المحيطة بالمصفاة".

وتأسست مصفاة الخرطوم للنفط في العام 1997، وبدأت التشغيل الفعلي في العام 2000، إذ يربطها خط أنابيب بعدد من حقول النفط التي تقع في جنوب وغرب البلاد.

تصاعد المواجهات

ويشير الخبير الاستراتيجي، اللواء متقاعد أمين إسماعيل، إلى أن "الجيش يضرب حصارا على مصفاة الخرطوم من جوانب عدة، مدعوما بقوات من حركات دارفور المسلحة".

وقال إسماعيل، لموقع الحرة، إن "الجيش يهدف في المرحلة الأولى إلى قطع الامداد عن قوات الدعم السريع، ولضرب خطوطها الدفاعية المتقدمة".

ولفت إلى أن "الاشتباكات تدور في المناطق المحيطة بالمصفاة، وليس داخل المصفاة التي تبلغ مساحتها 15 كيلو متر مربع، وتضم مهبطا جويا، وعددا من المساكن".

وسيطرت قوات الدعم على عدد من حقول النفط في السودان، أبرزها حقل بليلة في ولاية غرب كردفان، في محاولة لتأمين وصول النفط الخام إلى المصفاة.

بدوره، أشار مستشار قائد قوات الدعم السريع، عمران عبد الله، إلى أن "الاشتباكات تدور في مناطق بعيدة عن المصفاة، وليس داخل المصفاة، أو محيطها".

وقال عبد الله لموقع الحرة، إن "إعلام الجيش وحركات دارفور يحاول أن يوهم المراقبين بأن القتال يدور بالقرب من المصفاة، وهذا ليس صحيحا، لأن قوات الدعم السريع تفرض سيطرتها الكاملة على المصفاة والمناطق المحيطة بها".

ولفت إلى أن "الهدف من ترويج تلك المعلومات الكاذبة، رفع الروح المعنوية لمقاتلي الجيش وحلفائه من حركات دارفور المسلحة".

من جانبه يشير، الخبير الاقتصادي، عثمان خيري، إلى أن "مصفاة الخرطوم تنتج 50 في المئة من حاجة السودان من الديزل و40 في المئة من احتياجاته من البنزين".

وقال خيري لموقع الحرة، إن "مصافاة الخرطوم كان تضم كميات من المخزون النفطي القابلة للاستخدام، لكن هذا المخزون نضب بعامل الوقت، وبعامل احتراق كثير من الخزانات، ما أفقد المصفاة قيمتها النفطية، وحولها إلى مقر عسكري".

واستعبد الخبير الاقتصادي أن "تقوم قوات الدعم السريع باستجلاب خام من النفط من الخارج وتكريره للاستفادة منه، بعد نفاذ المخزون الذي كان موجودا بالمصفاة".

وأضاف قائلا: "المصفاة تعد أكثر المنشآت من حيث الخطورة الكيميائية، وعمليات التكرير بها معقدة جدا، كما أن صناعة البترول يدخل فيها أكثر من 32 مادة كيميائية، بجانب أن المصفاة ليست مصممة لاستقبال نفط من الخارج، وأنها مصممة لاستقبال النفط الذي يردها من حقل أبو جابرة النفطي على بعد 600 ميل".

وتشارك حركة تحرير السودان بقيادة أركو مناوي، وهو حاكم إقليم دارفور، وحركة العدل والمساواة، بقيادة جبريل إبراهيم، الذي يتولى منصب وزير المالية السوداني، إلى جانب الجيش في الاشتباكات التي تدور في المناطق المحيطة بمصفاة الخرطوم، وفق بيان القوة المشتركة.

أهمية اقتصادية

وخلال العام الأول من الحرب، تداول ناشطون مقاطع فيديو تشير إلى تعرض المصفاة إلى حريق، بينما تبادل الطرفان المتحاربان المسؤولية عن الدمار الذي طال أجزاء من المنشأة الحيوية.

ويشير عبد الله إلى أن "الجيش قام بقصف المصفاة بالطيران الحربي أكثر من مرة، مما أشعل النيران فيها وعرّضها إلى التلف".

ولفت إلى أن "الجيش لا يهتم بأهمية المصفاة، وقام بقصفها بالطيران على نحو ما فعله في عدد من المنشآت الحيوية الأخرى، وذلك ضمن مخطط عناصر نظام الرئيس السابق، عمر البشير، للعودة للسلطة بأي ثمن".

بدوره، ينفي إسماعيل تورط الجيش في عمليات قصف المصفاة، مشيرا إلى أن "قوات الدعم السريع، قامت بحرق أجزاء منها، لاتهام الجيش زورا".

وأضاف "الجيش يحاصر الآن المصفاة لإجبار قوات الدعم السريع للانسحاب منها، ولم يقم بتصويب نيرانه ناحية المصفاة، لإيمانها بأهميتها الاقتصادية".

ولفت إلى أن "قوات الدعم السريع تحتجز عددا من المدنيين والفنيين والمهندسين في المصفاة، بعد أن حولتها إلى مخازن للعتاد العسكري ومعتقلات للمحتجزين والأسرى، وهو ما يضعه الجيش في اعتباراته وحسبانه".

عام من الصراع.. كيف توسعت دائرة المعارك في السودان؟
اتسعت دائرة الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ودخلت في المعارك ولايات كانت بمنأى عن القتال الذي اقترب من دخوله عامه الثاني، ما يهدد بزيادة معاناة النازحين الذين اتخذوا من تلك الولايات ملاذا من جحيم الحرب، وفق مختصين وناشطين

بدوره، يشير خيري إلى ضرورة أن يعي الطرفان المتقاتلان أهمية المصفاة كمنشأة اقتصادية، مشيرا إلى أن "الأجهزة والمعدات بالمصفاة وحدها، تبلغ قميتها 640 مليون دولار، بخلاف الأرض".

ولفت إلى أن "إنشاء مصفاة جديدة يحتاج إلى أكثر من 750 مليون دولار، ولذلك ينبغي المحافظة عليها كمنشأة اقتصادية مهمة للسودانيين".

وأضاف: "حتى إذا قررت السلطات إنشاء منشأة جديدة، فإن الأجهزة والمعدات الحالية بالمصفاة، يمكن أن تحقق نصف مليار دولار، إذ جرى بيعها داخليا أو خارجيا".

وتابع: "التلف الذي لحق بالمصفاة، وصعوبة عودتها إلى العمل في فترة شهرين أو ثلاثة، ربما تغري الطرفين للتعامل معها كموقع عسكري، وبالتالي يمكن أن تحدث مواجهات مسلحة تحيل المنشأة الحيوية إلى خراب".

ويحتاج السودان إلى نحو 45 ألف برميل يوميا من الديزل (حوالي 6000 طن يوميا) لتلبية الطلب المحلي، ويستورد ما بين 60 ألف إلى 70 ألف طن من الديزل شهريا، معظمها من السعودية والإمارات، بحسب رويترز.

ووفق أرقام الأمم المتحدة، أدى الصراع بين الجيش والدعم السريع إلى مقتل أكثر من 13 ألف شخص، وأجبر أكثر من 7 ملايين على الفرار من منازلهم، بينهم 1.5 مليون لجأوا إلى تشاد ومصر وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا.

وقالت وكالات الأمم المتحدة إن نصف سكان السودان، أي حوالي 25 مليون شخص، يحتاجون إلى الدعم والحماية، من جراء تداعيات الحرب.

وحذر منسق المساعدات الإنسانية بالأمم المتحدة، مارتن غريفيث، في مذكرة لمجلس الأمن، من أن "ما يقرب من 5 ملايين شخص قد يعانون من جوع كارثي في بعض مناطق السودان خلال الأشهر المقبلة"، بحسب رويترز.