جنود من الجيش السوداني يقومون بدورية في القضارف شرق السودان - أرشيفية
صورة أرشيفية لجنود بالجيش السوداني

أعلن الجيش السوداني، الجمعة، إجراء تحقيق بشأن مقطع فيديو يتم تداوله، لأشخاص يحملون "رأسين مقطوعين" قيل إنهما لعنصرين من قوات الدعم السريع، مؤكدا أنه "ستتم محاسبة المتورطين حال التأكد من أنهم تابعون لقوات الجيش".

وجاء في بيان الجيش، المنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إنه "على خلفية المحتوى الصادم لفيديوهات تم تداولها يوم أمس (الخميس) يعرض بها أفراد رأسين مقطوعين.. توضح القوات المسلحة أنها تجري حاليا تحقيقا في الأمر وستتم محاسبة المتورطين إذا أثبتت نتائج التحقيق أنهم يتبعون لقواتنا".

وأكد البيان أن الجيش السوداني "ملتزم بقوانين وأعراف الحرب وقواعد السلوك أثناء العمليات الحربية".

بسم الله الرحمن الرحيم القيادة العامة للقوات المسلحة الجمعة ١٦ فبراير ٢٠٢٤م تعميم صحفي على خلفية المحتوى الصادم...

Posted by ‎القوات المسلحة السودانية‎ on Friday, February 16, 2024

وكانت قوات الدعم السريع، قد أصدرت بيانا، الخميس، نددت فيه بمقطع الفيديو الذي يظهر "ذبح 3 أشخاص على أساس عرقي وجهوي، والتمثيل بجثثهم"، وطالبت فيه المجتمع الدولي بـ"إدانة هذه الانتهاكات".

كما لفت البيان إلى أن قوات الدعم السريع "تحتجز عشرات الآلاف" من قوات الجيش السوداني، لكنها لن "تنجر وراء هذا السلوك غير الإنساني والانتقاص من حقوق الأسرى".

وانتشر، الخميس، على وسائل التواصل الاجتماعي، لقطات لمجموعة من الأشخاص يرتدي بعضهم زيا عسكريا، ويحملون رؤوسا مقطوعة، ويتناقلونها بين أيديهم ويحتفلون.

ولم يتسن للحرة التأكد من موقع تصوير الفيديو ودقته، لكن تحدث ناشروه عن التقاطه في مدينة مدني بولاية الجزيرة، التي سيطرت قوات الدعم السريع عليها في ديسمبر الماضي.

وكان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، قد أعلن أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، نهاية الشهر الماضي، أن "هناك ما يدعوه للاعتقاد" بارتكاب طرفي الحرب في السودان، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والجماعات المتحالفة معها، "جرائم حرب في دارفور" في الوقت الراهن.

عناصر من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع قبل الحرب - صورة أرشيفية.
المدعي العام للجنائية الدولية: نعتقد أن طرفي حرب السودان يرتكبان جرائم حرب في دارفور
قال المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الاثنين، إن "هناك ما يدعوه للاعتقاد" بارتكاب طرفي الحرب في السودان، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والجماعات المتحالفة معها، جرائم حرب في دارفور في الوقت الراهن.

وأسفرت المعارك التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو، عن مقتل الآلاف وتسببت في كارثة إنسانية.

ويحتاج نحو 25 مليون شخص، أي أكثر من نصف سكان السودان، إلى المساعدة، ويواجه نحو 18 مليونا انعداما حادا في الأمن الغذائي، وفق أرقام الأمم المتحدة.

كما أجبرت المعارك 1,6 مليون سوداني على الفرار إلى الخارج، العديد منهم إلى تشاد ومصر المجاورتين.

الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني
الحرب الأهلية في السودان دخلت عامها الثاني

عندما اندلعت "الثورة" عام 2018 في السودان، لم يكن عمر عشاري، يتخيل أنه سيكون يوما ما لاجئا في القاهرة، وأنه سيضطر إلى الفرار من الحرب المستعرة في بلاده منذ عام.

في ذلك الوقت، كان المحامي ابن الـ 37 عاما خلف القضبان، مثل العديد من المعارضين الذين اعتقلوا في عهد نظام عمر البشير الذي حكم البلاد 30 عاما.

ومثل كل السجناء السياسيين، فرح عوشاري بتلك الانتفاضة الشعبية التي أسقطت البشير في أبريل 2019 وقرر تحقيق حلم ظل يراوده سنوات طويلة هو أن يفتح مقهى ثقافيا.

وبسرعة تحول المقهى الذي سماه "رتينة"، إلى ملتقى للأدباء والفنانين والناشطين يتداولون فيه بناء "سودان جديد".

لكن عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش بقيادة، عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها، محمد حمدان دقلو، "بدأ المكان يتآكل أمامي رويدا رويدا"، بحسب تعبير عوشاري.

وعلى مدى أشهر بعد نشوب الحرب، وقبل أن يخرج من السودان، كان الشاب يذهب إلى مقهاه مستغلا أي فترة هدوء في المعارك. 

ويقول لوكالة فرانس برس: "كنت  أضع كرسيا في وسط رتينة وسط ظلام دامس بسبب انقطاع الكهرباء واستغرب كيف تحول المقهى من مسرح حي للفنانين والموسيقيين والنشطاء السياسيين والمثقفين والأدباء، إلى مكان أسمع فيه من كل النواحي أصوات الرصاص وأصوات الراجمات ... شيء أشبه بالرواية".

ويتابع: "تحول المقهى إلى زجاج متناثر في كل مكان بجانب شظايا الرصاص".

"ثورة سرقت"

عام من الحرب أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وانهيار "آلاف الاحلام"، بحسب عشاري الذي ودع ما تبقى من مقهاه مدركا أن "الثورة سرقت".

كانت المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية التي أعقبت سقوط البشير قد أوجدت في السودان "آمالا وحماسة وجرأة" لدى الشباب، بحسب ما قالت لفرانس برس، سارة سلمان، التي كانت تعمل آنذاك في شركة استثمارية في الخرطوم وانتقلت بعد الحرب إلى الولايات المتحدة.

وتوضح أن الشركات الناشئة "انتشرت في جميع أنحاء البلاد" وكانت تتنافس في إبداع "حلول مبتكرة لتلبية الاحتياجات الحقيقية للسودانيين".

الشركة التي تعمل فيها سلمان تلقت وحدها عروض مشاريع من 50 شركة ناشئة تعمل في مجالات متنوعة من الخدمات الصحية عبر الانترنت إلى الخدمات المالية.

يتذكر عشاري أنه في ذلك الحين عندما قامت "الثورة .. أحيت السودان، وأصبح البلد مختلفا وكان التفكير خارج الصندوق... في هذا الوقت كانت الآمال كبيرة أن السودان يوضع على المسار الصحيح كبلد نام منطلق تجاه الديمقراطية والحكم المدني والحرية".

ومثل الكثير من السودانيات، ساهمت الخبيرة في الاتصالات، رغدان أورسود (36 عاما)، في جهود التغيير.

شاركت الشابة، التي انتقلت بعد الحرب للإقامة بلندن، في تأسيس منصة رقمية للكشف عن الأخبار الكاذبة سميت "بيم ريبورتس"، إذ أنها كانت "مقتنعة بالدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية"، وفق ما قالت لفرانس برس.

وبعد شهرين فقط من تأسيس المنصة، انهارت المرحلة الانتقالية عندما قام الجنرالان المتحاربان آنذاك، بانقلاب ضد الحكومة المدنية وسيطرا معا على السلطة.

ويذكر عشاري أنها "كانت مرحلة مؤلمة وكان المتظاهرون يقتلون كل أسبوع" عندما يخرجون للمطالبة بعودة الحكم المدني.

احتراق "رتينة"

فجأة، استيقظ سكان الخرطوم في يوم سبت بحدود نهاية رمضان على دوي المدافع وأدركوا أن حربا تدور في الشوارع.

غادر عدة ملايين من السودانيين العاصمة، واضطرت أورسود إلى ترك تجهيزات الصوت الجديدة والفرار من الخرطوم. 

وتقول: "كانت المعدات لاتزال داخل الصناديق" عندما استولت قوات الدعم السريع على البناية التي كانت تقيم وتعمل فيها.

وعندما كان عشاري يحاول إعادة ترتيب أموره في القاهرة، تلقى لقطات فيديو أظهرت نشوب حريق ضخم. وقال: "هكذا عرفت أن (مقهى) رتينة احترق".

العديد من السودانيين العاملين في الخارج استثمروا في بلادهم بعد الثورة وانفقوا مدخرات حياتهم في بناء منازل في الخرطوم، ولكنهم عجزوا عن أي فعل وهم يرون قوات الدعم السريع تسيطر على بيوتهم.

وتقول الطاهية المتخصصة في صنع الحلويات، شيماء عدلان (29 عاما)، إن والدها الذي يعمل في الرياض كان "يدعو الله أن تدمر قذيفة منزله بدلا من أن يتحول إلى قاعدة لقوات الدعم السريع".

"السودان لنا"

عدلان، التي كانت بدأت العمل متعهدة لتقديم الطعام، وجدت نفسها بعد الحرب في القاهرة، بعيدا من موطنها وبلا عمل.

ما زال الشباب السودانيون الذين كانوا يأملون في مستقبل واعد لبلادهم وينظمون التظاهرات يحلمون بالديمقراطية.

أما من بقي منهم داخل السودان فقد باتوا يشرفون على شبكة المساعدات الإنسانية ويشكلون، وفق الأمم المتحدة "الخط الأول"لتلبية الاحتياجات الانسانية الناجمة عن الحرب.

ورغم المنفى والألم، يقول عشاري: "لاتزال هناك شعلة من الثورة موجودة في كل قلب".

وتقول أورسود "السودان لنا، فماذا نفعل إن لم نواصل السعي لإعادة بنائه؟".