مقطع فيديو منشور على صفحة قوات الدعم السريع السودانية شبه العسكرية على تويتر
السودان غارق في صراع بين القوات المسلحة السودانية التابعة للحكومة وقوات الدعم السريع

رغم مقتل الآلاف في السودان، لا تزال إحدى الجماعات المسؤولة عما وصفه وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بـ "الجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي" نشطة على موقع "إكس".

والسودان غارق في صراع بين القوات المسلحة السودانية التابعة للحكومة وقوات الدعم السريع.

ووجد تقرير حديث للأمم المتحدة أن قوات الدعم السريع، وهي مجموعة شبه عسكرية تدعمها مجموعة المرتزقة الروسية فاغنر، مسؤولة عن ذبح ما بين 10 ألف و15 ألف شخص في منطقة دارفور في البلاد، وفق ما نقل موقع "وايرد".

وفي يناير، قال المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان لمجلس الأمن الدولي إن لديه "أسبابا للاعتقاد" بأن طرفي النزاع في السودان مسؤولان عن جرائم حرب.

واستهدفت قوات الدعم السريع بشكل خاص جماعة المساليت غير العربية في منطقة دارفور في البلاد. حتى مع ظهور أدلة متزايدة على أن المجموعة مسؤولة عن العنف الجنسي الجماعي والإبادة الجماعية المحتملة، استمرت المجموعة في التغريد لأكثر من 150  ألف متابع.

وعلى حسابها على "إكس"، تشارك الجماعة مقاطع فيديو وصورا لأعضاء يوزعون "مساعدات إنسانية" وتشارك "بيانات إعلامية" حول انتصارات الجماعة في ساحة المعركة.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، عندما ذكرت مجموعة "Access Now" غير الربحية أن قوات الدعم السريع قد أغلقت الإنترنت في السودان، ادعى محتوى المجموعة على "إكس" أنهم كانوا يقدمون مساعدات إنسانية.

وعلى الرغم من أن الجماعة هي، بكل المقاييس، مجموعة عنيفة، إلا أن المحتوى الموجود على حساب "إكس" الخاص بها ليس كذلك، وفق التقرير.

وفي وقت أن "ميتا" و "يوتيوب" أزالتا حسابات قوات الدعم، فإن استمرار وجود المجموعة على "إكس" يسلط الضوء على منطقة رمادية في كيفية تعريف المنصات للعنف ومراقبته، بحسب التقرير.

ويقول محمد سليمان، الباحث السوداني في مختبر سيفيك للذكاء الاصطناعي بجامعة نورث إيسترن: "إنهم يستخدمون تويتر، للتواصل مع العالم الغربي"، وأضاف "ينشرون باللغة الإنكليزية. إنهم يحاولون أن يبدوا كجيش محترف".

وعلى النقيض من ذلك، "كانوا يحاولون التواصل مع الشعب السوداني على فيسبوك، وكانوا ينشرون في الغالب باللغة العربية"، بحسب الباحث

وعلى الرغم من أن حساب "إكس" يبدو أنه يلعب في المقام الأول دورا يشبه ما تلعبه دوائر العلاقات العامة للمجموعة، إلا أن قوات الدعم السريع لديها تاريخ في استخدام المنصة بطرق "أكثر مكرا"، بحسب التقرير.

ووجد تقرير صدر، في أبريل عام 2023، عن مختبر تابع للمجلس الأطلسي (DFRLab) أن أكثر من 900 حساب كانت تستخدم للترويج لقوات الدعم السريع وقائدها محمد حمدان دقلو، المعروف أيضا بلقب "حميدتي".

تقول نايت، الباحثة في "DFRLab" ومؤلفة التقرير: "من الصعب تحديد الجمهور العام للجماعة"، مضيفة "لكن حقيقة أن ترجمتهم الكثير من الأعمال إلى اللغة الإنكليزية تشير إلى أنهم على الأرجح يدركون حقيقة أن الأشخاص الذين يشاهدون محتواهم على تويتر لا يتحدثون العربية، مما يعني أنهم يستهدفون جمهورا دوليا على الأرجح".

وفي العام الماضي، أزال كل من يوتيوب وميتا الصفحات التابعة للجماعة وحميدتي على منصتيهما. وفعل يوتيوب ذلك بعد أن اتصل بهم سليمان.

ويبدو أن صفحة فيسبوك جديدة للجماعة قد بدأت في ديسمبر، ولكن بعد أن تواصلت "وايرد" مع ميتا للسؤال عن الصفحة، أزالتها ميتا. وأكد المتحدث باسم الشركة، كوري شامبليس، لموقع "وايرد" أنه "تمت إزالة قوات الدعم السريع وقادتها من منصاتنا لانتهاكهم سياسة المنظمات".

وفقا لسياسات "إكس"، تحظر المنصة "المنظمات الإرهابية أو الجماعات المتطرفة العنيفة أو مرتكبي الهجمات العنيفة أو الأفراد الذين يروجون لأنشطتهم غير المشروعة".

وقال موظف سابق في تويتر، طلب عدم الكشف عن هويته، للموقع إنه حتى قبل استحواذ إليون ماسك على المنصة، كانت الجماعة ستقع في منطقة رمادية للمنصة، لأن الولايات المتحدة لا تعتبر قوات الدعم السريع منظمة إرهابية.

وقال الموظف السابق: "سمح تويتر لبعض المنظمات العنيفة على المنصة"، على سبيل المثال، كان لدى طالبان حساب على تويتر حتى قبل وصولها إلى السلطة في عام 2021".

من جانبها، تنفي قوات الدعم السريع هذه الاتهامات، وتصر على نفي أي تجاوزات ارتكبها أفرادها، وقالت إن أيا من جنودها الذين يتبين تورطهم سيواجه العدالة.

وفي وقت سابق، قال المستشار الإعلامي لقائد قوات الدعم السريع، أحمد عابدين، "نحن نثق في قواتنا، ونثق في القيادة، وبالتأكيد لا يوجد من جنودنا أو من قادتنا أو من أفرادهم، من يفعل مثل هذه الأفعال".

وأضاف في تصريح سابق لموقع "الحرة": "نحن على استعداد للتحقيق من أي لجنة وطنية محايدة، وعلى استعداد للتحقيق من أي لجنة دولية، بشرط أن يكون الأمر حياديا، وأنا متأكد أن هذه اللجان ستصل إلى الصانع الحقيقي لهذه الأفلام".

ومنذ أبريل عام 2023، أدت الحرب في السودان بين القوات الموالية لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان ونائبه السابق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، إلى مقتل أكثر من 13 ألف شخص وتشريد 7,5 ملايين.

واتهمت واشنطن الجانبين بارتكاب انتهاكات، كما ألقى كلا الطرفين بمسؤولية سقوط قتلى مدنيين على الجانب الآخر، ويذكر زن الجيش السوداني أيضا نفى ارتكاب انتهاكات بحق مدنيين خلال معاركه مع قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معه. 

الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني
الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني

عندما اندلعت "الثورة" عام 2018 في السودان، لم يكن عمر عشاري، يتخيل أنه سيكون يوما ما لاجئا في القاهرة، وأنه سيضطر إلى الفرار من الحرب المستعرة في بلاده منذ عام.

في ذلك الوقت، كان المحامي ابن الـ 37 عاما خلف القضبان، مثل العديد من المعارضين الذين اعتقلوا في عهد نظام عمر البشير الذي حكم البلاد 30 عاما.

ومثل كل السجناء السياسيين، فرح عوشاري بتلك الانتفاضة الشعبية التي أسقطت البشير في أبريل 2019 وقرر تحقيق حلم ظل يراوده سنوات طويلة هو أن يفتح مقهى ثقافيا.

وبسرعة تحول المقهى الذي سماه "رتينة"، إلى ملتقى للأدباء والفنانين والناشطين يتداولون فيه بناء "سودان جديد".

لكن عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش بقيادة، عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها، محمد حمدان دقلو، "بدأ المكان يتآكل أمامي رويدا رويدا"، بحسب تعبير عوشاري.

وعلى مدى أشهر بعد نشوب الحرب، وقبل أن يخرج من السودان، كان الشاب يذهب إلى مقهاه مستغلا أي فترة هدوء في المعارك. 

ويقول لوكالة فرانس برس: "كنت  أضع كرسيا في وسط رتينة وسط ظلام دامس بسبب انقطاع الكهرباء واستغرب كيف تحول المقهى من مسرح حي للفنانين والموسيقيين والنشطاء السياسيين والمثقفين والأدباء، إلى مكان أسمع فيه من كل النواحي أصوات الرصاص وأصوات الراجمات ... شيء أشبه بالرواية".

ويتابع: "تحول المقهى إلى زجاج متناثر في كل مكان بجانب شظايا الرصاص".

"ثورة سرقت"

عام من الحرب أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وانهيار "آلاف الاحلام"، بحسب عشاري الذي ودع ما تبقى من مقهاه مدركا أن "الثورة سرقت".

كانت المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية التي أعقبت سقوط البشير قد أوجدت في السودان "آمالا وحماسة وجرأة" لدى الشباب، بحسب ما قالت لفرانس برس، سارة سلمان، التي كانت تعمل آنذاك في شركة استثمارية في الخرطوم وانتقلت بعد الحرب إلى الولايات المتحدة.

وتوضح أن الشركات الناشئة "انتشرت في جميع أنحاء البلاد" وكانت تتنافس في إبداع "حلول مبتكرة لتلبية الاحتياجات الحقيقية للسودانيين".

الشركة التي تعمل فيها سلمان تلقت وحدها عروض مشاريع من 50 شركة ناشئة تعمل في مجالات متنوعة من الخدمات الصحية عبر الانترنت إلى الخدمات المالية.

يتذكر عشاري أنه في ذلك الحين عندما قامت "الثورة .. أحيت السودان، وأصبح البلد مختلفا وكان التفكير خارج الصندوق... في هذا الوقت كانت الآمال كبيرة أن السودان يوضع على المسار الصحيح كبلد نام منطلق تجاه الديمقراطية والحكم المدني والحرية".

ومثل الكثير من السودانيات، ساهمت الخبيرة في الاتصالات، رغدان أورسود (36 عاما)، في جهود التغيير.

شاركت الشابة، التي انتقلت بعد الحرب للإقامة بلندن، في تأسيس منصة رقمية للكشف عن الأخبار الكاذبة سميت "بيم ريبورتس"، إذ أنها كانت "مقتنعة بالدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية"، وفق ما قالت لفرانس برس.

وبعد شهرين فقط من تأسيس المنصة، انهارت المرحلة الانتقالية عندما قام الجنرالان المتحاربان آنذاك، بانقلاب ضد الحكومة المدنية وسيطرا معا على السلطة.

ويذكر عشاري أنها "كانت مرحلة مؤلمة وكان المتظاهرون يقتلون كل أسبوع" عندما يخرجون للمطالبة بعودة الحكم المدني.

احتراق "رتينة"

فجأة، استيقظ سكان الخرطوم في يوم سبت بحدود نهاية رمضان على دوي المدافع وأدركوا أن حربا تدور في الشوارع.

غادر عدة ملايين من السودانيين العاصمة، واضطرت أورسود إلى ترك تجهيزات الصوت الجديدة والفرار من الخرطوم. 

وتقول: "كانت المعدات لاتزال داخل الصناديق" عندما استولت قوات الدعم السريع على البناية التي كانت تقيم وتعمل فيها.

وعندما كان عشاري يحاول إعادة ترتيب أموره في القاهرة، تلقى لقطات فيديو أظهرت نشوب حريق ضخم. وقال: "هكذا عرفت أن (مقهى) رتينة احترق".

العديد من السودانيين العاملين في الخارج استثمروا في بلادهم بعد الثورة وانفقوا مدخرات حياتهم في بناء منازل في الخرطوم، ولكنهم عجزوا عن أي فعل وهم يرون قوات الدعم السريع تسيطر على بيوتهم.

وتقول الطاهية المتخصصة في صنع الحلويات، شيماء عدلان (29 عاما)، إن والدها الذي يعمل في الرياض كان "يدعو الله أن تدمر قذيفة منزله بدلا من أن يتحول إلى قاعدة لقوات الدعم السريع".

"السودان لنا"

عدلان، التي كانت بدأت العمل متعهدة لتقديم الطعام، وجدت نفسها بعد الحرب في القاهرة، بعيدا من موطنها وبلا عمل.

ما زال الشباب السودانيون الذين كانوا يأملون في مستقبل واعد لبلادهم وينظمون التظاهرات يحلمون بالديمقراطية.

أما من بقي منهم داخل السودان فقد باتوا يشرفون على شبكة المساعدات الإنسانية ويشكلون، وفق الأمم المتحدة "الخط الأول"لتلبية الاحتياجات الانسانية الناجمة عن الحرب.

ورغم المنفى والألم، يقول عشاري: "لاتزال هناك شعلة من الثورة موجودة في كل قلب".

وتقول أورسود "السودان لنا، فماذا نفعل إن لم نواصل السعي لإعادة بنائه؟".