صورة جوية لدخان كثيف وألسنة اللهب في سوق في أم درمان
دخان كثيف وألسنة لهب في سوق في أم درمان بسبب المعارك

على نحو متصاعد، ارتفعت وتيرة المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مدينة أم درمان، وازدادت معها حالة المغالطات والجدل حول خريطة السيطرة. 

ويقول الجيش إنه "بات على مقربة من طرد عناصر المليشيا المتمردة"، بينما تؤكد قوات الدعم السريع أنها "تبسط سيطرتها على الأحياء والمواقع المهمة والحيوية في المدينة".

وشهدت المدينة التاريخية التي يفصلها نهر النيل عن العاصمة السودانية، الخرطوم، اشتباكات بين الطرفين، مع استمرار انقطاع خدمات الاتصالات والإنترنت منذ السادس من فبراير.

وفي أحدث تطور ميداني، أعلن الجيش، أن قوة تابعة له تحركت من منطقة كرري العسكرية، وتمكنت من الوصول إلى منطقة سلاح المهندسين، وأدخلت إمدادات غذائية وعسكرية إلى القوات الموجودة هناك، للمرة الأولى منذ 10 شهور.

ويشير الباحث في الدراسات العسكرية السودانية، عبد المنعم خلف الله، إلى أن "دخول قوات الجيش السوداني إلى منطقة سلاح المهندسين، يبرهن على أن الجيش غيّر استراتيجيته القائمة على الدفاع، وتحول إلى الهجوم، وأنه أضحى أكثر سيطرة وانتشارا في أحياء مدينة أم درمان".

وقال خلف الله لموقع الحرة، إن "الجيش تمكن من فك الحصار المضروب بواسطة قوات الدعم السريع على سلاح المهندسين، ما انعكس سريعا على معادلة وخريطة السيطرة الميدانية".

وأضاف "تمكن الجيش من بسط سيطرته على عدد من الأحياء الواقعة شرقي أم درمان، وخاصة حي أبو روف الاستراتيجي الذي كان تحت سيطرة الدعم السريع".

وتصنف أم درمان، كضلع ثالثة للعاصمة السودانية المثلثة، المكونة من الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان. 

وتتفوق على الخرطوم في الأهمية التاريخية، لكونها كانت عاصمة للدولة المهدية التي حكمت السودان في نهاية القرن التاسع عشر، كما أنها شهدت مولد حركات التحرر من الاستعمار البريطاني.

وبدوره، قلل مستشار قائد قوات الدعم السريع، عمران عبد الله، من وصول قوة من الجيش من منطقة كرري العسكرية إلى مقر سلاح المهندسين، وإيصال الإمداد لأول مرة منذ شهور، وأشار إلى أن "ذلك يدلل على تفوق الدعم السريع، وليس العكس".

وقال عبد الله لموقع الحرة، إن "الحصار لا يزال مضروبا من قوات الدعم السريع على مقر سلاح المهندسين. ومن المتوقع أن نعلن السيطرة عليها في أي لحظة، بخاصة عقب زيادة القوة المكلفة بالحصار".

وأشار إلى أن "قوات الدعم السريع لا تزال تسيطر على معظم أحياء ومناطق أم درمان، وأن عناصر الجيش يتسللون خلسة إلى بعض المواقع، ويقومون بتصوير مقاطع فيديو وبثها لاحقا، في إطار الدعاية الحربية".

ويسيطر الجيش على منطقة "وداي سيدنا" التي تقع في شمال أم درمان، وتعد من أهم القواعد العسكرية، كونها تضم قيادة سلاح الجو، وزادات أهميتها مع اندلاع المعارك الحالية في السودان.

ولعب سلاح الجو التابع للجيش دورا محوريا في العمليات القتالية الدائرة حاليا، حيث كثف طلعاته الجوية على تمركزات قوات الدعم السريع منذ الساعات الأولى لتفجر القتال في 15 أبريل 2023.

ومنذ اندلاع القتال، ظلت قوات الدعم السريع تحاول عبور جسر الحلفايا من ناحية الخرطوم بحري (شرقي النيل)، للوصول إلى منطقة "وادي سيدنا" العسكرية في أم درمان (غرب النيل)، لكن الترسانة العسكرية التي ينشرها الجيش صعّبت المهمة.

ومؤخرا باتت قوات الدعم السريع تستخدم راجمات صواريخ بعيدة المدى لقصف منطقة "وادي سيدنا" العسكرية، إذ أعلن الناطق باسمها في بيانات متعددة، أن القذائف تسببت في تدمير طائرات ومقتل عدد من ضباط وجنود الجيش في تلك القاعدة، حسبما يقول.

ماذا يدور في مقر الإذاعة؟

منذ اليوم الأول للحرب، سيطرت قوات الدعم السريع على مقر الإذاعة والتلفزيون السوداني الواقع في أم درمان، وانتشرت في عدد من أحياء المدينة،  كما أنها نفذت محاولات متعدد للاستيلاء على مقر سلاح المهندسين الواقع جنوب المدينة.

وفي المقابل، ينفذ الجيش طلعات جوية عبر سلاح الطيران، على محيط الإذاعة لإجبار قوات الدعم السريع للانسحاب منها، ومؤخرا شرع الجيش في تنفيذ عملية برية لاستعادة مقر الإذاعة والتلفزيون الواقع على الضفة الغربية لنهر النيل.

ويرى خلف الله، أن "الجيش يتعامل بحذر شديد في مسألة اقتحام مقر الإذاعة والتلفزيون، لاعتبارات متعلقة بالتاريخ والإنسانية، ولأن الإذاعة تعتبر ذاكرة الشعب السوداني، وأن نيران المدافع يمكن أن تحيل كل ذلك التاريخ إلى رماد".

وأشار إلى أن "الجيش يضع اعتبارا للأعداد الضخمة من المدنيين والأسرى الذين تحتجزهم قوات الدعم السريع في مقر الإذاعة، وتتخذهم دروعا بشرية، ويعمل على تجنيبهم خطر الاقتحام غير المدروس".

وأضاف "الآن يفرض الجيش حصارا محكما على مقر الإذاعة والتلفزيون، ومن المتوقع استعادة المقر تحت أي لحظة، خاصة بعد فرار أعداد كبيرة من مسلحي الدعم السريع إلى الخرطوم عبر نهر النيل، مستغلين المراكب الشراعية وغيرها".

وسرى على نطاق واسع، الأربعاء، أن الجيش السوداني، استعاد السيطرة على مقر الإذاعة والتلفزيون. وهي معلومات أسهم غياب الاتصالات والإنترنت في مزيد من الجدل حولها، لكن مستشار قائد قوات الدعم السريع أكد "استمرار سيطرتهم على المقر".

وقال إن "قوات الدعم السريع موجودة في مقر الإذاعة والأحياء المحيطة بها، وما يشاع عن سيطرة الجيش عليها، غير صحيح، ولن يكون. وأما الحديث عن دروع بشرية في الإذاعة فهو كذبة تطلق على كل المواقع".

وأرجع أستاذ الإعلام بالجامعات السودانية، مرتضى أبو زيد، تضارب الأخبار حول مجريات المعارك في أم درمان، إلى غياب الاتصالات، وإلى رهان طرفي القتال على الشائعة، كواحدة من وسائل الحرب النفسية".

وقال أبو زيد لموقع الحرة، إن  "طبيعة حرب المدن تجعل من المستحيل تأكيد السيطرة الفعلية على الأرض، لأن الارتكازات التي ينصبها الطرفان، غالبا ما تكون وقتية، وتُزال إما تحت ضغط المعارك، أو للرغبة في التمدد أكثر ناحية مواقع الطرف الآخر".

وحذر أستاذ الإعلام من خطر الاقتتال داخل، أو حول مقر الإذاعة والتلفزيون، وقال إن ذلك "سيعرض تاريخ البلاد إلى التلف، لأن مقر الإذاعة والتلفزيون يضم أكبر المكتبات وبه معظم التراث السمعي البصري السوداني".

وتابع "للأسف المعلومات التي تردنا، تشير إلى أن قوات الدعم السريع أتلفت كثيرا من المحتويات، وحولت المقر إلى خنادق قتالية، وعبثت بالاستديوهات وأجزاء من المكتبة".

ولفت إلى أن "القتال اقترب من مواقع الطوابي التاريخية التي تعد ضمن المعالم الأثرية في أم درمان".

وبنى حكام الدولة المهدية في السودان عام 1896، مجموعة من الطوابي (القلاع) من الطوب والطين، في محاذاة الضفة الغربية لنهر النيل، واتخذوها كحصون قتالية ضمن خطط حربية للتصدي لقوات الاستعمار.

وبدورها، حذرت نقابة الصحفيين السودانيين في بيان، من أن "القتال بين الجيش والدعم السريع، في مباني الإذاعة والتلفزيون من شـأنه تدمير أرشيف يقترب عمره من مائة عام، ويمثل إرثا سياسيا وثقافيا واجتماعيا، للأمة السودانية".

نيران في "بيت المال"

المواجهات التي تجددت في أم درمان بين الجيش والدعم السريع، امتدت إلى منطقة "بيت المال"، إذ أشار الجيش إلى أنه "بسط سيطرته على المنطقة"، كما بث مقاطع فيديو تُظهر قواته في الحي، كتطور ميداني جديد.

ويقع في منطقة "بيت المال"، مقر رجل الدين الصوفي، الأمين عمر الأمين، الذي تحول إلى مقر لإيواء الذين هربوا من نيران الحرب، وتقديم الغذاء والعلاج لهم، بعدما أنشأ الأمين عيادة ميدانية لتطبيب مصابي الحرب من المدنيين.

واتهم ضباط من الجيش السوداني، في مقاطع فيديو متعددة، رجل الدين الصوفي، بموالاة قوات الدعم السريع، ما أفرز موجة من الانتقادات للرجل من مناصري الجيش، إذ حرّض سياسيون بارزون وإعلاميون معروفون على ضرورة محاسبته بتهمة "التعاون مع المليشيا المتمردة".

وأكدت لجنة محامي الطوارئ السودانية، أن قوة من الجيش اقتادت رجل الدين، الذي يتخذ منهجا يزواج بين التصوف والحداثة، إلى جهة غير معلومة، بينما أظهرت مقاطع فيديو عملية الاقتياد.

وطالب عضو اللجنة، أمين صلاح، في حديث لموقع الحرة، "بضرورة إطلاق سراح الشيخ الأمين، وعدم تعريضه لأي خطر، لكونه مدنيا اختار أن يساعد أهل الحي الذي يقطن فيه، حينما اختار الآخرون الفرار والتخلي عن مسؤولياتهم تجاه المواطنين".

ولفت صلاح إلى "أن الشيخ الأمين وقع ضحية للحملة العدائية التي سرت ضده من ضباط بالجيش السوداني وسياسيين وصحافيين وناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي".

ويرتبط الأمين عمر الأمين بعلاقات مع قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان "حميدتي"، ويتبادل الطرفان الزيارات المعلنة. بينما سجل عدد من قادة الدعم السريع زيارات إلى رجل الدين الصوفي خلال الحرب الحالية، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة إليه.

وبالنسبة للباحث في الشؤون العسكرية السودانية، فإن "الأمين لعب دورا مرسوما بعناية لغسل صورة مليشيا الدعم السريع في أذهان الناس، بخاصة عقب الانتهاكات الواسعة التي تورطت فيها ضد المواطنين".

ولفت الباحث، إلى أن "الأمين حاول أن يجمّل صورة المليشيا باستقباله قادتها، وإيهام الناس بأنهم يأتون إليه لتسليمه مساعدات ومواد غذائية ليقدمها للمحتاجين، مع أن المليشيا نفسها تعاني من أزمة غذاء، وتنهب المحال التجارية لتوفير الطعام لمنسوبيها".

بدوره، نفى مستشار قائد الدعم السريع، وجود أي علاقة بين رجل الدين الصوفي، وبين قوات الدعم السريع، وحمّل قيادة الجيش "مسؤولية سلامته، وطالب بعدم الزج بالمدنيين في الصراع".

تصريحات البرهان تزامنت مع إعلان التلفزيون السوداني أن تشكيل الحكومة الجديدة بات وشيكا
بعد 10 شهور من الحرب.. ما إنجازات البرهان وما إخفاقاته عسكريا وسياسيا؟
مع دخول الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شهرها الحادي عشر، واقترابها من إكمال العام، تراجعت فرص الحل السلمي، وزاد رهان الطرفين المتحاربين على الحسم العسكري، بخاصة عقب دخول الجيش إلى مناطق كانت خاضعة كليا لسيطرة الدعم السريع في مدينة أم درمان، بالعاصمة السودانية، الخرطوم.

وأدى تجدد المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع في أم درمان، لزيادة معاناة المواطنين في الحصول على الغذاء والعلاج، بحسب غرف الطوارئ في بعض أحياء المدينة.

وقال الناشط المجتمعي، منير الطيب، لموقع الحرة، إن "الجيش وصل إلى مناطق كانت خاضغة كليا تحت سيطرة الدعم السريع، واقترب من محيط الإذاعة والتلفزيون، وسط تصاعد المواجهات".

ولفت الطيب، الذي كان ينشط في غرف طوارئ حي أبو روف، قبل أن يهرب مؤخرا إلى أحد معسكرات اللجوء في كينيا، إلى أن "الأخبار التي تحصل عليها، تفيد بأن حالة الرعب عادت إلى المواطنين بدرجات أعنف مما كانت حادثة في السابق، وأن السلع الأساسية تشهد ندرة شديدة، مع ارتفاع كبير في الأسعار".

وأشار الناشط المجتمعي، إلى أن "تجدد المواجهات أدى لإغلاق المراكز الصحية التي كانت تقدم الخدمات الطبية الأولية، مجددا، بعد أن تخوفت الكوادر الطبية والصحية على سلامتها الشخصية".

وتطالب غرف الطوارئ، وهي مبادرات شبابية تشكلت عقب اندلاع الحرب لتقديم الخدمات للمواطنين، طرفي القتال بالسماح بدخول المساعدات الأجنبية إلى المتضررين من النزاع، بخاصة مع تفاقم الأوضاع الإنسانية.

وتحذر منظمات حقوقية منذ أشهر من أن شبح المجاعة يلوح في الأفق في السودان، نتيجة لعرقلة وصول المساعدات الإنسانية والنقص الحاد في التمويل.

والأسبوع الماضي، كشف برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، أن 95 في المئة من السودانيين لا يستطيعون تأمين وجبة كاملة في اليوم.

ووفق أرقام الأمم المتحدة، أدى الصراع بين الجيش والدعم السريع إلى مقتل أكثر من 12 ألف شخص، وأجبر أكثر من 7 ملايين على الفرار من منازلهم، بينهم 1.5 مليون لجأوا إلى تشاد ومصر وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا.

وفي السابع من فبراير، أطلقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، نداء لتقديم دعم دولي بقيمة 4.1 مليار دولار للمدنيين المحاصرين في السودان.

وقالت وكالات الأمم المتحدة إن نصف سكان السودان، أي حوالي 25 مليون شخص، يحتاج إلى الدعم والحماية، وإن الأموال المطلوبة ستخصص لمساعدة ملايين المدنيين في السودان وغيرهم ممن فروا إلى الخارج.

الزعيم القبلي موسى هلال
صورة يظهر فيها هلال بعد ساعات من اعتقاله بواسطة الدعم السريع في 2017 | Source: Courtesy Image

بعد أن تضاربت المعلومات عن موقفه من الحرب، أعلن موسى هلال، مؤسس ميليشيا الجنجويد التي انبثقت منها قوات الدعم السريع، مساندته للجيش، في الحرب الدائرة حاليا بالسودان.

وارتبط هلال، الذي يرأس قبيلة المحاميد العربية، بالحرب التي شهدها إقليم دارفور بغرب السودان في العام 2003، إذ تتهمه الأمم المتحدة بالتورط في تسليح قبائل عربية للقتال إلى جانب نظام الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

وأدت حرب دارفور إلى مقتل 300 ألف شخص، وتشريد 2.5 مليون آخرين، وفق الأمم المتحدة، بينما يقول نظام الرئيس السوداني السابق إن عدد القتلى لا يتجاوز 10 آلاف قتيل.

وتسببت الحرب التي شهدها الإقليم في إصدار مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق البشير وعدد من رموز نظامه، ووضعت هلال ضمن قائمة عقوبات أممية ودولية.

خلافات قديمة

وظهر هلال في مقطع فيديو، وهو يخاطب حشدا من مناصريه، قائلا "ليس المطلوب من المواطن الصالح أن يخرب بلاده، وليس المطلوب منه أن يقبل الغزو على وطنه"، معلنا أنه "مع الجيش والوطن ومؤسساته السيادية".

وكشف هلال عن تعرضه لمحاولة اغتيال، وقال إن "شخصا تعود جذوره إلى خارج السودان" أطلق عليه النار من بندقية محاولا قتله، قبل أن يتمكن أفراد الحماية التابعون له من القبض على الجاني".
 

ويرى المختص في شؤون دارفور، عمر إسحق، أن "مساندة موسى هلال للجيش السوداني، من شأنها أن تقود لمتغيرات قتالية لصالح الجيش، إن لم تكن على مستوى المعارك بالبلاد، فعلى مستوى إقليم دارفور".

وقال إسحق لموقع الحرة إن "هلال له تأثير كبير على القبائل العربية في دارفور، أكثر من تأثير قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان حميدتي عليها، ما قد يقلل عمليات انضمام منسوبي القبائل العربية إلى الدعم السريع".

ولفت إلى أن "هلال يمكن أن يلعب لصالح الجيش ذات الدور الذي لعبه مع نظام البشير، بتجنيد المقاتلين، الأمر الذي ساعد البشير وقتها، في التصدي لعشرات الحركات المكونة من القبائل غير العربية في دارفور".

وينتمي موسى هلال وحميدتي إلى قبيلة الرزيقات العربية، التي تصنف كأكبر القبائل الدرافورية التي ترفد قوات الدعم السريع بالمسحلين. 

وانشق حميدتي من ميليشيا الجنجود التي ألحقها نظام البشير بالجيش، وأطلق عليها قوات حرس الحدود. وفي عام 2013، أسس حميدتي مليشيا الدعم السريع، بعد الاستعانة بعدد من أشقائه وأقربائه.

وفي عام 2017 أجاز البرلمان السوداني قانونا ألحق بموجبه ميليشيا الدعم السريع إلى الجيش، ليتصاعد الخلاف بين حميدتي وهلال، بعد أن كلف نظام البشير قوات الدعم السريع بجمع السلاح غير القانوني في دارفور.

واعتقلت قوة من الدعم السريع، في نوفمبر 2017، موسى هلال من مقر إقامته في ضاحية مستريحة بشمال درافور. وبعدها حكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن، بتهم تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة.

وعقب سقوط نظام البشير، وتحديدا في مارس 2021 أصدر مجلس السيادة السوداني قرارا بالعفو عن هلال، وفق ما ذكره بيان لمجلس الصحوة الثوري الذي أسسه هلال عقب خلافاته مع نظام البشير.

شمال دارفور.. هل تعيد المعارك مع "الدعم السريع" شبح الحرب الأهلية؟
في تحول جديد بالمعارك الدائرة في السودان منذ أكثر من عام، شهدت ولاية شمال دارفور الواقعة في غرب البلاد، أول اشتباكات مباشرة، بين قوات الدعم السريع وبعض الحركات المسلحة، بعد أن تخلت تلك الحركات عن الحياد، وقررت المشاركة في القتال إلى جانب الجيش

وقلل أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، عز الدين المنصور، من مساندة هلال للجيش السوداني"، مشيرا إلى أن "الزعيم الأهلي لم يعد يملك ذات النفوذ القبلي القديم".

وقال المنصور لموقع الحرة، إن "قوات الدعم السريع سبق أن اعتقلت هلال وحُكم عليه بالسجن، ومع ذلك لم يبدر من قبيلته أو مناصريه أي تحركات مُناهضمة أو انتقامية، وكل ما حدث وقفات احتجاجية محدودة، من أسرته وأحفاده، مما يؤشر على تراجع نفوذه القبلي".

وأشار أستاذ العلوم السياسية، إلى أن "القرار الذي أصدره البرهان بفتح المعسكرات لتدريب المتطوعين، وفّر آلاف المقاتلين تحت لافتة المقاومة الشعبية".

وتابع: "ما ينقص الجيش حاليا، السلاح والعتاد الحربي وليس العناصر القتالية".

جغرافيا متغيرة

ويلفت المنصور إلى أن قوات الدعم السريع بسطت نفوذها في دارفور، بصورة أكبر مما كانت عليه في السابق، "ما يقلل فاعلية هلال في الإقليم المضطرب".

وأشار إلى أن "هلال لم يتمكن من إخضاع حتى بعض قادة مجلس الصحوة الذي أسسه بعد خلافه مع نظام البشير، إذ انضم كثيرون منهم إلى القتال فعليا مع قوات الدعم السريع".

وبعد اندلاع الحرب بينها والجيش، تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على ولاية جنوب دارفور، وتبع ذلك سيطرتها على ولاية غرب دارفور، ثم ولاية وسط دارفور، وولاية شرق دارفور، لتبسط سيطرتها على أربع من أصل خمس ولايات في دارفور، بينما ظلت ولاية شمال دارفور خارج سيطرة الدعم السريع.

وفي المقابل، يشير إسحق إلى أن "أهمية هلال تنبع من كونه يملك تأثيرا قبليا في ولاية شمال دارفور، التي تسعى قوات الدعم السريع للاستيلاء عليها، لتعلن كامل سيطرتها على كامل دارفور".

وأضاف: "الآن تبدو مهمة الدعم السريع للاستيلاء على شمال درافور عسيرة وشاقة، خاصة أن الولاية تعد مركز ثقل الحركات غير العربية التي أعلن أغلبها مؤخرا مساندة الجيش".

وتعيش ولاية شمال دارفور وضعا استثنائيا، وخاصة عاصمتها الفاشر، إذ توجد قوات الدعم السريع، في أحياء شرق المدينة، بينما توجد الحركات المسلحة والجيش في الأجزاء الأخرى.

وفي سبتمر الماضي، حشدت قوات الدعم السريع مسلحيها للهجوم على مدنية الفاشر، العاصمة التاريخية للإقليم الذي كان مستقلا عن السودان حتى عام 1916، لكنها تراجعت بعد تفاهمات مع قادة الحركات المسلحة التي كانت تقف على الحياد، حسبما ذكر نائب قائد قوات الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو، في وقت سابق.

ولفت المختص في شؤون دارفور إلى أن "هلال يمكن أن ينسج خطابا عاطفيا لاستمالة قادة القبائل العربية الذين أظهروا سخطا على قوات الدعم السريع، بعد اتهامها بارتكاب فظائع ضد المدنين، وخاصة النساء".

وأضاف: "كثيرون من قادة القبائل العربية في دارفور يرفضون التعدي على حرمات النساء وأموال المواطنين وسرقة ونهب سياراتهم ومتلكاتهم، على نحو ما تتهم به تقارير سودانية ودولية قوات الدعم السريع".

بعد إعلان حاكم دارفور.. تحالف بمواجهة الدعم السريع وحديث عن "هجوم واسع"
من على ظهر عربة قتالية، في طريق بري بالقرب من الخرطوم، أطلق حاكم إقليم دارفور، رئيس حركة تحرير السودان، مني أركو مناوي، تعهدا بالعمل إلى جانب الجيش السوداني "لاستعادة البلاد وبيوت المواطنين من قوات الدعم السريع".

ومع تصاعد القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، اتهمت جماعات حقوقية، طرفي القتال بالتورط في انتهاكات ضد المدنيين، بينما تشير أغلب التقارير إلى فظائع يرتكبها عناصر من الدعم السريع، بما في ذلك حالات اغتصاب ضد فتيات.

وعقب الحرب بين الجيش والدعم السريع، توزع قادة القبائل العربية المصنفة كحاضنة اجتماعية لقوات الدعم السريع، بين داعمين للجيش، أو مناصرين لقوات الدعم السريع، أو واقفين على الحياد.

وانضم عدد من قادة نظام البشير الذين تعود جذورهم إلى القبائل العربية في دارفور إلى قوات الدعم السريع.

والأسبوع الماضي، أصدرت الحركة الإسلامية، التي تعد المرجعية الدينية لنظام البشير، قرارا بفصل، نائب رئيس الجمهورية السابق، حسبو محمد عبد الرحمن، من منصب نائب أمينها العام، وأسقطت عضويته من التنظيم.

وقالت في بيان، إن "عبد الرحمن حاد عن مبادئ وأهداف الحركة وانضم إلى مليشيا الدعم السريع".

ووفق أرقام الأمم المتحدة، أدى الصراع بين الجيش والدعم السريع إلى مقتل أكثر من 13 ألف شخص، وأجبر أكثر من 7 ملايين على الفرار من منازلهم، بينهم 1.5 مليون لجأوا إلى تشاد ومصر وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا.

وقالت وكالات الأمم المتحدة إن نصف سكان السودان، أي حوالي 25 مليون شخص، يحتاجون إلى الدعم والحماية، من جراء تداعيات الحرب التي تدور في عدد من أنحاء البلاد.